الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

سلسة مغرب الحضارة.. خطاب السيادة بكل أبعادها: خارطة الطريق للمغرب الحضاري

عزيز رباح
حجم الخط:

عزيز رباح

لم يكن اختيار تلاوة آية “البر” في افتتاح الولاية التشريعية لمجرد محطة بروتوكولية، بل حمل في طياته دلالات عميقة ورسائل بالغة لكل المسؤولين والمنتخبين. إن استحضار المرجعية الأخلاقية والقيمية في العمل السياسي ليس تزييناً خطابياً، بل هو تذكير بأن جوهر الحكم والتشريع يرتكز على أمانة الوفاء والمسؤولية.

فالبر الحقيقي في الممارسة المؤسساتية يتجلى حين تتحول السياسات العمومية إلى درع لحماية كرامة المواطن، ورافعة لتقليص الفوارق الاجتماعية، ومسار عملي يترجم الوعود إلى منجزات ملموسة تلامس نبض الحياة اليومية للناس. وتلك هي المعادلة التي تقرن الشرعية السياسية حتماً بالنجاعة الميدانية والأثر الإيجابي المستدام.

وقد جاء الخطاب الملكي السامي ليترجم هذه المعاني السامية إلى خارطة طريق سيادية متكاملة؛ روحها الهوية الحضارية، ومرجعيتها إمارة المؤمنين، ومنجزها نخب سياسية وتدبيرية نزيهة تحمل الأمانة بكل تجرد وإخلاص، وهدفها تنمية تخدم الإنسان، وتبني العمران، وتحقق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وعند التأمل العميق في مضامين الخطاب الملكي، يبرز جلياً حضور مفهوم “السيادة الوطنية” بكل أبعاده الاستراتيجية؛ بأسلوب واثق من الذات، مستشرف للمستقبل بثبات، ومحدد بدقة للأولويات والتحديات الكبرى. فلم يعد هذا المفهوم شعاراً عابراً، بل غدا عقيدة وطنية متكاملة ومنظومة مندمجة تتوزع على المحاور التالية:

1. مبدأ وروح السيادة: الاعتزاز بالهوية والقيم والامتداد التاريخي

تنطلق السيادة الراسخة من جذور عميقة قوامها الالتزام بالهوية المغربية الأصيلة، والتشبث بالثوابت الدينية والوطنية باعتبارها الحصن الواقي ضد كل أشكال التلاشي الحضاري. ومن هذا المنطلق، يدعو الخطاب إلى الافتخار بالمغرب الحضاري المتمسك بإمارة المؤمنين، مع اعتبار الانتماء للوطن شعوراً متجذراً يترجم عبر ضبط الاختيارات والمرجعيات، والافتخار المتجدد بالإنجازات والمكتسبات الكبرى التي راكمها المغرب بفضل تضافر جهود أبنائه الأوفياء، لتكون قاعدة صلبة وموثوقة لمواصلة مسيرة المستقبل.

2. ترسيخ السيادة بالإنسان: أولوية الشباب وتمكينهم

إدراكاً بأن الرأسمال البشري هو الثروة الحقيقية وأثمن ركيزة في أي بناء استراتيجي، يرتكز الاستثمار الأبقى على الإنسان. وهنا تبرز أولوية الشباب خياراً استراتيجياً لا محيد عنه، ويقوم على ثلاثية متكاملة: البناء، عبر التربية والتخليق التعليم والمعرفة، والتحفيز: بدعم الابتكار وريادة الأعمال والمبادرات الذاتية ليتحول الشباب إلى طاقات منتجة ورافعة لصناعة المستقبل، والتحصين ضد تيارات ورياح الاستقطاب والتأطير المنحرفة.

3. السيادة التنموية: استراتيجيات الجيل الجديد والأولويات السيادية

ترتكز السيادة التنموية على إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات ذات البرامج الطموحة، المتسمة بالواقعية والجرأة النقدية البناءة لمعالجة مواقع التعثر، واستثمار الفرص المتاحة برؤية استشرافية تقطع مع الارتجالية. وتتجلى هذه السيادة في القطاعات الحيوية التي لا تقبل المساومة؛ وفي طليعتها الأمن المائي، والغذائي، والطاقي في ظل التحديات المناخية، إلى جانب الصناعة الوطنية ذات القيمة المضافة والتحول الرقمي لضمان التموقع الإيجابي في الاقتصاد العالمي الصاعد.

4. بناء سيادة هرمية وتكامل مؤسسي

تقتضي السيادة الفعالة هندسة مؤسسية منسجمة، تجمع بين مؤسسات مركزية راشدة ترسم السياسات الكبرى، وتتكامل بسلاسة مع مؤسسات جهوية ومحلية تتمتع بصلاحيات واسعة ومنتجة. ويهدف هذا التكامل المحكم إلى تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتجاوز البيروقراطية، وجعل القرار التنموي أقرب ما يكون لنبض المواطنين في كل ربوع المملكة، مع الالتزام الصارم بقواعد الحكامة الرشيدة.

5. التحكم في تموين السوق الوطني وتطوير التخزين الاستراتيجي

في ظل ارتدادات التقلبات الدولية المتلاحقة (الجيوسياسية والاقتصادية)، تشكل السيادة الاقتصادية سياجاً منيعاً لحماية الاستقرار الاجتماعي، عبر التحكم المطلق في تأمين حاجات السوق الوطني بمعزل عن الإكراهات الخارجية. ويبرز هنا التوجه الاستراتيجي نحو تطوير وتحديث منظومة متكاملة للتخزين الاستراتيجي تشمل المواد الأساسية (الطاقية، الغذائية، والصحية)، لضمان استمرارية العرض الوطني ومواجهة أي صدمات خارجية بحنكة واستباقية عالية.

6. تعزيز السيادة بجيل متجدد من رجال الأعمال والأفضلية الوطنية

تتكامل منظومة السيادة بظهور جيل جديد من رواد الأعمال والمقاولين الشباب الذين يؤمنون بقيم الإبداع، والمغامرة الاقتصادية المحسوبة، والإنتاجية العالية، والتنافسية الشريفة، بعيداً عن منطق الريع أو الاكتفاء بالتجارة التقليدية البحتة. ويواكب ذلك دعم النسيج المقاولاتي المحلي عبر تكريس الأفضلية للشركات والكفاءات الوطنية في الصفقات والأوراش الكبرى، باعتبار المقاولة المغربية شريكاً أساسياً في السيادة الاقتصادية وخلق فرص الشغل المستدامة.

7. السيادة الدبلوماسية واستقلالية القرار والانفتاح الاستراتيجي

تكرس السيادة الدبلوماسية استقلالية وقوة القرار الوطني النابع من المصالح العليا للبلاد وثوابتها التاريخية، والخروج بكل ثقة من إطارات الشراكات التقليدية الضيقة نحو آفاق دولية متجددة. ويقوم هذا التوجه على علاقات دولية قائمة على الندية، والاحترام المتبادل، ومنطق الشراكة المثمرة (الرابح – رابح)، مما يعزز ثقة المجتمع الدولي في المغرب كقطب للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

8. ترسيخ السيادة المؤسساتية ونخبة المسؤولية والتعاقد الوفي

يكتمل بنيان السيادة بترسيخ السيادة المؤسساتية عبر نخبة سياسية وإدارية نزيهة، تتحلى بروح المسؤولية العالية أمام الله والوطن والتاريخ، وتجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق. وفي طليعة هؤلاء يأتي ممثلو الأمة والمنتخبون، الذين يقع على عاتقهم التزام صارم بالتعاقد الوطني الوفي لتطلعات المواطنين، من خلال تكريس النزاهة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة كشرط أساسي لتعزيز الثقة في العمل المؤسساتي.

هكذا يمثل الخطاب الملكي خارطة طريق متكاملة لتحقيق السيادة الكاملة، وترسيخ أركانها وتحصين مكتسباتها، وتوجيه بوصلة التنمية العادلة نحو المستقبل والمجال والإنسان، وضبط مسار الدبلوماسية والشراكة الدولية على أساسها، وتحفيز وتخليق وتقييم أداء النخب لتعزيزها.

 

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً