لماذا يلتزم المغربي الصمت أمام شرارة عنف المشعوذين؟

5
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

ألاحظ على الدوام المغربي من مختلف المستويات الاجتماعية والثقافية بما في ذلك المهندس والدكتور والأستاذ الجامعي، يقص تجارب خرافية  عن السحر والجن والعفاريت والشياطين والزوايا والأضرحة والسادات وبركة “الشُّرْفا” و”المجاذيب ” والرقية الشرعية” والصرع والمنازل “المْسْكونة بْجنونْ” و “العين” و “تْخْطّا شِي حاجة” و “التّْوْكالْ” و “الفْقْيا” و “الكْتابة” و “الحْرْزْ” و “الشّْوّافة” و “الفالْ”، ويؤكد من خلالها صحتها وحقيقتها وعجز العلم أمامها ويزيدها ظلمات حين يستعين بالجملة “جّوكيرْ”: “راها مذكورة في القرآن”. بطبيعة الحال معه كامل الحق أن يقول أن العِلم يعجز أمام هذه الخرافات، لأن العلم يستند في نتائجه إلى التجارب العلمية  وبطبيعة الحال كل هذه الخرافات ليست بعِلم كما أنها ليست بـدين.

لكن عندما تطرح عليه رأيك بفكر عقلاني ومنطقي و منهاج نقدي حداثي، ترى محاورك المغربي يتهمك بالإلحاد وبرغبتك في تدمير الإسلام وبطبيعة الحال هذا الرد العنيف ينبثق من مخزون المعارف بدون منطق علمي وحداثي.

كيف لمجتمعنا أن يتقدم إذا كان حتى المثقفون يؤمنون بهذه الخرافات ويصغون  برامج التعليم والإصلاح والاقتصاد والصحة بأذهان تغزوها المعتقدات الخرافية؟ فكيف لهم أن يحاربوا الجهل والجهلاء والمشعوذين وخرافات “بركة الزوايا” و”السّاداتْ” وهم يؤمنون بخرافاتهم؟ في مهنتي أرى يوميا الدمار الإنساني والمجازر النفسانية الناتجة عن كلام وأعمال “الْفْقي” و “الراقي” والمعالج بالأعشاب والعسل والنحل والحجامة و”الكْوْيانْ” وأتأسف بمرارة على وطني وانتشار هذه الشعوذات والخرافات وعلى الخصوص حين ينغمس فيها مثقفون وخريجون من المدارس العليا والجامعات.

هناك أربعة أسباب رئيسية لانتشار الخرافات والنفور من الفكر الحداثي:

1- دماغ المغربي لا زال  حبيساً في مرحلة “الفكر الخيالي”

نعرف أن الطفل في نموه يمر بـ مرحلة “الفكر الخيالي” و هي مرحلة يسلم فيها الطفل بكل شيء يُقال له مثل “الغول” و “عيشة قنديشة” . وتنتهي هذه المرحلة تدريجيا مع دخوله إلى مرحلة التمدرس حيث أن المدرسة ترافقه في التمييز بين ما هو خيالي وما هو حقيقي وهذا ما يساعده على نضوج فكره. وبما أن هذه الأساليب التعليمية تغيب عن مدارسنا، يستمر الطفل حبيساً في مرحلة الفكر الخيالي لترافقه بألوانها المختلفة طيلة حياته مهما كان مستواه الدراسي والثقافي.

2- غياب الفكر النقدي

التربية المغربية تحارب الفكر النقدي باعتباره “قْلّْتْ الأدب وْ الدّْسارَة والابتعاد من طريق الله” وتجعل الطفل كإناء يستقبل كل ما نفرغه بداخله بدون أي حق له في النقد والتساؤل. ولهذا نراه يستقبل كل الخرافات وخاصة التي لها لون ديني لأن الدّين لا يُنتقد كما علمته المدرسة والمجتمع.

3- التربية الدينية الخاطئة

مع الأسف أرى  أن الذين يعتبرون أنفسهم رجال الدّين يُركزون في دروسهم الدينية على القصص التي تغلب عليها الخرافات وجل كلامهم عن ما يحدث في جهنم وعذاب القبر. وأثناء هذه الدروس يستمر المغربي في تقوية فكره الخيالي حيث يصنع في دماغه صوراً خيالية مطابقة لمحتوى القصص الخرافية. ولهذا يؤمن المغربي بكل سهولة بخرافات المشعوذين لأن خياله قادر على صناعة سيناريوهات لخرافاتهم الهوليودية. وبهذا الشكل لا تُركز التربية الدينية  على حرية الفرد في عقيدته وعلى قيم المواطنة والحس بالانتماء للمجتمع وعلى الفكر النقدي وعلى البحث الفردي على الحقيقة وعلى المسؤولية والمساهمة في ترقية المجتمع الإنساني وتعزيز التعايش المشترك.

4- المارْكيتينك أو التسويق الديني

يستعمل المشعوذون أساليب تجارية متطورة لتسويق منتجاتهم السامة وذلك عبر أدوات سلوكهم ولباسهم وكلامهم التي يستلهم من قصص دينية ومن نماذج نمطية رُسخت عند المغربي منذ صغره مثل “رأيت في المنام ولِيّاٍ صالحا كله نور وكلامه كله قرآني ولباسه أبيض وله لحية طويلة….”. و نجد انطلقاً من هذه الصورة المنامية أن الراقي أو حارس ضريح أو المشرف على أحد الزوايا أو حتى بائع الأعشاب العلاجية و “الكاسْكْروطاتْ” أو “فْقْيهْ”، نلاحظ أنه يرتدي الأبيض وله لحية طويلة ويتحدث بكلام ديني، يُذكرنا مباشرة بالقصص التي رُسخت في أذهاننا عن الأولياء الصالحين، ونجد أنفسنا نثق فيهم ونعتبرهم لا شعورياً أنهم كذلك أولياء صالحين ونصدق خرافاتهم التي ترتدي قناعا دينيا خادعاً.

إن التعليم والتربية بدون وعي حداثي وفكر نقدي ما هو إلا ضياع للوقت وخراب وتدمير للمجتمع كأنها برامج علاجية موازية تنشر الأمراض بدل معالجتها.

الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

 

 

ما رأيك؟
المجموع 3 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في أراء

5 تعليقات

  1. نبيل

    في 18:36

    للاشارة الاخ جواد مبروكي ينتمي للاقلية البهائية بالمغرب فهو ليس بمسلم ولكنه يتبع نبيه المزعوم بهاء الدين و هو دائما ما يكتب اعمدة في جريدة هسبريس و جريدة هبة بريس و بعض الجرائد الاخرى و دائما ما يتكلم على الاسلام و المسلمين بانهم جهلة يتبعون الخرفات و الاوهام و ينتقد بنبرة تنم عن الحقد و البغض اتجاه الاخر المسلم الاخر الذي يختلف معك في الدين اذا اردت ان تعالج قضية ما فلا تمزج ذاتيتك فيها يا أخ مبروكي لانها لا محال ستظهر ان تحلل المجتمع المغربي لا اعرف من اعطاك هذه الصلاحية لكنني في جميع الاحوال قمت بتحليلك هههه

  2. Nabil

    في 19:27

    الناس كاتادا بالسحر والشعودة والتوكال التوكال الدي هو عبارة عن سم قاتل يؤدي بصاحبه الى القبر ومع ذلك لا حسيب ولا رقيب اين العدل اين القضاء من هاد الاجرام الشنيع

  3. الشعوذة المخططة

    في 21:18

    بما ان السلطات لا تلعب دورها لحماية المواطنين من کل هذه الشعوذة المنتشرة علی الصعيد الوطني، من حقنا ان نقول بکل بساطة انها تشجها لالهاء الشعب.
    الشعب اصبح ياءسا ويلجا للمشعوذين

  4. عزيز

    في 06:26

    المقال منطقي وعقلاني ويدعو إلى التحرر من الفكر الخرافي والتصدي لاستغلال تجار الدين والمشعوذين والدجالين ومحاربة التخلف،وليس فيه، أي المقال، ما يمس بالدين الإسلامي وبالتالي فتعليق أحد القراء على أن صاحب المقال بهائي ويحارب الإسلام لا يظهر من خلال المقال ولايدحض ماورد فيه.فكفانا من نظرية المؤامرة ولوم الآخر على عجزنا وتخلفنا وفسح المجال للطفيليات والمشعوذين وأشباه الساسة وأشباه المفكرين من أبناء جلدتنا يعيتون فينا فسادا.

  5. سامي لندن

    في 09:14

    هده الاشياء تتداول في جميع انحاء العالم لكن باساليب اخرى على سبيل جل الدول الاروبيت ثؤمن بهده الاخارف فهناك عديد من دجل مرخس اهم من طرف الحكومت اينما دهبت من اسبانيا حثى شمال اروبا،لكن الفرق بيننا وبينهم ان في دول عالم 3 هناك اقبال كبير فادا دهبت الى باقي مناطق افريقيا اصبح عندهم الامر عادي في ممارست الشعودت وليس المسلمين فقط،فلكل شعب سبب ،فعلى صعيد المغرب فنحن نحتلوا مرثب جد حسن على صعيد العالم ،فالمشكل ليست الحكومت كما يقولون ناس لكن في عقليت البشر ،الحل الوحيد على الدولت ترخيص هؤلاء الدجلت والمشعودين حثى يبقو تحث الرقبت،وكل من يلتجا اليهم عليه تحمل مسؤليته،مثل المسرحيت ديال بركان يحب الحكم عليهم جميعا لان ماضهر في تشجيل كان برضا ثام لتلك الفتات عكس الروايت الثي حكتها ليستفيد الاخرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

كاتب موريتاني يراهن على “المدن القديمة” لاستنهاض فتور العلاقة المغربية الموريتانية

هبة بريس – الرباط توصلت جريدة “هبة بريس” الإلكترونية بمقالة ثقافية، تنهل…