هبة بريس
إبراهيم المصلوحي، باحث في سلك الدكتوراه، تخصص القانون العام والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل، كلية العلوم القانونية والسياسية، القنيطرة.
عرف موضوع الشباب دراسات في حقول معرفية متعددة تتجلى في علم النفس، الديمغرافيا، القانون وعلم الاجتماع.
يرى بعض أنصار السوسيولوجيا أن مرحلة الشباب لها علاقة بمكانته الاجتماعية وما يؤديه وفقها من دور اجتماعي، حيث يرون أن هذه المرحلة بدايتها تكون حينما يحاول المجتمع تأهيل الفرد لكي يحتل مكانته وأداء دوره في السياق الاجتماعي، وباستيعابه للتوجيهات الكامنة في السياق الاجتماعي من خلال التنشئة الاجتماعية التي تزود الشباب بالخبرات والمعلومات وتهيئهم لأداء دور الكبار.
إن الشباب حقيقة اجتماعية وليس بيولوجية فقط، أي هناك مجموعة من الخصائص تميز هذه الفئة عن غيرها، حيث يتمكن الشباب في هذه المرحلة من إدراك المفاهيم والقيم، والشباب من جهة أخرى يمكن تحديده على أساس فكرة المسؤولية، إذ لا يصبح الشباب مكتملاً وناضجاً إلا إذا تحمل المسؤولية، إذ أن الشباب الذي لا يقوم بأي دور في المجتمع يفشل في اكتساب الإحساس بالمسؤولية.
وتأسيساً على ذلك، لم يعد الشباب في الظرفية الراهنة بالمغرب مجرد ملف اجتماعي من بين قضايا السياسات العمومية، حيث أصبح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً وتنموياً يرتبط ببنية المجتمع والدولة ومستقبلهما.
إن فئة من الشباب اليوم تعيش حالة مركبة من الإحباط وفقدان الثقة، والتي تتمثل في مجموعة من التمظهرات من قبيل: الرغبة في الهجرة، والانقطاع عن الدراسة، والابتعاد عن العمل الجمعوي والسياسي، وفي أحايين كثيرة الغضب والعنف والاحتجاج غير المؤطر.
جاء في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشر سنة 2026 ما يلي:
«كما يتعين وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل، يضمن تكافؤ الفرص ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي».
وفي هذا السياق، فإن ضرورة تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي اليوم أصبحت من بين القضايا التي تهم الشباب التي لا تقبل التأجيل، حيث وجب التعامل معها بروح من المسؤولية من قبل صناع القرار العمومي، لا سيما في الهندسة الحكومية الجديدة التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لسنة 2027، وإحداث منصب وزير منتدب لدى الشباب والثقافة والرياضة المكلف بالشباب.
إن المصلحة العامة باختصار توجد حيث الحكومة العادلة والفاعلة الملتزمة بسيادة القانون، وفي هذا الصدد قال والتر لِبمان (W. Lippman):
«إن الجمهور مهتم بروح القانون وليس بالقوانين ذاتها وبأسلوب القانون وليس بمحتواه… واهتماماته تنطلق من ضرورة التزام الناس في حسم قضاياهم ومصالحهم بقواعد عملية تمكنهم من توقع أنماط السلوك العادلة التي يتكيفون لها».
وفي هذا الإطار تبرز الحاجة إلى تفعيل اختصاصات المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي وإخراجه لحيز الوجود.
فبالرجوع إلى دستور 2011، نجده ينص في الفصل 33 منه على:
على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي:
• توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد؛
• مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وتقديم المساعدة لأولئك الذين تعترضهم صعوبة في التكيف المدرسي أو الاجتماعي أو المهني؛
• تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا، والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقتهم الخلاقة والإبداعية في كل هذه المجالات؛
• يُحدث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي من أجل تحقيق هذه الأهداف».
يُستخلص من دستور 2011 أنه لم يتحدث عن المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي باعتباره فكرة عابرة، بل تم التنصيص عليه صراحة وربطه بقضايا الشباب والعمل الجمعوي، والمشاركة في الحياة الوطنية وتنمية طاقات الشباب وترسيخ قيم المواطنة المسؤولة.
في هذا المنوال، نجد القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي الذي صدر سنة 2018.
فالقانون السالف الذكر يتكون من 28 مادة وستة أبواب تنظم صلاحياته ومهامه، تركيبته، أجهزة المجلس، التنظيم الإداري والمالي للمجلس.
تنص المادة الأولى من القانون 89.15 المتعلق بالمجلس على أنه:
يتمتع المجلس بصفته شخصاً اعتبارياً من أشخاص القانون العام بالاستقلال المالي ويتجلى دوره في:
• المساهمة في إثراء النقاش العمومي حول السياسات العمومية في ميادين الشباب والعمل الجمعوي؛
• التنسيق مع الهيئات الاستشارية المحدثة لدى مجالس الجهات من أجل توسيع مشاركة الشباب وفعاليات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد.
في هذا الصدد، قال الأستاذ ندير المومني في أحد الدراسات المتعلقة بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي إنه هناك مجموعة من الدواعي المرتبطة بتفعيله، باعتباره من مؤسسات الحكامة كما ينص على ذلك الفصل 170 من دستور 2011، والتي تتجلى في إشكالية بطالة الشباب، وتحدي التمكين الاقتصادي والاجتماعي للشباب، وتحديات مرتبطة بالحصول على الحقوق كما يراها الشباب، وتحديات متعلقة بالمشاركة المدنية والسياسية للشباب.
فمن بين التحديات التي تواجه الشباب تتمثل في البطالة التي وصلت سنة 2024 إلى 13.3 في المائة و9.5 في المائة سنة 2026 حسب المندوبية السامية للتخطيط.
فالإكراهات المرتبطة بواقع الشباب المغربي تعد من بين الأسباب لخروج مجموعة من المتظاهرين إلى الشوارع، والتي سميت باحتجاجات جيل «زد»، مرددين شعار «حرية، كرامة، عدالة اجتماعية»، ومعظمهم شباب تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشر والرابعة والثلاثين، ويشكلون نحو ثلث سكان المغرب، حيث إن حوالي ثلثهم غير منخرطين في سوق الشغل وغير ملتحقين بالتعليم.
كما توجد أيضاً ظاهرة الهجرة في صفوف الشباب، كأحداث سبتة الأخيرة التي تدل على تحول الهجرة من فعل فردي مرتبط بالانتقال الجغرافي إلى فعل اجتماعي يحمل رسالة اجتماعية، حيث اتخذ العبور الجماعي نحو الحدود شكل موقف عملي عبر من خلاله الشباب عن علاقتهم بالواقع الذي يعيشونه، وبالتالي أصبح وسيلة لإيصال رسالة تتعلق بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للشباب.
وعليه، فإن واقع الشباب يعطي انطباعات حول تغيير فلسفة السياسات العمومية اتجاه الشباب، فمثلاً في مواجهة العنف والغضب في الاحتجاجات، يجب التمييز بين فهم أسباب الغضب وتبرير العنف. فالعنف بطبيعة الحال مرفوض وتطبق بشأنه القوانين، لكن السياسات العمومية مطالبة في الوقت نفسه بفهم دوافع الإحباط الذي يجعل الغضب لغة لدى بعض الشباب، وبالتالي هنا تبرز أهمية الرياضة والثقافة والعمل الجمعوي والفضاءات الشبابية والمشاركة باعتبارها أدوات لبناء الانتماء والمعنى والثقة بالنفس والمجتمع.
إذا كانت الوساطة بين الشباب ومؤسسات الدولة انهارت، إن صح القول، نتيجة مجموعة من العوامل في النسق السياسي المغربي، فإن الحاجة إلى تفعيل اختصاصات المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي وإخراجه إلى أرض الواقع أصبحت ضرورة ملحة للقيام بدور الوساطة بين الشباب والدولة عبر تنظيم دورات واستقبال اقتراحات وإنتاج دراسات وأبحاث متعلقة بقضايا الشباب، لإعطاء مكانة مهمة للشباب في صلب السياسات العمومية عبر المشاركة المواطنة وزرع قيم وثقافة المبادرة في صفوفهم على مستوى القرار العمومي، أسوة ببعض التجارب الدولية المتميزة بشأن الشباب والعمل الجمعوي.
المراجع المعتمدة
• جيمس أندرسون، صنع السياسات العامة، ترجمة عامر الكبيسي، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، بدون ذكر تاريخ النشر.
• حسيبة لولي، «الشباب: قراءة في مقارباته وخصائصه»، مجلة المربي، العدد 19، 2016.
• ندير المومني، من أجل تفعيل المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي: دراسة مقارنة، منتدى بدائل المغرب.
• أبوبكر الفقيه التطواني، «المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي ودوره في استعادة الأفق»، مقال رأي منشور في صوت المغرب (The Voice).
• سفيان جردان، «المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي: التاريخ يكرر نفسه»، مقال منشور في المعهد المغربي لتحليل السياسات (MPA Institut).
• دستور المملكة لسنة 2011.
• ظهير شريف رقم 1.17.112 صادر في 14 من ربيع الآخر 1439 (2 يناير 2018) بتنفيذ القانون رقم 89.15 المتعلق بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي.
• الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشر بتاريخ 09/11/2026.






0 تعليقات الزوار