الانتقال المؤجل إلى “الألفية الثالثة”…لماذا…وكيف؟

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

محمد أديب السلاوي

نتواجد اليوم بكل تأكيد، في قلب الألفية الثالثة، وهي ألفية مطبوعة بكل أصناف الصراع والتجاذب، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي/ على المستوى العلمي والثقافي والتكنولوجي/ على المستوى السياسي والعسكري. الكل على ساحتها في صراع وتجاذب… الكل في أزمة… والكل يبحث عن مخرج لها.

وحيث أننا جزء لا يتجزأ من القرية الكونية، ومن تجاذباتها وصراعاتها وأزماتها المتداخلة والمتشابكة، يطوقنا السؤال من عمق هويتنا:

هل استطعنا كأمة عرفت خلال القرن الماضي، تحولات وصراعات سياسية وحضارية، مواكبة حركة الانتقال الحضاري من الألفية الثانية إلى الثالثة.

وهل استطعنا الوقوف على إحساس الاستحقاق الزمني لهذا الانتقال، بما يعنيه من صلة بالصراعات والإشكالات والأزمات…؟

في حقيقة الأمر، أن مثل هذا التساؤل العريض، يستدعي قبل كل شيء، استحضار الوضع المغربي العام خلال القرن الماضي بشعور مغاير، إن لم نقل بشعور الخيبة، وهو ما يحتاج منا إلى زمن طويل/ إلى كتب ومجلدات، إلى كتبة ومؤلفين ومؤرخين. ولكن ذلك لا يمنعنا من الملاحظة السريعة، خاصة بعد انصرام عقد ونيف من ميلاد الألفية الجديدة، وظهور علامات وإشارات الاختلاف بيننا وبين العديد من الأمم والشعوب، سواء في هضم السياقات والمراحل أو في طي التراكمات التي حملها القرن الماضي، حيث تغيرت بعض ملامحنا وعاداتنا ورؤانا، وتجددت بعض مفاهيمنا في الدين والسياسة والسلطة، وتغيرت بعض أدواتنا في القراءة والتحليل والنقد، دون أن يطرأ أي تغيير على واقعنا الحضاري الشامل.

بذلك يمكن أن نوجز ملاحظتنا السريعة في أربعة قضايا:

        الأولى: ان المغرب عاش خلال القرن الماضي، في قيمه وسلوكياته بين الرجاء والترنح/ بين جبروت الحاكم الاستعماري، وجبروت السلطة المخزنية/ بين الانجذاب نحو الاستقلال والتحرر، والانجذاب نحو التحديث والمثاقفة والتجاوز/ بين الانجذاب نحو التراث الماضي، والإنعتاق وإنتاج النموذج البهي الذي ورثه عن السلطة الأم، والحضارة الأم، واللغة الأم، والوطن الأم.

        الثانية: ان المغرب، ورغم تواجده بقلب وعقل عالم القرن العشرين، المطبوع بثورات العلم والاتصال والتواصل، فرضت عليه ظروفه المحلية والإقليمية والدولية، أن يظل على صلة وثقى بتاريخه الماضي. لم يقطع مع دولة المخزن ولا مع ثقافة المخزن. لم يقطع مع تراثه الحضاري/ الثقافي/ الديني، ولا مع قيمه الاجتماعية العريقة، بل جعلت ظروفه السياسية والتاريخية، هذا التراث حيا في وجدانه، وجعلته حيا نابضا في ثقافته وفنونه، ومجتمعه، وجعلته يعيد إنتاج هوية هذا التراث في أحزابه ومؤسساته ومجتمعه المدني، رغما على الصيحات المتكررة، المطالبة بالتجديد والتحديث والقطع مع ما يعتري هذا التراث من فساد وشوائب.

        الثالثة: بداخل هذا الانصهار مع تراث الماضي، بكل تراكماته وسلبياته، ظهرت على المشهد المغربي خلال القرن الماضي، سواء في الفترة الاستعمارية أو ما بعدها (فترة عهد الاستقلال) بعض الانفراجات/ الانتفاضات، على الساحة السياسية، كما على الساحة الثقافية، تبشر بالتجديد والتحديث والانتقال المعرفي/ السياسي/ الاقتصادي/ التكنولوجي، تسعى إلى نقل المغرب إلى مستوى تطلعاته المستقبلية نحو العصر الجديد، ولكنها مع شديد الأسف، ظلت حتى هذه اللحظة، تفجرات محدودة في الزمان والمكان، محاصرة بالعديد من السلبيات المتحكمة في مساراتها، في مقدمتها منابع الفساد المتعدد الصفات، السلطة/ الفقر/ الأمية/ التخلف الحضاري، الذي تقوده النخب المخدومة.

        الرابعة: إنه داخل هذا الانصهار، ظل المغرب بعيدا عن آليات الانتقال، لم يستطع التخلص من مفاهيم دولة المخزن القديم ولا من قيودها القوية. وفي نفس الآن لم يستطع الانطلاق نحو الأفاق الجديدة، نحو بناء دولة في مستوى العصر الحديث، ولا على هامش هذا العصر. ليس فقط بسبب اشكالات الديمقراطية وحقوق الانسان التي سيطرت على أحاسيس ومشاعر السياسيين، ولكن بسبب قصور نظرة هؤلاء السياسيين إلى مفهوم الدولة  التي نريد أو التي يجب أن تكون لمغرب يستوفي كل شروط الانتقال الحداثي.

        نعم، ظهرت على الساحة المغربية، خلال القرن الماضي، محاولات حداثية في السياسة والمجتمع والثقافة، ولكنها ظلت محاولات مواجهة للسلطة./ سلطة إدارة الحماية، ثم سلطة إدارة الاستقلال، وهو ما دفع بالمغرب إلى الانغلاق على نفسه والتوالد في بوتقته الذاتية. وإلى التوسل إلى الاقتراب أكثر من تراثه الماضي، ومحاولة التصاقه مع تراثه  الاجتماعي.

        و في نظرنا، كيفما كان أداء المحاولات الحداثية التي ظهرت على الواجهة الوطنية خلال القرن الماضي، فإنها استطاعت على قلتها وضعفها ـ أحداث ما يشبه التحول في اهتمامات بعض النخب السياسية والاجتماعية والثقافية، حيث أصبح تفكيربعضها منصبا حول دورها في الانتقال بالمغرب إلى مرحلة جديدة من تاريخه، تكون في مستوى العصر ومكوناته الإنسانية، إذ أدركت أن هذا الانتقال يشترط قبل كل شيء عدم التنكر للعقلانية، ورفض الانغلاق داخل المرجعيات المذهبية والتراثية. وإعطاء المزيد من الاهتمام إلى الآخر وثقافته وتطوراته الحضارية. وهو ما يتطلب من هذه النخب المزيد من المواجهة ومن الاجتهاد والانفتاح والصبر.

        في خضم الصراعات التي خاضتها النخب المغربية، من أجل استعادة استقلال البلاد واستعادة وحدتها الترابية،  ظهرت دعوات فكرية وسياسية، في منتهى الأهمية، تؤكد أن السلم الاجتماعي، شرطا ملزما وأساسيا لأي انتقال حضاري. جاء ذلك على لسان العديد من الأئمة والزعماء والفقهاء: شيخ الإسلام محمد العربي العلوي، علال الفاسي، محمد بن الحسن الوزاني، محمد عابد الجابري. محمد عزيز الحبابي، وطه عبد الرحمان، المهدي المنجرة، المهدي بن عبود، محمد سبيلا، عبد الله جنون، المكي الناصري، عبد الله العروي.  حيث أكدوا بصيغة تكاد تكون جمعية، أن السلطة وحدها هي القادرة على إعطاء هذا السلم موقعه على الأرض، خاصة إذا ابتعدت عن التزمت والانغلاق والتطرف، معتبرين ـ كل من موقعه الفكري أو السياسي ـ أن العقل وحده يستطيع زعزعة السلطة الجائرة/ الفاسدة/ القاصرة. وأن تغيير القيم السائدة لهذه السلطة وخلق ثقافة جديدة للحكم، نابعة من صلب العصر وقيمه وثقافته، ضرورة تفرضها متطلبات هذا الانتقال.

        أكيد أن الانتقال إلى قلب العصر الجديد، قلب لألفية الثالثة/ قلب العولمة، لا يشترط فقط إصلاح وتغيير ثقافة السلطة/ ثقافة الحكم/ ثقافة السياسة. وإنما يشترط قبل كل شيء، أنظمة قادرة على تفعيل هذا الانتقال وإنجازه حضاريا وفكريا/ اقتصاديا وسياسيا/ ثقافيا واجتماعيا. وهي المسألة التي شغلت اهتمام النخب المغربية المتعاقبة على مشهد القرن الماضي.

        إن كتابات ونضالات النخبة المغربية المتنورة، اهتمت بشكل ومضمون الانتقال المطلوب، لمغرب تحكمت ثقافته الجامدة في جموده، معتبرة أن السلطة، هي مفتاح كل انتقال مرتقب. وأن الممارسات السلطوية الاستبدادية التي مورست على الجسد المغربي لعقود طويلة من الزمن، مرة باسم الدين، ومرات باسم الظرفية الوطنية والدولية، كانت هي السبب المباشر لجمود الثقافة، وتخلف الأمة، وترهل الدولة، وتراجع موقعها بين الأمم والشعوب.

        قبل قرن من الزمن،(1907) جاءت الإشارة من علماء جامعة القرويين، حيث طالب تلة منهم بوضع دستور للبلاد، يراعى تغيير الأحوال والأزمان في تجديد مفهوم الحكم والسلطة إسلاميا وسياسيا، وعلى ضرورة الاستئناس بالخبرات الإنسانية في إعطاء هذا المفهوم هويته على أرض الواقع… ولكن سريعا ما طمست هذه الدعوة، بعدما تم التوقيع على عقد الحماية سنة 1912… وذهب التاريخ في اتجاه معاكس.

        وها نحن اليوم، وقد انتقل بنا الزمن، إلى قلب عصر جديد، ينطبع بالتقدم العلمي، التقنولوجي، العولمي، الحداثي، ونحن ما نزال نتأمل أطروحات الأولين والآخرين، حول الانتقال وشروطه. وما نزال نبحث عن “بوابة” سلمية نتسلل منها إلى هذا العصر ومكوناته… وما نزال في صراع مستمر مع السلط والقيم والاتجاهات والأفكار والتوجهات… وما نزال نتساءل: متى يحدث الحلم هذا “الانتقال” الجميل..؟ 

ما رأيك؟
المجموع 3 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في أراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

قراءة في صحة خطبة طارق بن زياد من عدمها

عبد اللطيف مجدوب تقديم كثر الجدل بين العديد من المؤرخين والنسّابين ؛ القدامى منهم والمحدثي…