الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

حين يصنع القرآن طريق الحياة… قصة القارئ يحيى الجراري

حين يصنع القرآن طريق الحياة… قصة القارئ يحيى الجراري
حجم الخط:

للقرآن قدرة عجيبة على أن يغير مسار الحياة منذ البدايات الأولى. فكثير من القصص تبدأ بطفل صغير يجلس في زاوية مسجد أو كتاب، يردد آياتٍ ربما لا يدرك آنذاك عمق معانيها، لكن تلك الآيات سرعان ما تتحول مع الزمن إلى نور يقود خطواته ويصوغ شخصيته.

ومن بين هذه المسارات الهادئة التي تنمو بعيدًا عن الضجيج، تبرز تجربة القارئ يحيى الجراري، الذي ارتبطت حياته منذ الطفولة المبكرة بكتاب الله، فصار القرآن محور رحلته العلمية والإنسانية.

بدأت قصة يحيى الجراري مع القرآن وهو في السادسة من عمره، حين جلس في حلقات تحفيظ كتاب الله، مثل كثير من الأطفال الذين تبدأ رحلتهم مع الحروف الأولى للقرآن في أجواء يسودها الصفاء والبساطة. غير أن تلك البداية الصغيرة سرعان ما تحولت إلى إنجاز مبكر، إذ تمكن من ختم القرآن الكريم كاملًا وهو في التاسعة من عمره، في تجربة لم تكن مجرد حفظٍ لآيات، بل كانت بداية ارتباط عميق بكتاب الله سيظل يرافقه في مختلف مراحل حياته.

ومع مرور السنوات، اتسعت هذه العلاقة لتتحول إلى مسار علمي واضح المعالم، حيث توجه إلى طلب العلم الشرعي والتتلمذ على أيدي العلماء، فدرس علوم القرآن والقراءات، وكان من بين الشيوخ الذين أخذ عنهم العلم الشيخ هشام المحجوبي المراكشي، حيث تلقى عنه سندًا متصلًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءات السبع والعشر.

وفي تقليد علمي عريق توارثته الأجيال، يمثل هذا السند امتدادًا لسلسلة طويلة من العلماء الذين حملوا كتاب الله وحرصوا على نقله كما تلقوه، جيلاً بعد جيل.

ولم يتوقف طلبه للعلم عند هذا الحد، بل امتد إلى الاستفادة من عدد من الشيوخ القادمين من مصر، حيث درس عليهم عددًا من المتون الفقهية وتلقى عنهم أسانيد علمية متصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي مثل هذه المجالس العلمية، لا يكون العلم مجرد معلومات تحفظ، بل تجربة إنسانية وروحية تُصقل فيها شخصية طالب العلم وتتشكل رؤيته للحياة.

هذا المسار العلمي وجد امتداده الطبيعي في محراب المساجد، حيث تولى يحيى الجراري الإمامة في عدد من المساجد داخل المملكة المغربية، فكان يقف أمام المصلين قارئًا لكتاب الله، مستحضرًا سنوات الحفظ والتعلم التي قادته إلى تلك اللحظات التي يلتقي فيها صوت التلاوة بسكون القلوب. وفي مثل تلك اللحظات، يدرك الإمام أن القرآن ليس كلمات تتلى فحسب، بل رسالة رحمة وسكينة تمتد إلى قلوب الناس.

كما أتيحت له فرصة الإمامة في مساجد بالمملكة العربية السعودية، وهي تجربة تركت أثرًا خاصًا في مسيرته، إذ عمقت إحساسه بمكانة القرآن في حياة المسلمين، وبالدور الذي يمكن أن يؤديه القارئ في جمع القلوب حول كلام الله.

غير أن رحلة يحيى الجراري لم تقتصر على الجانب الروحي والعلمي فحسب، بل امتدت إلى مجال آخر يلامس حياة الناس اليومية، وهو مجال العلاجات الطبيعية والطب التكميلي. وقد جاء هذا التوجه استلهامًا لمسار جده الراحل، الذي كان فقيهًا ومعالجًا طبيعيًا، وترك له وصية ظل يحملها في قلبه: “يا يحيى اجمع بين الحسنيين”.

كانت تلك الوصية البسيطة تختصر فلسفة حياة كاملة؛ أن يكون الإنسان نافعًا للناس في أرواحهم كما في أجسادهم، وأن يجمع بين نور القرآن وخدمة صحة الإنسان. ومن هنا اتجه الجراري إلى دراسة الطب التكميلي والعلاجات الطبيعية، في مسار يسعى من خلاله إلى الجمع بين البعدين الروحي والصحي، مؤمنًا بأن العناية بالإنسان يمكن أن تبدأ من القلب كما يمكن أن تمتد إلى الجسد.

وفي هذه الرحلة التي تجمع بين العلم والإنسانية، تبدو تجربة يحيى الجراري مثالًا لمسار هادئ ينمو مع الزمن، مسار يؤكد أن القرآن حين يسكن القلب لا يبقى مجرد محفوظات، بل يتحول إلى سلوك ورسالة وعطاء.

وفي ليالي رمضان، حين تعود القلوب إلى القرآن وتتلألأ المساجد بأصوات التلاوة، تتجدد معاني مثل هذه القصص؛ قصص بدأت ببدايات صغيرة لكنها كبرت مع الصبر والعلم والإخلاص، حتى صار القرآن فيها طريق حياة كاملة، يقود صاحبه إلى خدمة الناس بروحٍ مفعمة بالإيمان والعطاء.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً