معلومة(2).. لماذا سميت منطقة “دكالة” بهاته التسمية أول مرة؟

هبة بريس ـ ياسين الضميري

كثيرة هي المدن و المناطق و القبائل المغربية التي يجهل سكانها سبب تسميتها، خاصة في ظل شح المصادر التوثيقية التاريخية مما يفتح باب التأويلات على مصراعيه لتتعدد الروايات و تختلف التفسيرات، و من بين هاته المدن و المناطق نذكر قبيلة “دكالة”.

دكالة، المنطقة التي تضم عددا من المدن كالجديدة و أزمور و سيدي بنور و خميس الزمامرة و غيرهم، منطقة تشتهر بسهولها الخصبة و فلاحتها المتنوعة و مياهها الوافرة و سكانها الطيبين، دكالة التي تشتهر بأهل العلم و حفظة القرآن كذلك و بمواسم “التبوريدة” و الأسواق الشعبية و بشواطئها الجميلة و تقاليدها الراسخة.

اختلفت الروايات حول تسمية “دكالة”، و لا يمكن الجزم بالمعنى الحقيقي لكلمة دكالة ولا أصله الاشتقاقي، فجل القواميس العربية لم ترتب هذه الكلمة في الجذر الثلاثي الصامتي وإنما اشتقت من هذا الأخير كلمات بعيدة المعنى عن معنى دكالة، ولا تشترك معها في نواة دلالية، مما يقوي فرضية كون الإسم هو أمازيغي.

تاريخيا، وفق المراجع المتوفرة، لا يعرف متى بدأ بالضبط استعمال لفظ “دكالة”، كما أنه لا يوجد له استعمالا بهذا المعنى في الشعر العربي القديم، و هو ما يزيد احتمالات و فرضيات كونه لفظا أمازيغيا صرفا، فيما بعض الروايات تفيد بكون لفظ “دكالة” هو تصغير و تسهيل لنطق أو اقتصاد للجهد العضلي أو حتى من باب إلحاقه بصيغ العربية على سنة العرب في تعريب الكلمات الأجنبية.

و قد اختلف في تسمية دكالة فقيل أن أصلها قبيلة دكالة الأمازيغية التي سكنت المنطقة إلى غاية قضاء الموحدين على مملكة برغواطة، أما المؤرخان محمد شفيق ومحمد الفاسي فيرجعان أصل دكالة إلى كلمتين وهما “دو” أي تحت أو أسفل و”أكال” أي الأرض، وتعني “دكالة” حسبهما “الأرض المنخفضة”، وهي بالفعل أرض منخفضة مقارنة مع المناطق المجاورة.

أما أحمد التوفيق وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية الحالي، ففي تعليقه على كتاب “التشوف إلى رجال التصوف” يرجع أصل دكالة إلى “إيدوكلين” أو إيداوكلن أو إيدركالن، ويلتقي مع محمد شفيق في الاحتمال الأخير على اعتبار أن فعل “إدرا” يعني بالأمازيغية “انخفض”، وفي احتماله الأخير يرجع أصل دكالة إلى تيديكلت أي راحة اليد، ومما يؤيد هذا التفسير وجود منطقة في الصحراء الكبرى تحمل اسم تيديكلت.

وإذا كان هذا الاختلاف في معنى الإسم ودلالته، فإن هناك اختلاف آخر في النطق، فالإسم عند بعض المؤرخين “دُكَّالة” بضم الدال وتشديد الكاف، و “دَكَّالة”بفتح الدال وتشديد الكاف عند بعضهم الآخر، بل إن هذا الخلط تعدى ذلك، فأطلق الإسم على الإنسان والمجال، وقد تكرر هذا الخلط عند أكثر من مؤلف، فإبن خلدون، على سبيل المثال، أطلق الكلمة على قبائل مصمودة السهل مرة، وعلى الإقليم مرة أخرى، وتبعه في ذلك كثير من المؤلفين الذين تحدثوا عن المنطقة قبل القرن السادس عشر الميلادي.

إلا أن إطلاق إسم دكالة على الإنسان والمجال بدأ ينمحي تدريجيا ولم يعد يفهم منه إذا أطلق إلا على الإقليم، على الأقل ابتداء من القرن السادس عشر الميلادي، واختصر مركب “بلاد دكالة” في كلمة “دكالة” ، وأصبح ذلك غالبا في كل إشارة إلى المنطقة، فيقال دكالة ويقصد بها “بلاد دكالة”، ولعل مرد هذا التحول هو تفكك عصبية القبائل التي تكون المجتمع الدكالي آنذاك من بربر المصامدة أو صنهاجة، إما برحيل قسم كبير منها إلى بلاد سايس وانصهار ما تبقى في القبائل العربية الهلالية الوافدة، وبالتالي لم يعد هناك مبرر لإطلاق الإسم على قبائل لم تعد.

كانت دكالة إلى حدود القرن الثامن عشر تشمل ما يعرف الآن بعبدة ودكالة مجتمعين، ولكن ابتداءا من هذا القرن قسمت المنطقة إلى “دكالة حمراء” وهي عبدة الحالية، و “دكالة بيضاء” ، وهي دكالة الحالية.

حسب المراجع و المؤلفات التاريخية، فهيمنة العنصر العربي واللغة العربية على دكالة اليوم، لا تعني أن أصل سكان هذه المنطقة هو عربي وحده، بل على العكس من ذلك، أجمعت الكتابات والبحوث التي أنجزت حول المنطقة على تداخل العنصر الأمازيغي والعربي مع مطلع القرن 13 مما يظهر جليا في ملامح السكان.

لا تعرف أشياء كثيرة عن سكان منطقة دكالة قبل أن تهتم بها النصوص العربية، فما خلفه الإغريق والرومان في هذا الصدد لا يفيد إلا في وجود عناصر متفرعة عن “الأطلول” كانت تنتشر ما بين نهري أم الربيع و التانسيفت، ورغم محاولات النصوص العربية وما سلطته على هذا الموضوع من أضواء، فإن الإشكال لم يحل بعد، ولم يتم التعرف بوضوح على القبائل الأمازيغية التي سكنت دكالة خصوصا وأن الكثير من هذه الأخيرة حاولت التنكر لأصلها البربري والبحث عن هوية عربية أو شريفة خصوصا قبيلة بني ماجر و قبيلة رجراجة.

ومهما كان من هؤلاء و أولئك، فإن أغلب الكتابات تجمع على أن سكان دكالة ينحدرون من عنصرين أساسيين، هما العنصر الصنهاجي الذي يوجد حول أزمور حتى تيط والثاني مصمودي يتكون من قبائل مشنزاية، بني دغوغ، رجراجة، بني ماجر وهزميرة.

واجهت دكالة، على خلاف باقي المصامدة، ظهور دولة الموحدين بمقاومة شديدة مؤازرة في ذلك بجارتيها حاحة و ركراكة، إلا أن رد الموحدين كان عنيفا، فنزح كثير من السكان إلى خارج المنطقة ونتج عن ذلك فراغ بشري كبير عوضته القبائل العربية، إلا أنه ليس بالسهل ولا الهين المعرفة الدقيقة لزمن دخول هذه القبائل إلى منطقة دكالة.

ومهما يكن فإن أغلب هؤلاء النازحين كانوا من الهلالية بقسميها السفياني و الخلطي، وقد أدى تواجد القبائل العربية في المنطقة إلى زحزحة البنية الديموغرافية، ودخلت سفيان والخلط في حروب استغلتها الدولة الموحدية لصالحها، وأمام هذا المعطى الديمغرافي الجديد تراجع عدد البرابرة بالمنطقة.

أما بخصوص القبائل العربية بدكالة القديمة، فقد انقسمت إلى شرقية وغربية وقبيلة عبدة التي كانت من بين إحدى قبائل دكالة كذلك، و كانت القبائل الشرقية بدكالة تضم تجمعات أولاد افرج و أولاد عمران و أولاد يعقوب و أولاد سبيطة و أولاد بوعزيز التي نعتتها الوثائق البرتغالية بكونها قبيلة عرب أزمور.

ما رأيك؟
المجموع 11 آراء
3

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

elections2021

مقالات ذات صلة

‫4 تعليقات

  1. أنا أعتقد أن إسم دكالة هو كتابة بحروف عربية لكلمة يونانية هي Το καλα مع تحويل طاء التعريف في اليونانية إلى دال و تعني الكلمة الخيّر .أو الطيّبة و هذا يعني أن المنطقة هي المقصودة كمنطقة سهول خصبة .العارفون باللغة اليونانية يعرفون أن كلمة كالا καλα تعني جيد و خير و طيب و جميل و كثيرة الإستعمال …و هذا يعني أن الذين سموها بهذا الإسم كانوا يونانيين ..ستقولون لي و من أين أتى اليونان لهذه المنطقة كي يسمونها بهذا الإسم ؟ و سأجيب بأن هذا موضوع آخر تاريخي طويل يحتاج صفحات و صفحات ….تحياتي أحبائي لطاقم هبة بريس العزيز …

  2. الأخ بنعيسى صبح علينا بتعليق يقول فيه أن كلمة دكالة من أصل برتغالي و كتبها بعوض البرتغالية بالعربية هكذا ضوص كالاس أي القلعتان .و هذا غير صحيح .فكلمة إثنين في البرتغالية تكتب دو واس هكذا duas .; و حرف التعريف هو as و قلعتان هي طوريس torres ; و تنطق مخففة .و بالفرنسية قلعتان تكتب هكذا tours…و إ‘ذن تكون كلمتا “القلعتان بالبرتغالية هي As duas torres ..; و ليس كما كتب الأخ بنعيسى ضوص كالاس…; الملاحظ أيضا أن الأخ بنعيسى تارة يكتب السين اللاتيني مترجما للعربية بالصاد و تارة بالسين .و الدال يترجمه بالضاد بدون رقبة …و هنا المسؤولية تقع عليه هو و ليس على المؤرخين الذين ذكرهم في تعليقه …ربما إختلط الأمر على الأخ بنعيسى في تسمية البرتغال نفسها بهذطا الإسم في القرن الخامس الميلادي والذي يعود لمدينتين برتغاليتين هما مدينة بورتو (و هي مدينة بورتو الحالية) و مدينة كالي (و هي مدينة فيلا نوفا دي كايا الحالية) و توجدان في مصب نهر “دورو” ..البرتغالي …و هذا لا ينطبق على كلمة دكالة المغربية ..هذا لا يعني عدم وجود الكثير من الكلمات البرتغالية في الدارجة المغربية ككلمة “صايا ” مثلا و كلمة صاندالا و كلمة قميجة التي مصدرها برتغالي هو “كاميزا” و الكثير من الكلمات …مع تحياتي أحبائي طاقم هبة بريس العزيزة … .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق