ذ. فريد وشطين
بعد طول مشاورات والعديد من المفاوضات مع مختلف الهيئات السياسية الوطنية، أعلنت رئيسة الحكومة عن الأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، وهي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية. وحسب البلاغ الصادر عن رئيسة الحكومة ” فإن الاتفاق على مكونات الأغلبية الجديدة، جاء بعد استحضار متطلبات المرحلة السياسية والديمقراطية واستقراء التجارب الحكومية السابقة”.
إن قرار إشراك مكونات “الكتلة الديمقراطية” في الحكومة دون باقي المكونات الحزبية، التي أبدت استعدادها في المشاركة فيها، رغم تصدرها مواقع متقدمة خلال الانتخابات التشريعية بالمقارنة مع حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، يتطلب وقفة متأنية وقراءة عميقة للمشهد السياسي للبحث عن خلفيات هذا القرار.
صحيح أنه في الأنظمة البرلمانية، لا يشترط أن يشارك في الحكومة فقط أصحاب المراتب الأولى، بل الأهم هو تكوين أغلبية مستقرة، تحافظ على التوازنات السياسية.
إن مهندسي تشكيل الحكومة يضعون في المقام الأول، رهان خلق التوازن ولو اقتضى الأمر جعلها فسيفسائية وتضم تيارات قد تبدو متنافرة إيديولوجيا لكن مغناطيس الكراسي يجذب بعضها إلى البعض. فالأصالة والمعاصرة محسوب على تيار الوسط بمرجعية ليبرالية اجتماعية وحداثية والاستقلال حزب يميني محافظ يتبنى التعادلية الاقتصادية، أما حزبا الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، فهما حزبان يساريان ولهما مرجعية اشتراكية.
وليست هذه التجربة بالغريبة على المشهد السياسي المغربي، فقد كان حزب الكتاب الحليف القوي لحكومة بنكيران الإسلامية رغم ما بين الحزبين من تباين واختلاف.
فأحزاب “الكتلة” بصيغتها الجديدة لم تعد تلك الكتلة القوية التي تأسست سنة 1992 كتحالف معارض طرح مشروعا مجتمعيا ودستوريا واضحا. وبالرجوع إلى نتائج الاستحقاقات الأخيرة، يتضح بجلاء تراجع قوى الكتلة بشكل كبير على مستوى صناديق الاقتراع.
وحزب الاتحاد الاشتراكي، كأحد أعمدة اليسار الكبرى، خفت بريقه وتراجع تأثيره في الساحة السياسية وفي المجتمع، تدريجيا بعد حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي. فالاستقالات المتتالية لمناضلين كبار تقوض أركان بيته، والمعارضة الشرسة التي تواجَه طريقة تسيير الكاتب الأول للحزب تتفاقم يوما بعد يوم والتنظيمات المحلية تعيش حالة من الغليان، زد على ذلك ضبابية مواقفه تجاه العديد من القضايا الراهنة. كل هذه العوامل جعلت حزب الاتحاد الاشتراكي يكون في وضع لا يحسد عليه.
وحتى يبقى الحزب يؤدي دوره المرسوم له داخل الخريطة السياسية الوطنية، ارتأى مهندسو التركيبة الحكومية إشراكه فيها إنقاذا له من الأزمة. فالمجلس الحكومي أضحى بالنسبة إليه غرفة الإنعاش التي تضخ الدماء في جسده المتهالك من جديد. وهذا ما صرح به بصريح العبارة الاتحادي والوزير السابق السيد جمال أغماني حيث قال” إن الاتحاد الاشتراكي بصيغته الحالية، إذا لم يشارك في الحكومة سيكون مصيره الموت”. وإلى نفس المعنى سبق أن أشار المناضل الاتحادي ورئيس اتحاد كتاب المغرب السابق، حسن نجمي حين قال ” الاتحاد، جثمان لم يدفن بعد”. فهل تشكل مشاركته في الحكومة فرصة لإخراجه من مستودع الأموات عبر تلقي جرعات، على المقاس، من إكسير الحياة؟
أما حزب التقدم والاشتراكية، فكان على الدوام، بعد رحيل علي يعتة، متحمسا لشغل كراسي الوزارة. ويروج الحديث عن تلقيه عروض لثلاث حقائب وزارية: التعليم والصحة والشغل. هذه قطاعات اجتماعية حارقة مثخنة بالمشاكل وإليها توجه سهام النقد من المتخصصين ومختلف شرائح المجتمع.
لقد سبق للحزب أن شغل حقيبة التعليم مع الوزيرين الطيب الشكيلي وإسماعيل العلوي دون أن يتركا أثرا واضحا على القطاع. أما وزارة الصحة، فقد سبق أن تولاها الوزير الحسين الوردي وخلال ولايته ظهرت أزمة طلبة كلية الطب وتحسب له زياراته الميدانية المفاجئة للمستشفيات والمراكز الطبية، لكنه سرعانما أعفي من مهامه سنة 2017على إثر تعثر مشروع ” الحسيمة منارة المتوسط”
فكأن إسناد هذه الوزارات لهذا الحزب هو بمثابة تخلص الحزب الأول من عبئها وإلقائها على ظهر الكتاب وجعله في مرمى الاتهامات والانتقادات في ملفات هي مصدر معاناة المغاربة وهو المخول له تدبير أموره حسب متطلبات المرحلة.
من هذا المنظور، فالتحالف الحكومي لم يبْنَ على أساس التقاطعات الإيديولوجية والتوافق حول البرامج الانتخابية، بل على أساس من يصلح لإدارة المرحلة وتمرير القوانين وفق أجندة أصحاب القرار بشكل سلس يطبعه الاستقرار. فكم من قرارات لا شعبية، لم يجرؤ أحد على المساس به، حتى جاء من مررها بالشكل المراد له أن يكون.
فهل ستكون قوى المعارضة المشكلة أساسا من أحزاب التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري في مستوى الحدث وتلعب دورها الرقابي بكب حزم وفعالية وتقدم مقترحات وبدائل واقعية وتعمل على تجويد النصوص التشريعية بما يتلاءم وانشغالات المواطنين؟ أن أنها ستكون هي الأخرى معارضة على المقاس وتستنسخ “وفاقا” من نوع آخر؟






0 تعليقات الزوار