هبة بريس
يشكل فيلم “أفريكا بلانكا لون المنفى” لمخرجه عزالعرب العلوي ، لحظة دالة في مسار السينما المغربية المعاصرة من حيث قدرته على بناء حضور متماسك داخل الفضاءات الدولية دون أن يفقد علاقته بالسياق الذي انطلق منه ، حيث يشتغل العمل على مادة سردية تنبع من واقع اجتماعي محدد ، لكنه يعيد صياغتها ضمن أفق أوسع يجعلها قابلة للتلقي خارج حدودها الأولى .وهذا ما يفسر امتداد مساره داخل ما يناهز ثلاثا وعشرين تظاهرة سينمائية عبر قارات مختلفة ، بما في ذلك أوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا وهو امتداد لا يختزل في عدد المشاركات، بقدر ما يكشف عن بنية فيلمية قادرة على إنتاج المعنى في سياقات متعددة.
تتأسس الكتابة السينمائية داخل هذا العمل ، الذي تم عرضه لأول مرة في سوق الأفلام بمهرجان كان بفرنسا ، والذي يعرض حاليا في القاعات السينمائية المغربية ، على تتبع شخصية افريقية شابة مصابة بالمهق الحاد” ألبينوص” (عبدالعزيز صال) تعيش تجربة وجودية مركبة ترتبط بالاختلاف داخل محيط اجتماعي لا يملك أدوات استيعابه سوى حضن الأم ” عيشاتا” (الممثلة الكبيرة ناكي سي سافاني). حيث يتطور المسار السردي عبر مراحل متدرجة تمنح الزمن الداخلي للشخصية مساحة كافية ليظهر أثر التحولات التي تمر بها ، دون الحاجة إلى خطاب مباشر يحدد المعنى مسبقا. ويقود التلقي نحو اتجاه بعينه. إذ يعتمد الفيلم على بناء تراكمي يشتغل على التفاصيل الدقيقة التي تمنح التجربة صدقها وتفتح أمام المتلقي إمكانية المشاركة في إنتاج دلالاتها.
يتضح من خلال المعالجة أن الرهان الأساسي ينصب على الصورة باعتبارها حاملا للمعنى ، أكثر من كونها وسيلة لنقل الحدث حيث يتم تنظيم العلاقات البصرية داخل اللقطة بما يسمح بظهور توتر داخلي يرتبط بوضعية الشخصية داخل الفضاء الذي تتحرك فيه . كما يحضر الاشتغال على الإيقاع، بوصفه عنصرا بنيويا يساهم في تشكيل التجربة الإدراكية للفيلم عبر توظيف الصمت والزمن الممتد بشكل يتيح تبلور الإحساس دون استعجال الوصول إلى خلاصات جاهزة.
ينخرط الأداء التمثيلي في هذا التصور العام من خلال اعتماد حضور قائم على البساطة وعلى الابتعاد عن المبالغة في التعبير. حيث تنسجم اختيارات الأداء مع طبيعة الكتابة التي تمنح الأولوية للحالة بدل الفعل المباشر. وهو ما يخلق نوعا من التطابق بين المستوى السردي والمستوى الجمالي داخل الفيلم .ويجعل الشخصية مركزا تتقاطع فيه مختلف مكونات العمل. وهذا ما مكن بطل الفيلم ” أوصمان” عبد العزيز صال من الفوز بجائزة أحسن ممثل في مهرجان نظرة على افريقيا بكندا VUES DAFRIQUE FILM FESTIVAL .
أما على مستوى التلقي فإن ما تحقق من جوائز في مهرجانات متعددة مثل مهرجان دورانغو المستقل بالولايات المتحدة ومهرجانات أوروبية في السويد وهولندا وفرنسا ورومانيا وبريطانيا وألمانيا إضافة إلى مهرجانات في المكسيك وتنويهات في تظاهرات أوروبية وأمريكية أخرى، لا ينفصل عن طبيعة الاشتغال الفني الذي يتيح للفيلم أن يجد موقعه داخل برمجات مختلفة تهتم بقضايا الهجرة والهوية وحقوق الإنسان . حيث يظهر أن حضور الفيلم في مهرجانات مثل الأقصر بمصر وإزمير بتركيا وجانكبور وبوينس آيرس ونظرة على افريقيا بكندا، يعكس قدرة العمل على التفاعل مع دوائر عرض متباينة دون أن يفقد تماسكه الداخلي.
يتصل هذا المسار أيضا بوعي واضح بآليات الاشتغال داخل الحقل السينمائي الدولي ، من خلال إعداد نسخة تقنية تحترم المعايير المطلوبة من حيث الصورة والصوت والترجمة وهو ما يساهم في تسهيل تداول الفيلم داخل المهرجانات ويعزز من قابلية استقباله في ظروف عرض مختلفة بما يضمن الحفاظ على جودة التجربة كما صيغت داخل العمل.
ضمن هذا الأفق يمكن النظر إلى “أفريكا بلانكا لون المنفى” ، باعتباره تجربة تفتح إمكانا داخل السينما المغربية ، يقوم على إعادة التفكير في العلاقة بين المحلي والعالمي. من خلال الاشتغال على مادة إنسانية تسمح بتجاوز الحدود المباشرة دون الحاجة إلى التخلي عن خصوصية السياق . إذ يشتغل الفيلم على تحويل التجربة الفردية إلى مجال لإعادة طرح أسئلة ترتبط بالانتماء، وبصورة الإنسان داخل المجتمع . وهو ما يمنحه موقعا خاصا داخل مسار سينمائي يبحث عن صيغ جديدة للتعبير وعن أشكال قادرة على بناء علاقة مختلفة مع المتلقي داخل فضاءات متعددة.






0 تعليقات الزوار