الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

أزمة البناء في العالم القروي.. اختلالات عميقة بين القانون وواقع الساكنة

المنصوري ولفتيت
حجم الخط:

هبة بريس-عبد اللطيف بركة

تطفو على السطح من حين لآخر مظاهر الاحتقان المرتبطة بقطاع التعمير في العالم القروي، كما حدث مؤخرا بجماعة غريس السفلي بإقليم الرشيدية، حيث خرجت الساكنة للاحتجاج على تعقيد مساطر البناء، غير أن هذا التحرك لا يمكن قراءته كحالة معزولة، بل هو تعبير مباشر عن أزمة بنيوية ممتدة، تتقاطع فيها إشكالات قانونية وعقارية واجتماعية، وتكشف عن فجوة واضحة بين النصوص التنظيمية وواقع القرى المغربية.

في العمق، يجد المواطن القروي نفسه أمام مسار إداري طويل ومعقد للحصول على رخصة بناء، يمر عبر عدة متدخلين ولجان، ويتطلب وثائق وإجراءات قد تبدو منطقية في المجال الحضري، لكنها تتحول إلى عبء ثقيل في القرى، حيث تغيب أحيانا الوثائق العقارية المحينة، أو تكون الأراضي ذات طابع جماعي أو غير محفظ، هذا التعقيد لا ينعكس فقط على طول آجال معالجة الملفات، بل يرفع أيضا من الكلفة المادية والإدارية، ما يجعل فئات واسعة عاجزة عن سلوك المساطر القانونية بشكل كامل.

ورغم بعض محاولات التخفيف، مثل المرونة التي أُدخلت على شروط المساحة أو إحداث لجان إقليمية للنظر في طلبات البناء، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح بعد في معالجة جوهر الإشكال، إذ لا تزال القوانين المؤطرة للتعمير تستند في جزء كبير منها إلى تصور حضري، لا يراعي خصوصيات العالم القروي، سواء من حيث نمط العيش أو طبيعة الملكية أو الإمكانيات الاقتصادية للسكان.

أمام هذا الواقع، يتحول البناء غير المرخص إلى خيار اضطراري أكثر منه مخالفة متعمدة، حيث يلجأ العديد من المواطنين إلى تشييد مساكنهم دون ترخيص لتلبية حاجاتهم الأساسية، وهو ما يساهم في اتساع رقعة البناء العشوائي، وتجد الدولة نفسها لاحقاً أمام تحدي التسوية بدل الوقاية، عبر فتح استثنائي لمساطر تقنين هذه الوضعيات، في محاولة للتوفيق بين احترام القانون والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

هذه الأزمة لا تقتصر آثارها على قطاع السكن فقط، بل تمتد إلى عمق التوازنات المجالية، حيث تسهم في تعزيز الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، وتدفع ببعض الأسر إلى الهجرة نحو المدن بحثاً عن شروط عيش أفضل. كما أنها تعرقل جهود التنمية القروية، في ظل ارتباط مشاريع الدعم والتأهيل بمدى احترام الضوابط القانونية للبناء.

وفي ظل تكرار الاحتجاجات في عدد من المناطق، بات من الواضح أن معالجة هذا الملف تتطلب مقاربة شمولية تتجاوز الحلول الظرفية، نحو إصلاح فعلي يبسط المساطر، ويكيف القوانين مع خصوصيات القرى، ويعالج إشكالية العقار بشكل جذري.

فالتحدي اليوم لم يعد فقط في ضبط البناء، بل في تمكين المواطن القروي من حقه في سكن لائق ضمن إطار قانوني مرن وعادل.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً