الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

دعم السكن المباشر بالمغرب.. بين نبل الأهداف الملكية، جشع العقار، تواطؤ الضعف، وظل الرقابة الغائبة

دعم السكن المباشر بالمغرب.. بين نبل الأهداف الملكية، جشع العقار، تواطؤ الضعف، وظل الرقابة الغائبة
حجم الخط:

مقال رأي: د. رشدي الدحماني

في بلاد (العاطي يعطي والمسكين كايخلص الفاتورة)، حيث يُفترض أن تكون المبادرات الاجتماعية السامية درعاً يحمي كرامة المواطن ويخفف عنه قساوة العيش، تحول برنامج الدعم المباشر للسكن إلى أشبه ما يكون بالغنيمة الباردة، وإلى بقرة حلوب يستوجب حلبها على أصولها في كواليس مافيا العقار! فبينما كانت الدولة تسعى جاهدة لإعطاء نفس جديد لقطاع التعمير وتمكين الطبقات الهشة ومحدودة الدخل من مفاتيح سكن لائق يحفظ ماء وجوههم، سارع أباطرة الطوب والأسمنت إلى تشمير عن ساعد الجشع، ليختفي الحلم الاجتماعي في رمشة عين تحت وطأة زيادات صاروخية التهمت العشرة ملايين قبل أن تصل حتى إلى جيوب المستفيدين الحقيقيين. إنها مهزلة بكل المقاييس؛ دار كانت تعرض بالأمس القريب بخمسة وعشرين مليوناً، قفزت بقدرة قادر إلى خمسة وثلاثين مليون سنتيم فما فوق، متزامنة بشكل مشبوه مع نزول الدعم إلى السوق، ليبقى المواطن البسيط، المنهك بحرقة الضرائب وضعف الحيلة، غارقاً في بحر من الديون والقروض البنكية الثقيلة التي تقمصه طيلة العمر، وليتحول الدعم العمومي من طوق نجاة إلى ريع مُلثم يراكم أرباح السماسرة على حساب بؤس الفقراء، في ظل صمت رهيب وغياب تام لأي رادع يضع حداً لهذه الفوضى العارمة.

إن المتتبع لنبض الشارع وما يدور في صالونات وكواليس السوق العقاري اليوم يلمس حالة عارمة من الاستياء العميق جراء الانحراف الخطير الذي عرفه تطبيق برنامج الدعم، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي وفضاءات النقاش العمومي إلى منابر لفضح ما يصفه المتضررون بالسطو المقنن على الدعم العمومي، فحين رصدت الدولة مليارات الدراهم لدعم القدرة الشرائية للمواطن الراغب في اقتناء مسكنه الرئيسي، كان المنطق السليم يفترض أن يتنافس المنعشون العقاريون في جلب الزبناء عبر تقديم عروض تنافسية تخفض الكلفة أو تحسن الجودة، غير أن الواقع أفرز تناقضًا صارخًا تمثل في احتكار غير مبرر وتحالفات خفية بين شبكات المضاربة لتحويل الدعم المباشر، سواء عشرة ملايين سنتيم أو سبعة ملايين حسب الفئات، من أداة تخفيف إلى علاوة سعرية تُضاف تلقائيًا وفوريًا إلى السعر الأصلي للعقار، لتتحول مكاتب البيع إلى آليات ماصة لدماء المواطنين قبل حتى أن تستقر السيولة في جيوبهم، ويتجلى الوجه الأبشع لهذا العبث في سيناريو النفخ الممنهج في الأسعار والزيادة التلقائية المفروضة فرضًا على الزبون، وهو السيناريو الأكثر وقاحة وشيوعًا في مختلف المدن المغربية، حيث سارع عدد كبير من المنعشين العقاريين، بمجرد الإعلان الرسمي عن الدعم، إلى إعادة تسعير وحداتهم السكنية الاقتصادية بشكل ميكانيكي مشبوه، فالشقة التي كانت تُسوق سابقًا بثقف لا يتجاوز خمسة وعشرين مليون سنتيم قفزت بقدرة قادر وبدون أي مبرر تقني أو مادي إلى خمسة وثلاثين مليون سنتيم فما فوق، وكأن الدعم الحكومي لم يُخلق إلا لتغطية هذه الزيادة المصطنعة وإثراء المنعشين، ليتبخر الدعم في هواء الجشع ولا يستفيد منه المشتري المنهك سوى السراب والأوهام، في استخفاف تام بروح المبادرة ومقاصدها التضامنية، ولا يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل يمتد ليعري سيناريو استنزاف المدخرات المزدوجة وفخ الملايين التكميلية، إذ يجد الشاري المسكين نفسه مرغماً على بيع ما لديه، ورهن مستقبل عائلته بأكمله لدى الأبناك عبر قروض ثقيلة ومجحفة، طالما أنه يُطالب بدفع مبلغ الدعم الحكومي كاملاً مضافاً إليه رأسماله القديم وقروضه السابقة التي كانت تكفي لوحدها في السابق لاقتناء السكن، ليجد نفسه يؤدي مبالغ فلكية تفوق بكثير القيمة الحقيقية للعقار، في الوقت الذي جاء فيه الدعم أصلاً ليعفيه من هذا العبء المالي المروع، فإذا بالدعم يتحول إلى عبء إضافي يضاعف جراح المواطن البسيط ويزيد من تأزيم وضعيته الاجتماعية بدل أن ينتشله من براثن أزمة السكن المزمنة.

وموازاة مع ذلك، يبرز سيناريو جني الأرباح المضاعفة وتراجع الجودة كوجه آخر من أوجوه الريع العقاري، حيث تعامل بعض جشعي القطاع مع الدعم المباشر بمنطق الربح السريع والمضمون بحكم توفر السيولة الحكومية الجاهزة، متجاهلين تماماً أي التزام بتحسين جودة البناء، أو احترام المعايير الهندسية والبيئية والمرافق المجتمعية المتاحة، مما جعل التجمعات السكنية الجديدة تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم والتهيئة الحضرية اللائقة، لتتحول الأموال العامة المخصصة للتنمية الاجتماعية إلى أداة لتكرس الفوارق الطبقية العميقة وإثراء جهات لا تراعي سوى مراكمة الأرصدة البنكية على حساب بؤس الفقراء ومحدودي الدخل الذين باتوا ضحايا لتجارة الطوب والأسمنت. ولا يمكن قراءة هذه المهزلة العقارية بمعزل عن تفشي مظاهر الفساد الممنهج وهوان الضمير المهني والحياد الأخلاقي لدى بعض الأطراف المتدخلة في الحلقة العقارية، فالفساد هنا ليس مجرد تجاوزات إدارية عابرة، بل هو منظومة متكاملة من التواطؤات المصلحية التي تضرب في عمق القيم الأخلاقية والوطنية، وحين ينعدم الضمير الحي، يتحول المهندسون والموثقون والوسطاء والمنعشون إلى شبكات مصالح خفية تحترف الالتفاف على القوانين، وتتحايل على النصوص التنظيمية لشرعنة نهب المال العام ومضاعفة الأرباح غير المشروعة، وإن غياب الوازع الأخلاقي جعل من قطاع الإسكان، الذي يُفترض أن يكون رافعة للاستقرار الاجتماعي، حلبة مستباحة للمضاربة الرخيصة والسمسرة الموجهة، حيث تُداس مصالح الوطن والمواطن في أتون حسابات جشعة تفتقر لأدنى معايير المسؤولية الوطنية والمجتمعية، ولعل الوجه الأكثر مأساوية وإيلاماً في هذه المنظومة هو ذلك الخنوع السلبي وتواطؤ المشتري نفسه بسكوته وضعفه وخوفه، فبسبب لهفة امتلاك سكن وانهيار مناعة الثقة بالنفس، يقبل المواطن المغلوب على أمره بالخضوع لشروط الابتزاز، متنازلاً عن حقه المشروع في الاحتجاج أو التبليغ، بل ويصل الأمر بمجموعة من المشترين إلى مجاراة المنعشين في ألعابهم الملتوية عبر قبول عقود مزورة أو أداء مبالغ تحت الطاولة، خوفاً من ضياع الشقة المزعومة، وهذا الرضوخ المستكين وضعف الوعي الحقوقي يمنحان المبرر والضوء الأخضر لجيوب العقار للتماديل في غيّهم، ليتحول الضحية بفعل عجزه وضعفه إلى شريك غير مباشر في تكريس الجريمة واستمرار نزيف الدعم العمومي دون رد فعل جماعي يرغم الفاسدين على التراجع.

ولا تكتمل الصورة القاتمة إلا بالحديث عن سيناريو التلاعبات القانونية والعقود الموازية أو ما يعرف بالكاش وتحت الطاولة، حيث يُجبر المشتري في العديد من الكواليس على أداء مبالغ مالية ضخمة خارج التصريح الضريبي والقانوني الرسمي لضمان الحصول على الشقة المدعومة، وهذا الوضع الشاذ يضع المواطن وجهاً لوجه أمام حائط مسدود يجمع بين مطرقة شروط الدعم الإدارية وسندان الابتزاز الممارس من طرف شبكات السمسرة والعقار، في خرق سافر لكل القوانين الجاري بها العمل وغياب تام لأي رادع أخلاقي أو قانوني يضع حدًا لهذه الممارسات التي تشبه العصابات المنظمة في نهب جيوب المواطنين والتهرب الضريبي المقنن، وهنا تكمن الطامة الكبرى وأساس البلاء، المتمثلة في الغياب التام أو الضعف الفاضح لأجهزة الرقابة الصارمة والافتحاص المؤسساتي، فقد تخلت الجهات الوصية ولجان التتبع الجهوية والمحلية عن دورها الأساسي في حماية المال العام وحقوق المستهلك، تاركة الحبل على الغارب لأباطرة العقار والمضاربين ليعبثوا بقوت المغاربة وأحلامهم في الاستقرار، فبدل أن تتدخل الدولة لتسقيف الأسعار بقرارات زجرية، وربط الدعم بشروط صارمة، ومقاضاة كل من يرفع السعر بشكل متزامن مع الإعلان عن الدعم، ظلت مكتوفة الأيدي أو عاجزة عن فرض هيبة القانون، مما حول المال العام الموجه للطبقات الشعبية إلى هدايا مجانية تُمنح لمن لا يستحقها، ويُحرم منها المستهدف الحقيقي بالرعاية السامية.

ولإنقاذ هذا الورش الاستراتيجي من الوعكة العميقة التي يعاني منها، بات لزامًا التفكير في حلول جذرية وخارج الصندوق تتجاوز الحلول الترقيعية الكلاسيكية، ومن أبرزها إحداث مرصد وطني لأسعار العقار الاجتماعي كهيئة مستقلة تتمتع بصلاحيات ضبطية وقضائية لتتبع مسار الشقق المدعومة ورصد أي زيادات مشبوهة أو تلاعبات في العقود مع ربط صرف الدعم بتقرير تقييمي دقيق يؤكد استقرار الثمن الأصلي، فضلاً عن تسقيف هوامش ربح المنعشين العقاريين بفرض نسبة ربح قانونية ومحددة سلفاً لكل متر مربع في السكن المدعوم واعتبار كل تجاوز لها جريمة استغلال لبرامج الدعم العمومي ومتابعة أصحابها جنائياً، وإطلاق منصة رقمية وطنية للشفافية العقارية تعرض الأسعار الحقيقية والمحددة قانوناً للشقق المدعومة تتيح للمواطن التبليغ الفوري والسرّي عن أي ابتزاز أو طلب لأموال إضافية تحت الطاولة، وتوجيه الدعم مباشرة كـ سند عيني قابل للتحويل الحصري بدل ضخ السيولة التي تستغل في النفخ في الأسعار بالاعتماد على صيغ تمويلية بنكية مدعومة الفائدة بنسبة صفر بالمائة موجهة حصرياً لاقتناء وحدات مسكنية بمواصفات وثمن محددين مسبقاً بعقود مبرمة مع الدولة، فاستمرار هذا العبث الممنهج ينذر حتماً بفقدان برنامج السكن المباشر لجوهر غاياته النبيلة، ليتحول إلى مهزلة اجتماعية حقيقية يصدق فيها القول الشعبي المفعم بالقهر والمرارة: “العاطي يعطي.. والضحية دائماً هو البسيط”.

إن الدولة اليوم مطالبة بخرجة جريئة لا تقبل التردد، تقضي بإعلان حالة استنفار رقابي، وفرض تسقيف صارم وحقيقي للأسعار، وتفعيل مساطر الافتحاص المالي والمحاسبة الصارمة في وجه كل متلاعب بالمال العام وبأحلام المغاربة في امتلاك سكن كريم، فإما أن يكون الدعم سلاحاً حقيقياً لإنقاذ المواطن البسيط وتحصينه، وإلا فإنه ليس سوى ريع مُلثم يخدم جشع الأثرياء، ووقتها ستسقط كل الشعارات الاجتماعية في اختبار الحكامة والمسؤولية.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً