حنشاوي عائشة
بينما ينشغل العالم بالذكاء الاصطناعي، لا يزال “المشعوذون” في مجتمعنا يمارسون إرهابا صامتا يفتك بالأرواح ويدمر الأسر. بين جدران الأضرحة، وخلف شاشات الهواتف، وفي المقابر المنسية، تحاك مؤامرات لا تستهدف الجيوب فقط، بل تستهدف “الحق في الحياة”. لكن الصادم هو أن ترسانتنا القانونية لا تزال عاجزة عن مواجهة هذا الغول.
التوكال”.. ليس مجرد إيذاء بل “تسميم” عقوبته الإعدام
إن أكبر “خطيئة” قانونية نرتكبها اليوم هي تكييف جريمة “التوكال” كإيذاء عمدي بسيط، بينما بالرجوع إلى المنطق القانوني نجد أنفسنا أمام جريمة مكتملة الأركان وفق الفصل 398 من القانون الجنائي الذي ينص صراحة على أن “من اعتدى على حياة شخص بواسطة مواد من شأنها أن تسبب الموت عاجلا أو آجلا، أيا كانت الطريقة التي استعملت او اعطيت بها تلك المواد، وأيا كانت النتيجة، يعد مرتكبا لجريمة التسميم ويعاقب بالإعدام”.
فمادة التسميم تتميز بخاصية جوهرية وهي “الخطورة الذاتية” – فهي مواد قاتلة بطبيعتها وتحدث أثرا بيولوجيا يقضي على حياة الإنسان عاجلا أو آجلا. وحيث ان العبرة في جريمة التسميم ليست في “كمية” المادة أو “سرعة” مفعولها، بل في طبيعتها.
فالمواد المستعملة من أعشاب سامة، معادن ثقيلة، زجاج مسحوق، وبقايا نجاسات هي مواد قاتلة بطبيعتها وتسبب الموت “عاجلا أو آجلا” وهذا هو جوهر التسميم، إلا أن الواقع يصدمنا بكون الضحايا في كثير من الأحيان لا يدركون أنهم تعرضوا لفعل جرمي عمدي بل يعتقدون أنه مجرد تسمم عارض، والأدهى أن الطبيب نفسه يعجز غالبا عن التشخيص الدقيق ويصنف الحالة كتسمم أو مرض خبيث نظرا لأن التوكال يتحول مع الوقت لسرطانات قاتلة، مما يدفع القضاء أمام عجز الإثبات للهروب نحو الفصل 400 المتعلق بالضرب والجرح أو الفصل 413 وهو تكييف قاصر لا يعكس الخطورة الإجرامية الحقيقية للفعل الذي يجب أن يظل محكوماً بالفصل 398 وعقوبته الإعدام.
النصب والابتزاز والشعوذة الاكترونية”رعب يمنع التبليغ”
إن تكييف هذه الجرائم تحت الفصل 540 المتعلق بالنصب والاحتيال يبقى قاصرا، لأنه يختزل المعاناة في مجرد خسارة مالية، بينما الواقع يكشف عن فظائع تتجاوز سلب الأموال إلى سلب الكرامة والحرية؛ فالحقيقة الصادمة هي أن الضحايا يعيشون تحت رحمة ‘الابتزاز والرهب’، حيث يتم استغلال الفضاء الرقمي ومنصات التواصل كـ ‘تيك توك’ لاستدراج القاصرين والرشداء وتضليل إرادتهم بوسائل احتيالية موهمة، مما يسقطهم في مستنقع الاستغلال الجنسي البشع والابتزاز بصور مخلة أو ملابس داخلية بدعوى ‘العلاج’ أو ‘الرقية’. والخطير في الأمر، أن هؤلاء الضحايا يصمتون خوفا من تهديدات السحرة بإيذائهم في عائلاتهم أو فضح أسرارهم، وهو ما يؤدي ما يعطل مفعول التبليغ ويستوجب تحركا تلقائيا للنيابة العامة لحماية النظام العام.
نقد الفصل609 من ق.ج: عندما تصبح الجريمة مجرد “مخالفة”
من أكبر ثغرات نظامنا الجنائي هو الفصل 609 (الفقرة 35)، الذي يصنف التنبؤ بالغيب أو تفسير الأحلام ضمن “المخالفات” التي يعاقب عليها بغرامة زهيدة (من 10 إلى 120 درهما). هذا الفصل يستحق انتقادا لاذعا؛ لأنه لا يتماشى نهائيا مع الخطورة الإجرامية لسحرة يفككون الأسر وينبشون القبور (خاصة في المولد النبوي و العاشوراء وغيرها…) ويذبحون الحيوانات وينكلون بـ “الأطفال الزهريين” تحت غطاء طقوس شيطانية.
تجارة الموت: من “عشابة” السموم إلى انتهاك حرمة القبور
المسؤولية لا تقع فقط على “المشعوذ”، بل على “الموردين” أيضا. بعض بائعي الأعشاب تحولوا إلى تجار للموت، يبيعون مواد خطيرة ومقززة دون حسيب. وتزداد الخطورة في مناسبات مثل عيد المولد النبوي، حيث تشهد الأضرحة والمقابر طقوسا علنية لتدنيس حرمة الموتى ونبش القبور، في تحد صارخ للنظام العام والأمن الروحي للمغاربة.
وهنا يمكن تطبيق المادة 1 من الظهير الشريف 29/10/1959 المتعلق بزجر الجرائم المضرة بصحة الأمة ،والتي تعاقب بالاعدام الاشخاص الذي يقومون عن تبصر ببيع او عرض بيع او مسك منتوجات خطيرة على الصحة العمومية.
معضلة الإثبات: الطب الشرعي والوسائل الحديثة
أكبر عائق أمام القضاء هو “الإثبات”. البحث يؤكد على ضرورة:
تطوير الخبرة الطبية: الطب الشرعي في المغرب مطالب بتطوير آلياته لرصد المواد السمية التقليدية التي لا تظهر في التحاليل العادية.
توسيع وسائل الإثبات: يجب الاعتراف بالرسائل الإلكترونية، التسجيلات الصوتية، والتحويلات المالية كأدلة دامغة، خاصة في ظل انتشار “الشعوذة الإلكترونية” والابتزاز عبر الهاتف.
وحشية الشعوذة: عندما ينطق القبر والدم
لا يتوقف الأمر عند “الحجابات”، بل يمتد لأنماط تدميرية لعل اهمها:
• سحر التعطيل والتفريق: الذي يضرب النواة الأولى للمجتمع (الأسرة) ويؤدي للطلاق وضياع الأبناء.
• انتهاك حرمة الموتى: خاصة في مناسبات كعيد المولد النبوي، حيث تتحول الأضرحة والمقابر لساحات علنية لطقوس تدنس المقدسات وتنتهك حرمة القبور.
• استغلال الأطفال والزهريين: جرائم وحشية تندد بها الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يتم ترهيب واختطاف الأطفال لاستخراج الكنوز المزعومة.
• إجرام ضد الحيوانات: التنكيل بالقطط والكلاب لاستعمال أجزائها في الطلاسم، في غياب تام للحس الإنساني.
تجارب مقارنة:
بينما يكتفي القانون المغربي بغرامات زهيدة (الفصل 609)، نجد أن تشريعات مقارنة كانت أكثر حزما:
القانون الليبي والاماراتي: وضعوا نصوصا صريحة تجرم السحر والشعوذة كجرائم مستقلة بحد ذاتها، مع عقوبات رادعة تصل للسجن والغرامات الثقيلة.
المواثيق الدولية: حتى الجمعية العامة للأمم المتحدة في قراراتها، أكدت على ضرورة حماية حقوق الإنسان من الممارسات الضارة المرتبطة بالمعتقدات الخرافية، والاعتداءات التي تطال “الزهريين” والأطفال والنساء.
وختاما، إننا نناشد المشرع المغربي بضرورة التدخل العاجل للخروج من حالة الجمود التشريعي التي تؤدي حتما إلى إفلات الجناة من العقاب، مما يترتب عنه هدر صريح للحقوق والحريات الأساسية التي نص عليها الدستور المغربي والمواثيق الدولية؛ وذلك عبر سن نص قانوني صريح وخاص في القانون الجنائي يجرم السحر والشعوذة كجناية قائمة بذاتها، بعيدا عن التكييفات القاصرة لمقتضيات النصب والاحتيال، مع ضرورة تشديد الرقابة الميدانية المحلية على محلات “العشابة” التي تبيع الموت للناس، وفرض حراسة صارمة على الأضرحة والمقابر لحمايتها من التدنيس، مع الحظر التام لطقوس السحر التي تستغل المناسبات الدينية كعيد المولد النبوي.
كما نطالب بضرورة إحداث ثورة في نظام الإثبات الجنائي عبر اعتماد الأدلة الرقمية من رسائل وتحويلات بنكية لفك حصار الابتزاز، وتطوير آليات الطب الشرعي لتشخيص سموم “التوكال” التي تفتك بأرواح المواطنين، للانتقال من سياسة الغرامات الهزلية المتجاوزة في الفصل 609 إلى ردع حقيقي يحمي الأمن الروحي والجسدي للمجتمع.
طالبة باحثة






المسؤولية على الموردين والمشعوذين
الاعتماد على الفصل 609 ضعف القانون
المغاربة معرضون للنصب والابتزاز
الأطفال الزهريين عرضة للاستغلال
الجرائم بالمواد السامة خطر كبير
الرقابة الميدانية على محلات العشابة ضرورية
الابتزاز الرقمي يعطل التبليغ عن الجريمة
العقوبات الهزلية كتوصل المجرمين للإفلات
الأضرحة والمقابر صارت مسرح للجريمة
ضرورة قانون واضح للسحر والشعوذة
الشعوذة فالمغرب تهدد أرواح الناس
التوكال سم قاتل خاص العقاب الإعدام
الحماية للحرمة الروحية والجسدية واجبة
الضمانات القضائية اليوم ناقصة
التطبيق الرقمي يقدر يكون دليل قوي
الطب الشرعي محتاج تطوير عاجل