هبة بريس
بينما تنخفض درجات الحرارة في هولندا ليلا إلى حدود ناقص ثماني درجات، وتخلو الشوارع تدريجيا مع أجواء احتفالات عيد الميلاد، حيث يفضل الهولنديون قضاء هذه المناسبة داخل بيوتهم، يبدو شرق أمستردام من الخارج هادئا كعادته، الترامات والحافلات تمر شبة فارغة، الأضواء ما زالت مضاءة، وكل شيء يوحي بأن الحياة تسير بشكل طبيعي، غير أن خلف الأبواب المغلقة، تكشف واقع آخر، صامت وقاس، فقر لا يصرخ، بل يتجمد.
في تلك البيوت الباردة، يعيش مسنون يترددون في تشغيل التدفئة خوفا من فواتير الطاقة، وأمهات عازبات يضحين بوجباتهن ليحصل أطفالهن على شيء دافئ، وأشخاص بلا أوراق إقامة ولا أي شبكة أمان اجتماعي، لا احتجاجات، ولا مطالب علنية، فقط صمت ثقيل وبرد ينهش الأجساد والكرامة معا.
بالنسبة لجمعية الصداقة، هذا المشهد ليس طارئا ولا موسميا، بل واقع يومي تعايشه منذ عقود، كما يؤمن مسيو أحمد، كما يناديه أغلب المغاربة بهولندا، بأن الفقر ليس اختيارا، بل وضع قد يجد فيه الإنسان نفسه دون سابق إنذار، وأن الكرامة يجب أن تظل محفوظة مهما اشتدت الظروف.
بهذا الإيمان يقود أحمد المسري، منذ سنة 1989، عملا اجتماعيا متواصلا جعل من الجمعية ملاذا إنسانيا للفئات الأكثر هشاشة في أمستردام.
ما بدأ كمبادرة محلية بسيطة حتى تحول عبر السنوات إلى عمل ميداني راسخ، يقوم على القرب من الناس لا على الاشتغال نيابة عنهم، جمعية الصداقة هذه تزور إلى من لا تصل إليهم المؤسسات التقليدية، مسنون معزولون، أشخاص من أصول مهاجرة الغير مسجلين، جيران يعيشون وحدة قاسية، وعائلات سقطت خارج كل برامج الدعم.
وخلال حملة توزيع “قفة” عيد الميلاد لسنة 2025، وضعت الجمعية هدفا يتمثل في إيصال المساعدة إلى 300 من سكان الحي، فالحاجة هذا العام بلغت مستويات غير مسبوقة.
وفي 21 دجنبر، تم توزيع أكثر من 200 قفة، عبارة عن صناديق تضم مستلزمات الحياة اليومية الأساسية، من مواد غذائية ومنتجات ضرورية، في مبادرة أعادت إلى الأذهان معنى “القفة” كما يعرفها المغاربة: دعم صامت يحفظ الكرامة قبل كل شيء.
ورغم أهمية هذا الإنجاز، إلا أنه حمل في طياته رسالة مقلقة، مفادها أن الحاجة ما تزال قائمة، وأن هناك من لم تصله المساعدة بعد، فالفقر، كما يقول القائمون على الجمعية، لا يعترف بالأعياد ولا بالمواسم.
ما يجعل هذا الفقر أكثر قسوة هو خفاؤه، كثير من المستفيدين لا يطلبون المساعدة، ليس لأنهم لا يحتاجونها، بل لأن الخجل يمنعهم. بعضهم دخل مقر التوزيع وهو يرتجف، لا من البرد فقط، بل من التوتر، امرأة مسنة تسلمت قفتها وهمست.. “ظننت أنني منسية”. أب أعزب، لم يتمالك دموعه، قال.. “هذا أكثر من طعام، هذا إحساس بأن هناك من يفكر بنا”.
لم تكن عملية التوزيع مجرد إجراء لوجستي، بل لحظة إنسانية عميقة. موسيقى خفيفة، حوار صادق، لحظات صمت مشتركة، وابتسامات عادت ببطء إلى وجوه أنهكها الانتظار، المتطوعون لم يستعجلوا أحدا، استمعوا، صافحوا الأيادي، ومنحوا وقتا واهتماما، بالنسبة لكثيرين، كانت تلك المرة الأولى منذ أسابيع التي يشعرون فيها بأنهم مرئيون.
ولعب المتطوعون دورا محوريا في إنجاح هذه المبادرة، حيث اختاروا أن يمنحوا من وقتهم وجهدهم في بلد ينظر فيه إلى الوقت كقيمة ثمينة، ويختصر في المقولة الهولندية المعروفة “الوقت هو المال”. متطوعون من جنسيات مختلفة، من بينهم مغاربة وجزائريون وإريتريون، إلى جانب جنسيات أخرى، اجتمعوا بروح تضامنية واحدة، وحرصوا على توفير أجواء يسودها الاحترام والدفء الإنساني، ولم يقتصر دورهم على تنظيم عملية التوزيع، بل شمل أيضا مرافقة المستفيدين بكلمة طيبة وابتسامة صادقة، في لحظات عبر فيها العديد منهم عن امتنانهم وتأثرهم، مؤكدين أن هذا العطاء كان بالنسبة للمتطوعين قبل المستفيدين تجربة إنسانية عميقة.
كما تولي جمعية الصداقة اهتماما خاصا بكبار السن الأكثر عرضة للهشاشة، أولئك الذين يعيشون في عزلة اجتماعية ويعانون مشاكل صحية، وغالبا ما يخجلون من طلب المساعدة. بالنسبة لهم، لا تعني “قفة” عيد الميلاد الطعام فقط، بل تعني الزيارة، والدفء، والتقدير الإنساني، لذلك تقوم الجمعية بزيارات منزلية منتظمة، ترصد الاحتياجات وتتحرك غالبا قبل أي تدخل رسمي، بموارد محدودة ولكن بروح تضامنية كبيرة.
وفي تصريح عن هذه المبادرة، عبرت جمعية الصداقة بلسان رئيسها أحمد المسري، عن امتنانها العميق لكل المتبرعين والمتطوعين والشركاء، وعلى رأسهم بلدية أمستردام، والمنظمات الإنسانية، والصليب الأحمر، إضافة إلى سكان الحي والشركات المحلية، الذين أثبتوا أن التضامن فعل يومي وليس شعارا عابرا.
ورغم نجاح هذا الحدث، إلا أن الفقر لم ينته بانتهاء الاحتفالات، فبعد أن تُطفأ الأضواء وتعود الحياة إلى روتينها المعتاد، يبقى كثيرون في مواجهة شتاء طويل وقاس. ولهذا تواصل جمعية الصداقة عملها، كل يوم، على مدار السنة، بقرب إنساني وإصرار هادئ.






0 تعليقات الزوار