هبة بريس ـ ياسين الضميري
في بهو أحد المستشفيات العمومية بالدار البيضاء، جلس العشرات من المرضى يتزاحمون في انتظار دورهم لإجراء فحص السكانير، غير أن الجواب الذي تردد على ألسنة الموظفين كان صادما ومقتضبا: “السكانير خاسر”.
جملة قصيرة، لكنها كافية لتقلب حياة أسر بأكملها، وتجعل رحلة البحث عن العلاج تتحول إلى معاناة مضاعفة، حيث يجد المريض نفسه مضطرا إما إلى الانتظار في المجهول، أو إلى طرق أبواب المصحات الخاصة ودفع مبالغ باهظة من أجل فحص لا يتجاوز في الأصل بضع دقائق.
هذه الصورة لم تعد استثناءا أو حالة معزولة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تتكرر في مدن مختلفة من المغرب، و السؤال الذي يطرحه المواطنون بإلحاح هو هل فعلا أجهزة السكانير في مستشفياتنا العمومية معطلة باستمرار؟ أم أن هناك أسبابا أخرى تخفى عن أعين المرضى وتستعمل كذريعة للهروب من تقديم الخدمة؟.
شهادات كثيرة تؤكد أن الأعذار تتكرر بنفس الصيغة، “السكانير خارج الخدمة”، بينما في الواقع، قد يكون الجهاز صالحا للاستعمال، مواطنون غاضبون يتساءلون بحدة: “واش باغين التدويرة باش يخدموه؟ ولا ما كاينش اللي يخدم وتيقلبو غير على السبة؟”.
مفارقة أخرى يثيرها الرأي العام، وهي أن المصحات الخاصة لا تعلن أبدا عن تعطل أجهزتها، بل تشتغل على مدار الساعة دون انقطاع يذكر، مما يزيد من حدة الشكوك حول حقيقة ما يجري داخل المستشفيات العمومية.
الاتهامات تتصاعد حين يشير البعض إلى أن بعض الأطباء أو المسؤولين في المستشفيات العمومية قد يتعمدون تعطيل الخدمة، أو على الأقل الادعاء بوجود عطل، من أجل توجيه المرضى إلى مختبرات أو مصحات خاصة يكون لهم فيها مصلحة مباشرة.
“كاين اللي عندو نسبة من الأرباح على كل مريض كيصيفطو للقطاع الخاص”، يقول أحد المواطنين الذين التقيناهم أمام مستشفى عمومي بالدار البيضاء، مضيفا أن الأمر لم يعد مجرد صدفة، بل أصبح ممارسة ممنهجة في نظر كثير من الناس.
وراء هذه الروايات تكمن معاناة إنسانية لا يراها إلا من عاش تفاصيلها، فاطمة، وهي سيدة في الأربعينات من عمرها، أصيبت بأزمة صحية مفاجئة تطلبت فحصا عاجلا بالسكانير.
“مشيت لمستشفى عمومي، قالو ليا السكانير خاسر، خاصك تمشي لبرا”، تحكي بنبرة يغلب عليها الحزن، لم تجد أمامها سوى اللجوء إلى مصحة خاصة، حيث دفعت حوالي 2500 درهم مقابل تلك الفحوصات، وهو مبلغ يفوق طاقتها، “بعت أغراض من الدار باش نخلص”، تضيف بأسى، مؤكدة أن الجهاز في المستشفى لم يكن معطلا حسب ما أخبرها أحد الممرضين سرا.
مصطفى، خمسيني من مدينة برشيد، يروي هو الآخر قصته مع هذه العبارة الشهيرة، “قالو ليا السكانير خاسر، وماشي أول مرة كنسمعها”، يقول الرجل الذي يعاني من ورم في الرأس، قبل أن يضيف: “واش معقول جهاز كيتعطل كل مرة؟”.
اضطر مصطفى حسب شهادته إلى الاستدانة لإجراء الفحوصات في مختبر خاص، فيما تأخرت بداية علاجه بسبب ضياع الوقت بين أبواب المستشفى والقطاع الخاص.
شهادات كهذه تعكس واقعا مريرا يتجاوز مجرد عطل تقني، ليطرح سؤالا أعمق حول مصداقية الخدمات العمومية الصحية ومدى التزامها بحق المواطن في العلاج.
أصوات أخرى من داخل المستشفيات نفسها تعترف، في أحاديث جانبية، بأن الجهاز أحيانا يكون في حالة جيدة، لكن لا يتم تشغيله بسبب غياب تقنيين مختصين أو نقص في الأطر الطبية، “كاين اللي كيقولو خاسر غير باش يتهربو من الخدمة”، يوضح أحد حراس الأمن الخاص في ذات المستشفى العمومي.
غير أن أطرافا أخرى ترفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، معتبرة أن الأعطال التقنية واردة جدا، وأن أجهزة السكانير بحكم كثرة استعمالها معرضة للتوقف بين الفينة والأخرى، وهو أمر طبيعي يستدعي الصيانة المستمرة.
لتقصي وجهة النظر الرسمية، تواصلنا مع مسؤول في المديرية الجهوية للصحة بجهة الدار البيضاء – سطات، و الذي فضل عدم ذكر هويته لأسباب اعتبرها حساسة، و قد شدد على أن ما يروج حول “السكانير المعطل دائما” مجرد شائعات تستهدف ضرب سمعة القطاع العمومي.
وأكد المسؤول ذاته أن “كل عطل يتم التعامل معه بسرعة فائقة، والأطر الطبية تبذل مجهودات كبيرة لضمان خدمات صحية ذات مستوى عال”، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن بعض الأجهزة قد تعرف بالفعل أعطالا تقنية بين الحين والآخر، لكن “الأمر لا يرقى إلى الصورة السوداوية التي يروج لها البعض”.
بين الروايات الرسمية والقصص التي يرويها المرضى، يبقى المواطن العادي في حيرة من أمره، كيف لجهاز حيوي مثل السكانير أن يتعطل بشكل متكرر في المستشفيات العمومية، بينما لا يسمع أحد عن أعطال مشابهة في المصحات الخاصة؟ وكيف يمكن للمواطن البسيط، الذي لا يملك إمكانيات مالية كافية، أن يتحمل عبء اللجوء إلى القطاع الخاص في كل مرة؟.
الظاهرة تكشف عن خلل مزدوج، ضعف الثقة في القطاع العمومي من جهة، واستغلال هشاشة المرضى في القطاع الخاص من جهة أخرى، خبراء في الصحة يرون أن الحل لا يقتصر على اقتناء أجهزة جديدة، بل يستدعي وضع نظام صيانة وقائي فعال، وتوفير موارد بشرية مؤهلة، مع تعزيز الرقابة على سير العمل داخل المستشفيات، كما أن غياب الشفافية في التواصل مع المرضى يساهم في تأجيج الشائعات ويغذي انعدام الثقة.
المواطنون يريدون جوابا بسيطا و واضحا، هل أجهزة السكانير فعلا معطلة أم أن الأعذار تختلق لأسباب أخرى؟، السؤال ما يزال معلقا، والإجابات متناقضة بين رواية رسمية مطمئنة وشهادات واقعية صادمة، وإلى أن يحسم هذا الجدل، سيظل “السكانير خاسر” عبارة تختصر أزمة قطاع صحي بأكمله، وتكشف حجم الفجوة بين حق المواطن في العلاج و واقع الخدمات العمومية.






الوزارة خصها تتحرك بسرعة باش تصلح الوضع
المرضى كيتعطلوا بزاف وكيضيع عليهم الوقت والفلوس
السكانير خاسر كيبان كرمز للإهمال المستمر
التقنيات الطبية خاصها تكون متوفرة للجميع
المرضى كيضطروا يمشيو للعيادات الخاصة بمصاريف كبيرة
الاستثمار فالصحة العمومية لازم يكون أولوية
المعدات متهالكة والموظفين كيعانيو باش يخدمو
الضغط على الطاقم الطبي زايد بشكل كبير
المستشفيات العمومية فالمغرب ما بقاتش كتفي بالحاجيات ديال السكان
الأمراض كتزاد وكيصعب التعامل معاها بلا سكانير صالح
السكانير خاسر وهادشي كيخلي التشخيص خاطئ
هاد الفشل الصحي كيسبب إحباط كبير للناس
هاد الوضع يورينا ضعف البنية الصحية العمومية
السكانير خاسر والناس كيعانيو باش يديرو تشخيص صحيح
الناس ما بقاتش كتسكت على الإهمال
المواطنين كيتفرجو فالمعاناة بلا حلول
الصحة العمومية محتاجة إصلاحات جدية وعاجلة
هاد الفشل كيأثر على الثقة فالنظام الصحي