قراءة قانونية في طبيعة قرار منع النواب غير الحاملين لجواز التلقيح من ولوج البرلمان

محمد منفلوطي_هبة بريس

أثار قرار منع عدد من نواب الأمة بمجلس النواب من ولوج مقر المجلس للقيام بواجباتهم الدستورية جدلا حقوقيا وقانونيا، وتحاول هذه الورقة قراءة طبيعة قرار المنع القانونية وجهة الاختصاص للنظر في مدى قانونيته، من قبل خبراء وأساتذة وباحثين في القانون الدستوري.

حول هذا الموضوع، بسط كل من الدكتور حفيظ يونسي: أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الأول بسطات، والدكتور عبدالله كواعروس: أستاذ المنازعات الادارية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، والأستاذ أحمد مختاري: باحث في سلك الدكتوراه جامعة الحسن الأول سطات، (بسطوا) آراءهم حول طبيعة المنع وجهة الاختصاص، حيث خلصوا جميعا بالقول إلى :

أولا- يحتل البرلمان المغربي المكانة الثانية بعد الملكية في الهندسة الدستورية، وقد خوله الدستور فصولا تضمنت أحكاما حددت طبيعة تكوينه، ونظمت اختصاصاته وصلاحياته، وحكمت علاقاته مع الحكومة.

· وإذا كان دستور سنة 2011 في تصديره ينص على المبادئ التي يقوم عليها النظام الدستوري المغربي، والتي من بينها فصل السلط وتوازنها وتعاونها، فإن من مظاهر هذا الفصل الاستقلالية التي يتمتع بها مجلس النواب في تدبير شؤونه الداخلية وطريقة اشتغاله، من خلال وضعه لنظامه الداخلي بوصفه مؤسسة دستورية مستقلة، حيث نص الفصل 69 من الدستور على أنه: “يضع كل من المجلسين نظامه الداخلي ويقره بالتصويت…”؛

· ولما كانت تنص المادة 32 من النظام الداخلي لمجلس النواب، على أن الرئيس، وعلاوة على المهام المسندة إليه بموجب الدستور والقوانين التنظيمية ذات الصلة والقوانين الجاري بها العمل؛ يشرف على إدارة المجلس وأجهزته، ويتمتع بجميع السلط والصلاحيات لاتخاذ القرارات اللازمة من أجل ذلك، طبقا لأحكام النظام الداخلي، مع مراعاة الاختصاصات المسندة إلى المكتب وباقي أجهزة المجلس؛

· فإن منع رئيس مجلس النواب ولوج النائبات والنواب الذين لا يتوفرون على جواز التلقيح إلى المجلس يعتبر من الأعمال الادارية الصادرة عن رئيس المجلس (الممثل القانوني لمجلس النواب) باعتباره سلطة إدارية، وليس عملا من أعمال التشريع، أو عملا يهم مجال العلاقات بين مجلس النواب وباقي المؤسسات الدستورية أو مجال الدبلوماسية البرلمانية.

ثانيا-إن البلاغ الصادر عن مجلس النواب بمنع ولوج النائبات والنواب الذين لا يتوفرون على جواز التلقيح إلى مقر المجلس هو اعلان عن وجود قرار إداري (الذي يمكن أن يكون مكتوبا أو شفويا ما دام التشريع والقضاء الاداريين لم يضعا شكليات معينة عامة للقرار الإداري باستثناء تلك التي تنظمها نصوص قانونية خاصة). مع التأكيد على أن عبء الاثبات يقع كقاعدة قضائية على عاتق السلطة العامة مصدرة العمل الإداري المطلوب في المنازعة الادارية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن العمل الاداري المذكور تتوفر فيه جميع عناصر القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء أمام القضاء الإداري (المحكمة الإدارية بالرباط هنا حسب الاختصاص الترابي) كما وضعها القضاء والفقه الإداريين:

· صدوره من سلطة إدارية بالمعنى الوظيفي : بحيث إن تمييز العمل من كونه قرارا إداريا أم عملا غير إداري، يقتضي النظر إلى طبيعة العمل وموضوعه، بصرف النظر عن الجهة التي أصدرته أو الإجراءات التي اتبعت في إصداره، انسجاما مع التوجه الدستوري في هذا الإطار المشار إليه في الفقرة الأخيرة من الفصل 118 من الدستور التي تنص على أن: “كل قرار اتخذ في المجال الإداري، سواء كان تنظيميا أو فرديا، يمكن الطعن فيه أمام الهيئة القضائية الإدارية المختصة”. كما أن هذا التكييف القانوني ليس فيه مساس بمبدأ الفصل بين السلطات، الذي لا يتناقض مع الاعتراف لرئيسي البرلمان (السلطة التشريعية) ولرؤساء المحاكم و وكلاء الملك (السلطة القضائية) بصلاحية ممارسة أعمال إدارية وفق ما ينص عليه القانون (لاسيما فيما يتعلق بتدبير السلطة الرئاسية على الموظفين والأعوان، و ضبط العلاقة مع المرتفقين، وتنظيم ظروف العمل داخل البنايات الادارية). وهو ما أكدته المحكمة الإدارية بالرباط في عدة أحكام، حيث اعتبرت ” أن مسايرة مفهوم “مبدأ فصل السلطات” المتمسك به من طرف الجهة المطلوبة في الطعن… يفضي إلى تحصين أعمال الإدارة من رقابة القضاء الإداري بالمخالفة لنص الفصل 118 من الدستور الذي جعل كل قرار إداري سواء تنظيميا أو فرديا قابلا للطعن بسبب تجاوز السلطة، وهو منحى مخالف للمستقر عليه دستورا وقانونا وقضاء وفقها…” (حكم عدد 2446 في الملف عدد 371/7110/2016 بتاريخ 24 يونيو 2016).

· الإعلان المنفرد لإرادة السلطة الإدارية، وتقريرها لواجبات على الغير دون الحاجة لموافقته. وهذا من أهم العناصر المتفق عليها فقها وقضاءا في تعريف القرار الإداري، باعتباره تجسيدا لأهم امتيازات السلطة العامة المنتمية لمجال القانون الإداري، وهو حالة قرار السيد رئيس مجلس النواب في النازلة الذي اتخذ من دون أخذ موافقة السادة النواب باعتبارهم المخاطبين به.

· إحداث العمل الاداري لأثر قانوني : أي وضعه قاعدة ملزمة اتجاه المخاطبين به. وهي حالة قرار منع النواب من الولوج إلى مقر مجلس النواب، الذي هو عمل إداري تنظيمي، يضع قاعدة عامة ومجردة، تهم جميع نواب المجلس و الموظفين والأعوان والزائرين (بغض النظر عن صفاتهم وأسمائهم)، مع الاستعانة بأفراد الأمن الوطني لضمان نفاذ مقتضياته في ظل غياب جهاز أمن خاص بالمجلس.

ثالثا- إن دعوى الإلغاء هي دعوى واردة بقوة القانون (وفق ما تنص عليه المادة 118 من الدستور السابقة الذكر، وكذا المادة 8 من قانون المحاكم الإدارية)، بمعنى أنها توجه ضد أي قرار إداري دونما حاجة إلى نص قانوني خاص، مما لا يمكن معه تحصين أي قرار إداري ضد الطعن بالإلغاء. وهو ما أشارت إليه المحكمة الإدارية بالرباط عندما قررت أن “سمو القاعدة الدستورية على ما عداها من نصوص قانونية يشكل تكريسا للشرعية وسيادة القانون، باعتبارهما من مبادئ دولة الحق والقانون التي تأبى تحصين أي قرار إداري مهما علا شأنه، وتعددت مصادره واختلفت مجالاته من الرقابة القضائية، لكون القضاء هو الحامي الطبيعي والحارس الأمين للحقوق والحريات” (الملف عدد 420/5/2012 بتاريخ 21 مارس 2013). وقد أكدت المحكمة نفسها هذا التوجه في حكم آخر بقولها أنه لما كان التقيد بقواعد المشروعية “تأبى أن يظل القرار الإداري في منأى عن أي رقابة، تكريسا لدولة الحق والقانون… فإن المحكمة ارتأت إخضاع هذا القرار للرقابة القضائية في إطار دعوى الإلغاء للتجاوز في استعمال السلطة في حدود ما هو مخول قانونا وقضاءا لقاضي الإلغاء، وفي احترام تام لمبدأ الفصل بين السلط وتوزيع الاختصاص القضائي” (حكم عدد 4320 في الملف عدد 616/7110/2019 بتاريخ 26 نوفمبر 2019).

رابعا: إن القرار الادري الصادر عن السيد رئيس مجلس النواب بمنع السادة النواب غير المتوفرين على جواز التلقيح من الولوج إلى مقر المجلس هو مشوب بعيب عدم المشروعية للاعتبارات التالية:

· أنه قرار إداري يحول دون ممارسة النائبات والنواب لحقوقهم وواجباتهم المكفولة دستوريا، والتي تقتضي بالضرورة ضمان حقهم في الولوج إلى مقر المؤسسة التشريعية، بوصفها الفضاء القانوني للتجسيد غير المباشر للسيادة التي تمارسها الأمة بواسطة ممثليها ( كما يشير إلى ذلك الفصل 2 من الدستور).

· أنه اتخذ بناءا على قرار الحكومة القاضي بضرورة التوفر على جواز التلقيح للولوج إلى المرافق العامة والخاصة، والحال أن مجلس النواب كهيئة تشريعية ليس مرفقا عاما أو خاصا يقدم خدمة للمرتفقين، وإنما هو مؤسسة دستورية مستقلة، مكلفة بالتشريع وبمراقبة الحكومة كما ينص على ذلك الدستور والقوانين ذات الصلة. كما أن نظامه الداخلي يجعل مسألة تسيير الشؤون الإدارية لمجلس النواب تتم في استقلالية تامة عن رأي الحكومة أو قراراتها وبلاغاتها.

· أنه قرار انبنى على عناصر واقعية لا تبرر منع النواب غير المتوفرين على جواز التلقيح من الولوج إلى مقر المؤسسة التشريعية، بحيث أن المجلس اتخذ قراره في ظرفية تميزت بتحسن الظرفية الوبائية إلى أفضل مستوياتها منذ مدة طويلة نتيجة تسجيل إصابات منخفضة من الفيروس التاجي وفق احصائيات وزارة الصحة، وهو ما صاحبه تخفيف السلطات الحكومية من شدة الإجراءات الاحترازية. كما أن القرار المذكور لا يحترم السلامة الصحية للنواب الذين قد يكون لهم عذر طبي يمنعهم من أخذ جرعات اللقاح كما قررت وزارة الصحة. إضافة إلى أن النواب لا يشكلون خطرا صحيا على زملائهم ما داموا أثبتوا بوثيقة صحية أنهم غير مصابين بالفيروس أثناء حضورهم لجلسات المجلس، إضافة إلى وضعهم لكمامات طبية واقية. كما يجب أن لا ننسى أن النواب الملقحين ليسوا في منأى عن العدوى ونقلها حسب ما أكدته وزارة الصحة دائما.

ما رأيك؟
المجموع 6 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. اعطيتم لهذا الموضوع اكثر مما يستحق هذه السيدة ترفض التلقيح وباستطاعتها اجراء اختبارpcr مرة او مرتين في الاسبوع لكن المواطن العادي لايستطيع دفع ثمن التحليل انها تستغل سداجة بعض المواطنين

  2. كان على هؤلاء الأساتذة أن يبحثوا و يناقشوا أولا وقبل كل شيء مدى نسبة فاعلية التطعيم في التصدي للوباء قبل الغطس والقراءة المعمقة في فصول القانون وصلاحيات السلط و..و..فيجد المتلقي نفسه داخل محتوى مليء بلغة الخشب لا يفهم القصد من كل فقرة.
    بكل بساطة فئة مطعمة تثق في التطعيم يعني محصنة من الوباء ،وفئة غير مطعمة فاختارت الإعتماد على المناعة الذاتية ونهج طريق الوقاية من تباعد وتعقيم وارتداء الكمامة وصولا أذا اقتضى الحال إجراء اختبار pcr، فأين المشكل إذن؟
    منطقيا وطبيعيا وموضوعيا و..و…لا يوجد أي برهان أو دليل يؤكد على أن حامل الوثيقة غير مصاب ولا ينقل العدوى.هذا من جهة أما من جهة أخرى لماذا كل هذا الإهتمام وكل هذه الضجة وهذا التضخيم لموضوع لا يستحق كل هذا بينما كان على المحللين مناقشة وتحليل ومساءلة وزارة الصحة على المستوى الرديء الذي تعيشه مستشفياتنا في ظل الجائحة أو دونها،فقمة الوقاحة وعدم المسؤولية هو أن يُترك المرضى يموتون ببطء في المستشفيات و يُطارد الأصحاء في الشوارع والأماكن العمومية بحجة أن صحتهم ضمن اولويات وزارة الصحة.
    هذا عبث بالإنسانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق