هبة بريس – عبد اللطيف بركة
مع بداية عمل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يعود ملف القدرة الشرائية للمغاربة إلى واجهة النقاش الاقتصادي، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية، وما يرافقه من تذمر واسع لدى المواطنين الذين يجدون أنفسهم أمام أسعار مرتفعة لا تعكس دائما القيمة التي يحصل عليها الفلاح عند بيع محصوله.
وبين الفلاح الذي يشتكي ضعف هامش الربح، والمستهلك الذي يواجه غلاء المعيشة، تبرز إشكالية الوسطاء باعتبارها إحدى الحلقات التي تستدعي إصلاحا جذريا داخل منظومة التسويق الفلاحي.
ففي عدد من المسارات التجارية، ينتقل المنتوج من الفلاح إلى أكثر من وسيط قبل أن يصل إلى المستهلك، لتتراكم تكاليف وهوامش ربح متعددة، وقد تتحول هذه السلسلة، في بعض الحالات، إلى مجال للمضاربة والتحكم في العرض والأسعار، وهكذا يجد الفلاح نفسه مضطرا إلى بيع محصوله بثمن محدود، بينما يشتريه المواطن بأضعاف ذلك السعر، في مفارقة تكشف اختلالا في توزيع الأرباح داخل السوق، وتطرح سؤالا جوهريا حول المستفيد الحقيقي من تعدد حلقات الوساطة.
وأمام هذا الوضع، يبرز مقترح إحداث شركات جهوية لتجميع وتسويق المنتجات الفلاحية باعتباره مدخلا عمليا لكسر هيمنة الوسطاء وتقليص نفوذهم في تحديد مسار السلع وأسعارها.
وتقوم الفكرة على شراء الخضر والفواكه مباشرة من المنتجين، وتجميعها داخل مراكز جهوية مجهزة، ثم توزيعها على أسواق الجملة والمتاجر ونقط البيع في مختلف المدن، دون ترك المجال لسلسلة طويلة من المتدخلين الذين يرفعون الأسعار من حلقة إلى أخرى.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إنشاء شركات جديدة، بل بإعادة بناء العلاقة الاقتصادية بين الفلاح والسوق، عبر توفير قناة تسويقية منظمة تنافس الوسطاء التقليديين، وتمنح المنتجين إمكانية بيع محاصيلهم بشروط واضحة، وتتيح للمستهلك الاستفادة من تقليص الفوارق بين سعر الضيعة وسعر البيع النهائي.
فالهدف الأساسي هو إنهاء وضعية يستفيد فيها بعض المتدخلين من ضعف التنظيم وغياب الشفافية، على حساب الفلاح والمواطن معا.
ويمكن لهذه الشركات أن تعتمد نظاما واضحا لشراء المحاصيل وفق معايير الجودة والكميات والأسعار المرجعية، مع إبرام اتفاقيات مباشرة مع التعاونيات والمنتجين الصغار والمتوسطين،كما يمكنها توفير خدمات النقل والتخزين والتبريد والتوزيع، بما يقلص خسائر التلف ويمنح الفلاحين بديلا حقيقيا عن بيع منتجاتهم تحت الضغط، خصوصاً خلال فترات وفرة الإنتاج التي يستغلها بعض الوسطاء لفرض أسعار منخفضة عند الشراء، قبل إعادة تسويق السلع بهوامش مرتفعة.
لكن محاربة هيمنة الوسطاء لن تكون فعالة دون اعتماد نظام رقمي صارم لتتبع الأسعار والكميات ومسار المنتجات، من الضيعة إلى نقطة البيع، ويمكن لوزارة الفلاحة، بتنسيق مع الجهات المعنية، إرساء قاعدة بيانات تسجل مناطق الإنتاج والكميات المتوفرة وتوقيت الجني والأسعار عند المصدر، مع تتبع أسعار البيع في أسواق الجملة والتقسيط.
وستسمح هذه المعطيات بكشف الفوارق غير المبررة، وتحديد الحلقات التي تتضخم فيها الأسعار، وتوجيه عمليات المراقبة نحو الممارسات التي تضر بالمنافسة والقدرة الشرائية.
كما أن نشر مؤشرات دورية حول أسعار الخضر والفواكه والكميات المتداولة سيحد من استغلال نقص المعلومات للتلاعب بالسوق، ويمنح الفلاح والمستهلك على حد سواء رؤية أوضح حول القيمة الحقيقية للمنتجات، ويمكن أن يشكل اعتماد الفواتير الرقمية وتتبع مصدر السلع وسيلة إضافية لمحاصرة المضاربة غير المشروعة، والتمييز بين الوساطة التي تقدم خدمات ضرورية وبين الممارسات التي تقوم على التحكم في العرض أو رفع الأسعار دون مبرر اقتصادي.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بجهة سوس ماسة باعتبارها مركزا للفلاحة، ولا سيما مناطق اشتوكة أيت باها وتارودانت، التي تضطلع بدور أساسي في تزويد الأسواق الوطنية بالمنتجات الفلاحية، ويمكن لأكادير أن تحتضن مركزاً جهوياً لتجميع وتسويق الخضر والفواكه، مرتبطاً بوحدات لوجستية بمناطق الإنتاج، بما يتيح توجيه المحاصيل نحو الأسواق التي تعرف طلبا مرتفعا، وتقليص التكاليف المرتبطة بتعدد عمليات النقل والتخزين والبيع.
ومن شأن هذا النموذج أيضاً أن يساعد الحكومة على استباق الاختلالات الموسمية، من خلال رصد الإنتاج المتوقع والخصاص المحتمل في بعض المواد الأساسية، واتخاذ التدابير المناسبة قبل حدوث أزمة في التموين، فبدلاً من انتظار ارتفاع الأسعار ثم التدخل لاحتوائها، يمكن بناء سياسة استباقية تعتمد على معطيات دقيقة بشأن الإنتاج والمخزون والاستهلاك، وتحدد توقيت اللجوء إلى الاستيراد عند الضرورة، بما يحمي السوق من الاضطرابات المفاجئة.
غير أن نجاح هذا المشروع يقتضي إرادة سياسية واضحة، وحكامة صارمة تمنع تحول الشركات الجهوية نفسها إلى حلقات جديدة للاحتكار أو المحسوبية،ولذلك، ينبغي إخضاعها للمراقبة المالية والإدارية، ونشر بيانات دورية عن أسعار الشراء والبيع وتكاليف التشغيل وهوامش التسويق، مع ضمان الشفافية في الصفقات والتدبير، وإشراك التعاونيات والمنتجين في آليات التسيير والتقييم.
إن الرهان المطروح أمام حكومة المنصوري لا يقتصر على تكثيف المراقبة داخل الأسواق، بل يتطلب معالجة جذور الاختلالات التي تسمح بتضخم الأسعار بين المنتج والمستهلك، فمحاربة الوسطاء الذين يستغلون هشاشة المنظومة التسويقية تستدعي توفير بديل اقتصادي منظم وقادر على المنافسة، بدل الاكتفاء بإجراءات ظرفية لا تغير بنية السوق.
ويبقى السؤال المطروح، هل تجرؤ حكومة المنصوري على إطلاق إصلاح حقيقي لمنظومة تسويق المنتجات الفلاحية، عبر إحداث شركات جهوية تقطع الطريق أمام الوسطاء المتحكمين في الأسعار، وتعيد التوازن إلى العلاقة بين الفلاح والمستهلك؟ إن نجاح هذه الخطوة من شأنه أن يجعل محاربة الغلاء سياسة اقتصادية ملموسة، لا مجرد وعود مرتبطة بحماية القدرة الشرائية.






برأيي إن تعدد الوسطاء في سوس ماسة يفرض إصلاحا جذريا بدل الاكتفاء بمراقبة الأسعار بعد ارتفاعها
برأيي إن اعتماد الفواتير الرقمية في أكادير سيساعد على تعزيز الشفافية ومحاصرة المضاربة غير المشروعة
أرى أن إحداث شركات جهوية في سوس ماسة قد يخفف غلاء الخضر والفواكه وينصف الفلاح والمستهلك
أرى أن أكادير يمكن أن تصبح قطبا جهويا لتجميع الخضر والفواكه وتوزيعها بتكاليف أقل
في اشتوكة أيت باها أرى أن حماية الفلاح الصغير يجب أن تكون أساس أي إصلاح لمنظومة التسويق
في تارودانت أعتقد أن نجاح شركات التسويق الجهوية سيظهر حين يستفيد الفلاح من ثمن منصف والمواطن من سعر معقول
أعتقد أن تارودانت يمكن أن تستفيد من تنظيم النقل والتوزيع لتقليص الفوارق بين سعر الإنتاج وسعر البيع
في أكادير أرى أن تتبع الأسعار من الضيعة إلى المتجر سيكشف الحلقات التي ترتفع فيها التكاليف دون مبرر
أعتقد أن اشتوكة أيت باها تحتاج إلى مراكز للتخزين والتبريد تساعد الفلاحين على تسويق محاصيلهم بشروط أفضل
في تارودانت أعتبر أن بيع المحاصيل بأثمان منخفضة وشراؤها بأسعار مرتفعة يطرح إشكالا يستوجب المعالجة
في اشتوكة أيت باها أرى أن البيع المباشر من الفلاح إلى الأسواق سيحقق توازنا أفضل في الأسعار
أعتقد أن تارودانت تستحق منظومة تسويق شفافة تضمن للفلاح ربحا معقولا وللمواطن أسعارا مناسبة
أرى أن أكادير تحتاج إلى سياسة استباقية للتموين بدل انتظار ارتفاع الأسعار ثم البحث عن حلول
أعتبر أن أكادير تحتاج إلى مركز منظم لتسويق المنتجات الفلاحية يحد من تعدد الوسطاء
أعتبر أن سوس ماسة تحتاج إلى شركات تسويق تخضع للمراقبة حتى لا تتحول إلى احتكار جديد
في سوس ماسة أعتبر أن نشر الأسعار والكميات المتداولة سيمنح المستهلك والفلاح معلومات أوضح عن السوق