الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

حين يتحول التشبيب إلى فعل سياسي ناجح …

حين يتحول التشبيب إلى فعل سياسي ناجح ...
حجم الخط:

بقلم أحمد صبار

في سياق الممارسة الحزبية بالمغرب، لم يعد النقاش محصورا في البرامج والشعارات بقدر ما أصبح مرتبطا بقدرة الأحزاب على تجديد نخبها وتحديث آليات اشتغالها الداخلي، فالتحدي الحقيقي لم يعد فقط كسب ثقة الناخبين، بل بناء تنظيمات سياسية قادرة على التكيف مع تحولات المجتمع واستيعاب انتظاراته المتسارعة، ضمن هذا الإطار، يبرز خيار التشبيب كأحد المؤشرات الدالة على حيوية الأحزاب واستعدادها للقطع مع أنماط تقليدية في التدبير، وهو ما يجعل من بعض المحطات التنظيمية لحظات فارقة تتجاوز بعدها الداخلي لتطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الفعل الحزبي في المغرب.

لم يكن انتخاب محمد شوكي على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار مجرد تغيير في الأسماء أو تدوير تقليدي للنخب، بل كان امتدادا طبيعيا لمسار اختاره الحزب منذ سنوات، عنوانه الأبرز، التشبيب كخيار استراتيجي لا كترف تنظيمي، ذلك أن الأحزاب التي لا تجدد دماءها محكوم عليها بالجمود، بينما اختار “الأحرار” الرهان على جيل جديد قادر على مواكبة تحولات المشهد السياسي ومخاطبة انتظارات فئات أوسع من المجتمع.

منذ اللحظة الأولى التي أعقبت المؤتمر، بدا واضحا أن شوكي لا ينتمي إلى مدرسة الانتظار أو التدرج البطيء في الإمساك بخيوط التنظيم، بل اختار أسلوب المبادرة السريعة، واضعا نفسه في قلب الملفات الأكثر حساسية داخل الحزب، ولعل أبرز هذه الملفات، وأكثرها تعقيدا، هو ملف التزكيات، الذي يتحول مع اقتراب كل استحقاق انتخابي إلى ساحة صراع مفتوحة، تختلط فيها الحسابات التنظيمية بالرهانات الانتخابية والتوازنات المحلية.

غير أن ما قام به اللرجل – الشاب في هذا الصدد فاجأ حتى أكثر المتتبعين تشككا، فقد أبان عن قدرة واضحة على تدبير هذا اللغز التنظيمي بقدر من الحزم والمرونة في آن واحد، واضعا معايير أقرب إلى الموضوعية، ومقلصا هامش التوتر الذي كان غالبا ما يرافق هذه المرحلة، وهو ما يعني، عمليا، أن الرجل سلك طريق النجاح في اجتياز بداية أول اختبار حقيقي لقيادته، وفي ظرف زمني قياسي.

الانتقادات التي رافقت انتخابه لم تكن مفاجئة، بل تكاد تكون جزء من طقوس الانتقال داخل الأحزاب، غير أن التحركات الميدانية والتنظيمية التي باشرها مباشرة بعد توليه المسؤولية والتي شهدتها جهات وأقاليم المملكة المغربية، ساهمت في تفنيد جزء كبير من تلك التخوفات، بل وحولت الشك إلى نوع من الاعتراف الضمني بأن خيار التشبيب لم يكن مغامرة، بل قرارا سياسيا محسوبا.

إن قوة هذه التجربة لا تكمن فقط في شخص شوكي، بل في انسجامها مع رؤية حزبية أوسع تعتبر أن التجديد ليس شعارا ظرفيا، بل مسارا متواصلا، فالتشبيب، حين يكون مؤطرا برؤية واضحة ومسنودا بكفاءات قادرة على الفعل، يتحول إلى رافعة حقيقية لتجديد العمل السياسي، بدل أن يبقى مجرد واجهة شكلية أو خطاب بلاغات ومضمون شعارات…

يبدو أن الرسالة التي بعث بها “الأحرار” من خلال هذا الاختيار كانت واضحة، إذ لا إصلاح بدون تجديد، ولا تجديد بدون جرأة في منح الفرصة لقيادات جديدة، وقد أثبتت الأسابيع الأولى من قيادة شوكي أن هذه الجرأة لم تكن بلا أساس، بل كانت مدعومة بإرادة تدبيرية ترجمت نفسها سريعا على أرض الواقع.

هكذا، لا يمكن قراءة ما جرى داخل الحزب إلا باعتباره لحظة تأكيد على أن السياسة، في جوهرها، هي فن التوقيت، و”الحمامة”، بانتخاب شوكي، اختاروا توقيتا بدا، حتى الآن على الأقل، موفقا في إعادة ترتيب البيت الداخلي والاستعداد لما هو قادم من استحقاقات.

في المحصلة، تظل الممارسة الحزبية في المغرب في حاجة مستمرة إلى مثل هذه اللحظات التي تعيد طرح سؤال النجاعة والشرعية التنظيمية من داخل الأحزاب نفسها، لا من خارجها فقط، فالتجديد الحقيقي لا يقاس بالأعمار بقدر ما يقاس بالقدرة على الفعل والتأثير وتدبير الاختلافات الداخلية بكفاءة، وإذا كان الرهان اليوم هو استعادة الثقة في العمل السياسي، فإن ذلك يمر حتما عبر تكريس نماذج قيادية جديدة قادرة على تحويل الشعارات إلى ممارسات، وهو ما يجعل من خيار التشبيب، حين يحسن تنزيله، مدخلا أساسيا لإعادة الاعتبار للفعل الحزبي وتعزيز مصداقيته في المشهد السياسي الوطني.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً