د. جميل عبد الكريم
قبل خمس سنوات، كتبت رسالة مفتوحة إلى وزير التجهيز والنقل آنذاك، السيد محمد عمارة، حول موضوع قد يبدو لبعض الناس تافهاً: لوحات ترقيم السيارات المغربية.
لم يكن الأمر بالنسبة إليّ تافهاً.
فحين كانت بعض المصالح في وزارة الداخلية تضع الحرف اللاتيني J مكان الحرف العربي «ج»، أو تستعمل W وV وغيرها، كنت أتساءل: كيف يمكن أن يُمحى من حضارة دولة مستقلة رمزٌ وطنيٌّ بقرار من بعض المسؤولين؟
وذكّرت الوزير آنذاك بأن المغرب دولة مستقلة منذ سنة 1956، وأن رموز الدولة ووثائقها ليست مجالاً للتصرف الفردي أو للتساهل الإداري.
وكنت أقول إن القضية ليست قضية حرف، إنها قضية سيادة.
واليوم، وبعد القرار الجديد المتعلق بلوحات تسجيل المركبات، يبدو أن السؤال الذي طرحته آنذاك عاد، ولكن بصورة أخطر.
فما كان بالأمس تجاوزاً فردياً يقوم به بعض المسؤولين، أصبح اليوم جزءاً من نموذج تنظيمي رسمي.
لقد صدر القرار رقم 640.26 بتغيير وتتميم القرار المنظم لتسجيل المركبات، ونُشر في الجريدة الرسمية، ونص على إدخال الحروف اللاتينية إلى أرقام لوحات التسجيل في السلسلة العادية، مع اعتماد نموذج موحد للاستعمال داخل المغرب وخارجه.
وهنا أجد نفسي مضطراً إلى إعادة السؤال:
من يملك حق تغيير وجه الرمز الرسمي للدولة المغربية؟
أولاً: لا أحد ضد المغرب المنفتح
حتى لا يزايد علينا أحد، نحن لسنا ضد العالم، ولسنا ضد أوروبا، ولسنا ضد اللغات الأجنبية، ولسنا ضد استعمال الحروف اللاتينية عندما تفرضها الضرورة التقنية أو قواعد السير الدولي.
بل إن «نارسا» نفسها كانت قد أعلنت سنة 2025 عن توجه المغرب إلى اعتماد الحروف اللاتينية ورمز MA، بما يضمن ملاءمة لوحات المركبات مع متطلبات السير الدولي.
ولا مشكلة في ذلك.
فالسيارة المغربية، عندما تدخل فرنسا أو إسبانيا أو بلجيكا، تحتاج إلى أن تكون قابلة للتعرف عليها وفق القواعد المعمول بها دولياً. هذا أمر مفهوم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الحاجة الدولية إلى مبرر لإعادة صياغة اللوحة الوطنية داخل المغرب.
وهنا لا بد من طرح السؤال:
هل كانت اتفاقيات السير الدولي تفرض على المغرب أن يجعل النموذج الدولي هو النموذج الوطني؟
إذا كان الجواب نعم، فأين النص؟
وإذا كان الجواب لا، فلماذا اتخذنا هذا الخيار؟
ثانياً: اتفاقية دولية أم اختيار إداري؟
هذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط التبريرات التقنية.
عندما تقول الإدارة إن الحروف اللاتينية ضرورية للسير الدولي، فإننا نتفهم ذلك.
لكن عندما تقول إن الحل هو توحيد اللوحة المغربية داخل الوطن وخارجه، فنحن أمام قرار آخر.
فالقرار الجديد، كما أعلنته «نارسا»، يهدف إلى توحيد الصفائح المستعملة داخل المغرب وخارجه، وتجاوز الإكراهات الناتجة عن عدم تطابق اللوحات المخصصة للسير الدولي مع اللوحات المعمول بها في إطار التراب الوطني.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
لماذا كان الحل هو تغيير النموذج الوطني، بدل إبقاء النموذج الوطني كما هو وتوفير النموذج الدولي عند الحاجة؟
هذا سؤال مشروع، وليس سؤالاً إيديولوجياً.
إنه سؤال في اختيار السياسة العمومية.
ثالثاً: الإدارة ليست مجرد آلة تقنية
هنا أصل إلى جوهر المسألة.
الإدارة، عندما تصدر بطاقة وطنية، أو جواز سفر، أو وثيقة رسمية، أو لوحة تسجيل، فإنها لا تصدر مجرد قطعة تقنية، بل تمارس سلطة الدولة.
ولهذا فإن الشكل واللغة والرموز التي تظهر على هذه الوثائق ليست أموراً بلا معنى.
الدستور المغربي ينص في الفصل الخامس على أن العربية لغة رسمية للدولة، والأمازيغية أيضاً لغة رسمية للدولة. كما صدر القانون التنظيمي رقم 26.16 لتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجالات الحياة العامة ذات الأولوية.
إذن، نحن أمام دولة لها لغتان رسميتان.
ولا يعني ذلك أن اللغات الأجنبية ممنوعة. أبداً.
لكنه يعني أن الأصل، عندما يتعلق الأمر برمز رسمي وطني، هو أن يكون هناك أساس وطني واضح، لا أن يصبح الرمز الأجنبي هو المعيار الافتراضي.
رابعاً: وماذا عن الأمازيغية؟
وقد يقول قائل:
«لكن المغرب ليس عربياً فقط، وإنما هو أمازيغي أيضاً».
وأقول: صحيح، والدستور حسم هذه المسألة.
الأمازيغية لغة رسمية، وهي رصيد مشترك لجميع المغاربة.
لكن هل الحل في الانتقال من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني؟
قطعاً لا.
إذا كان هناك نقاش حول إدماج الأمازيغية في رموز الدولة وفضائها العمومي، فذلك نقاش دستوري وثقافي حقيقي يستحق أن يُفتح.
أما أن تتحول الثنائية اللغوية الرسمية إلى مبرر تلقائي لإدخال الحروف اللاتينية، فهذا خلط بين قضيتين مختلفتين.
الحرف اللاتيني ليس هو الأمازيغية.
والأمازيغية ليست مشروعاً لإلغاء العربية.
والعربية ليست عدواً للأمازيغية.
كلتاهما، بحسب الدستور، لغتان رسميتان للدولة.
خامساً: من «المغرب» إلى «MA»
في رسالتي السابقة إلى وزير التجهيز والنقل، ذكرت قراراً اتُّخذ في حكومة أحمد عصمان سنة 1977، يتعلق بالتخلي عن حرف M اللاتيني الأحمر في بعض لوحات سيارات الدولة، وتعويضه بلفظ «المغرب» بالحرف العربي.
وكان السؤال الذي تحمله الرسالة آنذاك بسيطاً:
لماذا نتراجع عن رمز وطني سبق أن اختارته الدولة؟
واليوم أصبح السؤال أكثر إلحاحاً.
فبعد أن خرج الاستعمار من المغرب، وبعد أن أصبحت لنا دولة مستقلة ومؤسسات وطنية، وبعد أن أكدت الدساتير المتعاقبة مكانة اللغة الوطنية، هل المطلوب اليوم أن تصبح الرموز الأجنبية أكثر حضوراً في وثائقنا الرسمية؟
هل هذه هي الحداثة؟
هل هذه هي الرقمنة؟
هل هذه هي السلامة الطرقية؟
أم أنها مجرد طريقة أخرى في النظر إلى صورة الدولة؟
سادساً: ما معنى «MA» بالنسبة إلى المواطن المغربي؟
سيقال لنا:
«MA تعني Maroc، وهي مجرد علامة دولية».
صحيح.
لكن إذا كانت مجرد علامة دولية، فلماذا أصبحت جزءاً من النموذج الموحد للوحة التي تستعمل داخل المغرب أيضاً؟
هذا هو السؤال.
فهناك فرق بين أن تقول:
أحتاج إلى رمز دولي عندما أعبر الحدود.
وبين أن تقول:
سأضع الرمز الدولي في لوحة سيارتي داخل بلدي، حتى لو لم أعبر الحدود.
الأولى ضرورة، والثانية اختيار.
وهذا الاختيار من حق المجتمع أن يناقشه.
سابعاً: توضيح «نارسا» لا يلغي الإشكال
وهنا تظهر نقطة مهمة جداً.
بعد الجدل الذي أثاره القرار، أوضحت «نارسا»، في بلاغ بتاريخ [التاريخ غير واضح في النسخة المنسوخة]، أن هناك أجلاً انتقالياً لتغيير اللوحات.
وأكدت أن اللوحات العادية التي لا تحمل الحروف اللاتينية والمخصصة للسير داخل التراب الوطني تبقى صالحة إلى غاية أول عملية لتحويل ملكية المركبة.
أما اللوحات المخصصة للسير الدولي، التي تتضمن الحروف اللاتينية وMA بشكل منفصل، فهي المعنية بالأجل الانتقالي المذكور.
وهذا التوضيح مهم، لكنه يفتح سؤالاً جدياً:
إذا كانت اللوحة الوطنية القديمة لا تزال صالحة قانونياً، فلماذا كان لا بد من تغيير النموذج أصلاً؟
وإذا كان المواطن الذي لا يحتاج إلى السير الدولي يستطيع الاستمرار في استعمال لوحته الوطنية، فلماذا لا يكون النموذج الوطني هو الأصل الدائم، والنموذج الدولي استثناءً لمن يحتاج إليه؟
ثامناً: أخطر شيء هو تحويل الاستثناء إلى قاعدة
هذه هي المسألة التي أخشاها.
فالتغيير في رموز الدول لا يحدث دائماً بقرار سياسي كبير.
أحياناً يبدأ بتغيير صغير: حرف، أو اختصار، أو رمز.
ثم يصبح مألوفاً، ثم يصبح عادياً، ثم يصبح قاعدة.
وبعد ذلك يتساءل الناس: لماذا أصبح موجوداً أصلاً؟
وهكذا يتحول الاستثناء إلى أصل.
وهذه هي الطريقة التي تتغير بها الرموز الوطنية دون أن يشعر الناس.
تاسعاً: لا نريد «مغرباً» نسخة من الخارج
المغرب بلد منفتح. نعم.
لكن الانفتاح لا يعني أن تصبح الدولة نسخة من الآخرين.
اليابان منفتحة على العالم، ولم تتخلَّ عن رموزها.
الصين منفتحة على العالم، ولم تجعل رموزها الوطنية نسخة من رموز الدول الأجنبية.
تركيا منفتحة على العالم، ومع ذلك تحافظ على منظومتها الرمزية الوطنية.
فلماذا يُفترض أن تكون الحداثة المغربية مرتبطة دائماً بتقليد النموذج الأوروبي؟
الحداثة ليست أن نكتب المغرب كما يكتبه الأجنبي.
الحداثة هي أن نكون قادرين على التعامل مع الأجنبي دون أن نفقد القدرة على تعريف أنفسنا.
عاشراً: لا تجعلوا من الاستعمار الماضي حاضراً في الإدارة
لقد خرج الاستعمار من المغرب سنة 1956.
لكن الاستقلال ليس مجرد خروج الموظف الأجنبي والجندي الأجنبي.
الاستقلال يعني أيضاً أن يصبح للمغرب حق إنتاج رموزه ومفاهيمه ونماذجه الوطنية.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين:
التعاون مع الخارج، واستيراد رموزه إلى الداخل باعتبارها النموذج الطبيعي.
الأول انفتاح، أما الثاني فيحتاج إلى تفسير.
وأخيراً، إلى «نارسا»
يا «نارسا»، نحن لا نطلب المستحيل.
ولا نطالبكم بإلغاء MA عندما يكون مطلوباً للسير الدولي.
ولا نطالبكم بمنع الحروف اللاتينية في العلاقات الدولية.
ولا نريد إغلاق المغرب على نفسه.
نريد فقط أن تجيبوا عن أسئلة بسيطة:
ما الضرورة الوطنية التي فرضت تغيير اللوحة الوطنية؟
لماذا لم يبق النموذج الوطني للسير داخل المغرب، والنموذج الدولي للسير خارج المغرب؟
ما هو السند القانوني الدقيق لكل عنصر من عناصر النموذج الجديد؟
هل كان إدخال الحروف اللاتينية خياراً تقنياً محضاً، أم اختياراً في السياسة العمومية؟
ولماذا لم يُفتح نقاش عمومي حول تغيير رمز رسمي يراه ملايين المغاربة كل يوم؟
هذه الأسئلة لا تستحق التخوين، ولا تستحق الاستهزاء، ولا تستحق أن تواجه بتبريرات تقنية جاهزة.
بل تستحق جواباً قانونياً وسياسياً واضحاً.
لأن المسألة في النهاية ليست «MA».
لنكن صريحين.
لو كانت القضية مجرد حرفين لاتينيين، لما كتبت هذا المقال.
المشكلة في المنطق الذي يقف وراء التغيير.
فاليوم نتحدث عن لوحة السيارة، وغداً قد نتحدث عن وثيقة أخرى، وبعد غد عن رمز آخر.
والسؤال دائماً هو:
هل نحن الذين نختار رموزنا، أم أن حاجتنا إلى الخارج هي التي تختارها لنا؟
إن المغرب يستطيع أن يكون منفتحاً على أوروبا والعالم كله، حديثاً ورقمياً ودولياً ومتعاوناً، من دون أن يتخلى عن صورته الوطنية.
نريد مغرباً يستطيع أن يقول للأجنبي:
هذه لوحتي الدولية عندما أعبر حدودك.
ويقول في الوقت نفسه للمغربي:
وهذه لوحتي الوطنية في بلدي.
فإذا كانت الدول تحرص على أن تكون لها رموزها، فلا أفهم لماذا يصبح الدفاع عن الرمز الوطني في المغرب تهمة بالتقوقع.
الانفتاح ليس أن نتخلى عن أنفسنا.
والحداثة ليست أن نكتب المغرب بحروف الآخرين.
والسيادة لا تبدأ فقط من الحدود.
السيادة تبدأ أيضاً من قدرة الدولة على أن تعرف نفسها، وأن تعرّف نفسها، وأن تحافظ على رموزها.
لقد خرج الاستعمار سنة 1956، فلا ينبغي، بعد سبعين سنة من الاستقلال، أن نتصرف وكأن رموزنا الوطنية تحتاج دائماً إلى شهادة من الخارج حتى تصبح عصرية.
من «ج» إلى «J».. ومن «المغرب» إلى «MA»..
القضية ليست حرفاً.
القضية:
من يملك حق تغيير وجه المغرب؟






0 تعليقات الزوار