طارق عبلا من هولندا
في مساء رمضاني من يوم الأربعاء 11 مارس 2026، تحولت قاعة تقع في قلب بلدية أمستردام أوست إلى فضاء نابض بالحياة، حيث اجتمع العشرات من أبناء الجالية المغربية إلى جانب سكان الحي من الهولنديين وجنسيات أخرى في لقاء إنساني مميز جمع بين الروح الرمضانية والحوار المجتمعي، كان الحضور متنوعا في الأعمار والخلفيات الثقافية، لكن ما جمع الجميع في تلك الليلة كان الرغبة في التعارف والتواصل وبناء جسور أقوى داخل المجتمع.
ومع توافد الضيوف منذ الساعات الأولى من المساء، امتلأت القاعة بأجواء من الدفء والترحيب، رجال ونساء، شباب وكبار في السن، جيران من الحي، متطوعون، إضافة إلى عدد من ممثلي الأحزاب السياسية والمسؤولين المحليين الذين لبوا الدعوة للمشاركة في هذه الأمسية الرمضانية التي أصبحت تقليدا سنويا يجمع سكان المنطقة بمختلف خلفياتهم.
وجود عدد من ممثلي الأحزاب السياسية الهولندية أعطى للقاء بعدا إضافيا، حيث شكل فرصة للحوار المباشر بين أبناء الجالية والمسؤولين المحليين في أجواء غير رسمية يسودها الاحترام المتبادل، وقد أكد عدد من المتحدثين خلال الأمسية على أهمية مثل هذه اللقاءات في تعزيز التواصل بين صناع القرار والمجتمع، خاصة في مدينة متعددة الثقافات مثل أمستردام.
كما برزت خلال اللقاء دعوات واضحة من عدد من أبناء الجالية المغربية إلى المشاركة في الانتخابات المقبلة، المقررة يوم 18 مارس، مؤكدين أن الانخراط في العملية الديمقراطية يعد خطوة مهمة لتعزيز حضور الجالية في الحياة العامة.
وفي هذا السياق، قال عبد القادر، وهو أحد أبناء الجالية المغربية المقيمين في أمستردام منذ أكثر من عشرين عاما:
“نحن نعيش هنا منذ سنوات طويلة، نعمل ونربي أبناءنا في هذا البلد، ومن الطبيعي أن نكون جزءا من مستقبله، والمشاركة في التصويت تعني أن صوتنا مسموع وأننا معنيون بما يحدث في مجتمعنا”.
من جهتها، أكدت فاطمة، وهي أم مغربية حضرت اللقاء برفقة أفراد عائلتها، أن المشاركة في الانتخابات تحمل رسالة مهمة للأجيال القادمة، وأضافت:
“أبناؤنا يكبرون هنا، ومن المهم أن يروا أن آباءهم يشاركون في بناء المجتمع، عندما نصوت، نحن نؤكد أننا جزء من هذا البلد ونساهم في مستقبله”.
كما عبر عدد من الشباب المغاربة الحاضرين عن قناعتهم بأن المشاركة السياسية تمثل وسيلة مهمة للتأثير الإيجابي داخل المجتمع، ويقول ياسين، وهو طالب جامعي ولد وترعرع في هولندا:
“جيلنا لديه فرصة ليكون فاعلا أكثر. المشاركة في الانتخابات ليست فقط حقًا، بل فرصة لنكون جزءا من القرار”.
إلى جانب النقاشات والحوار، تخللت الأمسية فقرات فنية أضفت على اللقاء طابعا احتفاليا مميزا. فقد قدمت مغنية مصرية وصلات غنائية تفاعل معها الحضور بشكل كبير، حيث صدحت القاعة بين الحين والآخر بألحان شرقية أعادت للحاضرين أجواء الوطن وذكرياته.
كما شاركت فرقة متخصصة في الأناشيد الدينية، فقرات روحانية انسجمت مع أجواء شهر رمضان، ما أضفى على الأمسية لحظات من السكينة والتأمل بين الحضور.
وكان لافتا أيضا حضور عدد من الهولنديين وسكان الحي من جنسيات مختلفة، الذين شاركوا في هذا اللقاء بدافع التعارف واكتشاف أجواء رمضان، وقد عبر بعضهم عن إعجابهم بالأجواء التي تجمع بين الضيافة المغربية وروح الانفتاح على الآخر.
وخلال الأمسية، تبادل الحضور الأحاديث حول الحياة في المدينة، وقضايا المجتمع، وأهمية التعايش بين مختلف الثقافات، بالنسبة للكثيرين، شكل هذا اللقاء مثالا حيا على قدرة مثل هذه المبادرات على تقريب الناس من بعضهم البعض، وتعزيز روح التضامن داخل المجتمع.
ومع تقدم ساعات المساء، استمرت الأحاديث واللقاءات بين الحاضرين، حيث اختلطت اللغات والثقافات في مشهد يعكس تنوع أمستردام وغناها الإنساني، وبين لحظات الحوار والموسيقى واللقاءات الجديدة، بدا واضحا أن هذه الأمسية لم تكن مجرد تجمع عابر، بل حدث اجتماعي يعكس روح المشاركة والانفتاح.
ومع اقتراب نهاية اللقاء، غادر الحضور القاعة وهم يحملون انطباعا إيجابيا عن أمسية جمعت بين الروح الرمضانية والحوار المجتمعي، فقد أثبت هذا اللقاء مرة أخرى أن الجالية المغربية في أمستردام تلعب دورا مهما في تعزيز التفاهم بين الثقافات، وفي بناء مجتمع يقوم على الاحترام والتواصل.
وفي مدينة مثل أمستردام، حيث يلتقي التنوع الثقافي مع روح المواطنة، تبدو مثل هذه المبادرات أكثر من مجرد لقاءات اجتماعية؛ إنها مساحة حقيقية للحوار والتقارب، ورسالة تؤكد أن المشاركة المجتمعية، سواء عبر الحوار أو عبر صناديق الاقتراع، تظل أحد أهم أسس بناء مجتمع متماسك ومزدهر.






0 تعليقات الزوار