ذ. المهدي الزوات
شكل إعلان المجلس الوزاري المنعقد في 17 أكتوبر 2026 عن إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب للفترة 2027-2031 محطة مهمة في مسار التعاطي مع قضايا الشباب بالمغرب. فقد جاء هذا الإعلان ليؤكد الحاجة إلى تجاوز المقاربات القطاعية المتفرقة، والانتقال نحو سياسة وطنية قادرة على مواكبة الشباب من التعليم والتكوين إلى الشغل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
ولم يكن إدراج هذا البرنامج ضمن أولويات مشروع قانون المالية لسنة 2027 مجرد إعلان عن مبادرة حكومية جديدة، بل حمل دلالة سياسية واضحة. ولذلك كان من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى المشروع، باعتباره أول وثيقة يفترض أن تعكس الترجمة المالية لهذا التوجه.
غير أن قراءة الجداول المالية للمشروع تكشف عن مفارقة تستحق التوقف عندها: حضور واضح للشباب في التوجهات المعلنة، يقابله غياب مماثل للبرنامج الوطني المندمج في الهندسة المالية المعروضة.
صحيح أن المشروع يتضمن زيادات في اعتمادات القطاعات المرتبطة بالشباب. فقد ارتفعت ميزانية قطاع الشباب والثقافة من 6,09 إلى 7,52 مليار درهم، كما عرفت قطاعات التربية الوطنية والتعليم العالي والصحة والحماية الاجتماعية زيادات متفاوتة، ليصل مجموع اعتمادات هذه القطاعات الأربعة إلى حوالي 174,1 مليار درهم، مقابل 164,9 مليار درهم سنة 2026.
وهي أرقام تعكس مجهودا ماليا لا يمكن إنكاره. غير أن الإشكال يبدأ عندما تقدم هذه الزيادات باعتبارها ترجمة للسياسة المندمجة للشباب. فهذه الاعتمادات مخصصة لقطاعات قائمة، تضطلع بمهام واسعة لا تقتصر على هذه الفئة، كما أن جزءا من تطورها يرتبط بإعادة توزيع الاختصاصات الحكومية، وليس بالضرورة بإحداث برامج جديدة أو تعبئة موارد إضافية.
والأكثر دلالة أن مجموع اعتمادات القطاعات الأربعة ارتفع بنسبة 5,6 في المائة، مقابل ارتفاع الميزانية العامة، وفق نطاق المقارنة المعتمد، بنسبة 8,6 في المائة. أي أن حصة هذه القطاعات تراجعت نسبيا رغم ارتفاع اعتماداتها بالقيمة المطلقة. وهو معطى لا يعني بالضرورة تراجع الإنفاق على الشباب، لكنه يجعل من الصعب اعتبار هذه الزيادات دليلا كافيا على تحول في ترتيب الأولويات المالية.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: أين يظهر البرنامج الوطني المندمج للشباب في مشروع قانون المالية لسنة 2027؟
فإذا كان هذا البرنامج يمثل انتقالا من التدخلات القطاعية إلى سياسة وطنية مندمجة، فمن المفترض أن تكون لهذا الانتقال ترجمة مالية تسمح بتحديد الموارد التي ستعبأ لتنفيذه، والبرامج التي ستساهم فيه، والنتائج المنتظرة منه.
غير أن الجداول المالية المعروضة لا تتيح التعرف على غلاف واضح ومحدد لهذا البرنامج، ولا تسمح بالتمييز بين الاعتمادات المرصودة أصلا للسياسات القطاعية وتلك التي ستعبأ لتنفيذ الالتزام الجديد.
وليس ضروريا أن يتوفر كل برنامج وطني على ميزانية مستقلة، لكن من الضروري أن تكون موارده قابلة للتحديد والتتبع. فالاندماج لا يعني ذوبان المسؤوليات، كما أن توزيع التمويل بين عدة وزارات لا ينبغي أن يؤدي إلى صعوبة معرفة ما تنفقه الدولة فعليا لتحقيق هدف وطني محدد.
والواقع أن هذه الإشكالية تعيد إلى الواجهة أحد الاختلالات التي ظلت تطبع السياسات العمومية الموجهة للشباب، والمتمثل في تعدد المتدخلين وصعوبة تحديد المسؤولية عن النتائج. فإذا كانت الحكومة قد أعلنت الانتقال إلى سياسة مندمجة، فإن هذا التحول ينبغي أن يظهر في طريقة إعداد البرامج وتمويلها وتقييمها، حتى لا يتحول البرنامج الجديد إلى مجرد عنوان جامع لسياسات قائمة.
وتزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى طبيعة البرنامج المعلن، الذي يفترض أن يربط بين التعليم والتكوين والتشغيل والإدماج الاقتصادي. فقد ترتفع ميزانية التعليم دون أن تتحسن فرص الخريجين في سوق الشغل، وقد تتوسع برامج التكوين دون أن تستجيب لحاجيات الاقتصاد. ولذلك فإن قيمة السياسة المندمجة لا تكمن في مجموع ما تنفقه القطاعات، وإنما في قدرتها على توجيه هذا الإنفاق نحو أهداف مشتركة ونتائج مترابطة.
ومن الإنصاف استحضار أن الحكومة الجديدة تولت مسؤوليتها في ظرفية خاصة، وأن إعداد مشروع قانون المالية كان قد قطع مراحل مهمة قبل تشكيلها. غير أن خصوصية الظرفية لا تعفي من ضرورة توضيح الكيفية التي ستترجم بها الأولوية المعلنة للشباب إلى التزامات مالية قابلة للتنفيذ والتقييم، خاصة أن الأمر يتعلق بتوجه جرى الإعلان عنه ضمن الأولويات العامة للمشروع نفسه.
إن النقاش الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتجاوز مسألة الزيادة أو النقصان في الاعتمادات. فهو يتعلق بمدى قدرة الحكومة على جعل الميزانية أداة لتنفيذ الاختيارات العمومية الجديدة، بدل الاكتفاء باستمرار التوزيع التقليدي للموارد بين القطاعات.
لقد كان الإعلان عن البرنامج الوطني المندمج للشباب خطوة مهمة، لكنه يرفع في المقابل مستوى الانتظارات من الحكومة. فلا يكفي أن يكون الشباب أولوية في الخطاب الحكومي، ولا أن ترتفع اعتمادات القطاعات التي تعنى بهم، ما لم يصبح بالإمكان تحديد ما خصص لهم فعليا، وما الذي سيتغير في حياتهم نتيجة لذلك.
وبين وضوح التوجه الذي أعلنه المجلس الوزاري ومحدودية ترجمته المالية الظاهرة في المشروع، تظل الحكومة مطالبة بتقديم الجواب الذي لم توفره الجداول المالية بالوضوح الكافي: كيف ستتحول السياسة الوطنية المندمجة للشباب من التزام معلن إلى برنامج ممول، قابل للتنفيذ والتقييم؟
محام وفاعل سياسي






0 تعليقات الزوار