الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

التجمع الوطني للأحرار بين إكراهات المعارضة وضرورة التصحيح التنظيمي: حين يصبح الوفاء للمسار شجاعة في المراجعة

التجمع الوطني للأحرار بين إكراهات المعارضة وضرورة التصحيح التنظيمي: حين يصبح الوفاء للمسار شجاعة في المراجعة
حجم الخط:

د. جمال العزيز

مع تعيين الحكومة الجديدة، التي نتمنى لها كامل التوفيق في الإضطلاع بمسؤولياتها الوطنية، وفي مواصلة تنزيل التوجهات الإستراتيجية الكبرى للمملكة تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يدخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة، محكومة بتحولات داخلية وتحديات جيوسياسية متسارعة، تفرض على مختلف الفاعلين الإرتقاء بالممارسة السياسية إلى مستوى الرهانات المطروحة، بعيدا عن الحسابات الضيقة ومنطق اصطفافات المصالح الفردية

يجد حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه أمام منعطف يرتبط بمستقبل المشروع الحزبي، وبقدرته على استعادة المبادرة السياسية، وتجديد البنية التنظيمية، وإعادة بناء الثقة مع مناضلاته ومناضليه، ومع المواطنين الذين شكلوا على امتداد سنوات عمق حضوره السياسي والإنتخابي.

ما يستوقفنا اليوم،هو الرغبة في الإقصاء و محاولة للعزل و تحميل طرف واحد مسؤولية اختلالات تتداخل فيها عوامل متعددة ومسؤوليات متراكمة. وكأن المطلوب من حزب التجمع الوطني للأحرار أن يغادر معه جزء من شرعيته السياسية ورصيده المؤسساتي، وأن يتحمل وحده كلفة مرحلة بكامل تعقيداتها.

ارتبطت المرحلة السابقة بأوراش اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية مهمة، وبإصلاحات تستحق التقدير والتقييم الهادئ، كما ارتبطت بإكراهات وتحديات واختلالات لا يمكن القفز عليها. وبين الاعتراف بما تحقق والإقرار بما لم يتحقق، تتحدد قيمة النقد السياسي المسؤول، بعيدا عن منطق التشفي أو المرافعة العمياء.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تجربة التجمع الوطني للأحرار دون استحضار الدور الذي اضطلع به السيد عزيز أخنوش في إعادة بناء الحزب وتعزيز حضوره السياسي والتنظيمي، ثم في تحمل مسؤولية رئاسة الحكومة خلال مرحلة لم تكن سهلة على المستويات الإقتصادية والإجتماعية والجيوسياسية. لقد قدم الرجل الكثير لهذا التنظيم، وأسهم في نقله إلى موقع متقدم في الحياة السياسية الوطنية، وحافظ، في تقديرنا، على التزامه بميثاق الأغلبية الحكومية رغم ما عرفته التجربة من ارتدادات وضغوط داخلية وخارجية.

وليس في هذا الكلام دفاع عن شخص، وإنما شهادة للتاريخ، لأن الإنصاف يقتضي الإعتراف بالمجهود و التمييز بين مسؤولية القيادة السياسية وبين الممارسات التي قد تنشأ في محيطها التنظيمي. وإذا كان من المشروع مساءلة الحصيلة والاختيارات، فمن غير المنصف محو مسار كامل لمجرد تبدل مواقع الفاعلين.

إن جوهر الإشكال الذي نرى أنه يستحق نقاشا شجاعا داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، هو الإشكال التنظيمي الذي ظل، في تقديرنا، أقل حضورا في النقاش الداخلي، رغم تأثيره العميق في علاقة الحزب بقواعده وبمحيطه المجتمعي.

ومن المؤسف أن تبرز داخل بعض التجارب التنظيمية ممارسات يصفها مناضلون بالتعالي والبلوكاج، وضعف الصدق في نقل المعطيات، واحتكار المبادرة، وإقصاء الطاقات التي لا تنسجم مع حسابات بعض المسؤولين المحظوظين ذوي الحضوة . وهي ممارسات، تضعف صورة الحزب وتستنزف رصيده البشري، وتخلق مسافة غير مبررة بين القيادة والقواعد.

إن الحزب يخسر مناضلاته و مناضليه تدريجيا، حين تتراكم الخيبات الصغيرة، وتغلق أبواب المبادرة، ويصبح الإعتراف بالكفاءة خاضعا للمزاجية، ويجد المناضل نفسه مطالبا بالصمت، وبالولاء للأشخاص. وعندما يصل التنظيم إلى هذه المرحلة، فإن الخلل يرتبط بالآليات التي تسمح باستمرار تلك الممارسات وإعادة إنتاجها.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة تنظيمية عميقة، تؤسس لتعاقد حزبي جديد يعيد الإعتبار إلى الديمقراطية الداخلية، ويضع حدا للإلتباس بين سلطة المسؤول التنظيمي وحقوق المناضلين. ولعل الدعوة إلى عقد مجلس وطني استثنائي، أصبحت خيارا جديرا بالنقاش الجاد، من أجل تقييم المرحلة وفتح ورش مراجعة النظام الداخلي، وإعداد ما يلزم من تعديلات تنظيمية وقانونية.

وفي مقدمة ما ينبغي مراجعته، مسألة التنسيقيات المحلية والإقليمية التي أرى أن إعادة بنائها على أساس الإنتخاب الديمقراطي، عوض التوسع في التعيينات الفردية، من شأنها أن تمنح التنظيم شرعية حقيقية مستمدة من قواعده. فالمسؤول المحلي الذي يختاره المناضلون يظل أقرب إلى المساءلة وأكثر ارتباطا بانتظاراتهم من مسؤول يستمد موقعه من قرار فوقي، مهما كانت مبررات ذلك القرار.

كما أن الشبيبة التجمعية تستحق مراجعة جادة لطبيعة حضورها المحلي، عبر تمكينها من تأسيس مكاتب محلية منتخبة، تتمتع باستقلالية تنظيمية واضحة داخل الإطار القانوني للحزب، وبصلاحيات فعلية تسمح لها بالمبادرة والتأطير والمساهمة في صناعة القرار. فلا يعقل أن نرفع شعار تجديد النخب، ثم نترك التمثيليات الشبابية في وضع تنظيمي هش، وكأن وجودها مجرد ورقة صورية تكتب بقلم الرصاص، يمكن تعديلها أو محوها كلما تغيرت الحسابات والولاءات.

إن الشباب يحتاجون إلى الثقة والتكوين والمسؤولية. كما أن المناضلات والمناضلين يحتاجون إلى مؤسسات تحمي كرامتهم التنظيمية، وتنصف اجتهاداتهم، وتفتح أمامهم مسارات واضحة للمشاركة والترقي وتحمل المسؤولية.

ولذلك، فإن الحديث المتزايد عن الحاجة إلى حركة تصحيحية بناءة داخل الحزب ينبغي أن يؤخذ بالجدية اللازمة،لكونه تعبيرا عن ضرورة استعادة التوازن بين القيادة والهياكل والقواعد. والمقصود هنا، بلورة دينامية إصلاحية من داخل المؤسسات، تستند إلى الشرعية التنظيمية، وتضع المصلحة الحزبية فوق الإعتبارات الشخصية، وتربط النقد بالإقتراح والمسؤولية بالنتائج.

إن التصحيح الذي نحتاج إليه، هو تغيير في الثقافة التنظيمية ذاتها. فلا معنى لمراجعة النصوص إذا استمرت نفس الممارسات،و بقيت عقلية الإحتكار والإقصاء، ولا قيمة للحديث عن الديمقراطية الداخلية إذا ظلت المبادرة رهينة رضا هذا أو ذاك.

وفي المقابل، فإن موقع المعارضة يمكن أن يشكل فرصة سياسية ثمينة لإعادة بناء الحزب بعيدا عن ضغط التدبير الحكومي وإكراهاته اليومية. فالمعارضة مسؤولية وطنية تقتضي مراقبة العمل الحكومي وتقديم البدائل، والدفاع عن الإختيارات التي تخدم المصلحة العامة.

ومن غير المقبول أن تتحول المرحلة المقبلة إلى مجرد دفاع مستمر عن حصيلة الماضي، مهما كانت أهميتها. فالأحزاب الحية تجدد قدرتها على فهم التحولات ال الإجتماعية والإقتصادية، وعلى التقاط انتظارات المواطنات والمواطنين.

ولعل استعادة سياسة القرب و الإنصات المستمر، وتأطير المواطنين، والتفاعل مع انشغالاتهم، وتقديم كفاءات تحظى بالمصداقية داخل مجالاتها الترابية. كما أن الثقة تتراكم عبر سلوك يومي يجعل المواطن يشعر بأن الحزب حاضر لخدمته.

إن التجمع الوطني للأحرار اليوم أمام مسؤولية مزدوجة: أن يدافع بموضوعية عن حصيلته دون أن يتنكر لأخطائه، وأن يراجع اختلالاته التنظيمية دون أن يهدم ما راكمه من مكتسبات. وهي معادلة تتحقق بإرادة سياسية صادقة تقبل النقد، وتؤمن بالتجديد، وتعيد الإعتبار إلى المؤسسة الحزبية باعتبارها إطارا جامعا لا ملكية معنوية لأحد.

لقد آن الأوان للقطع مع بعض البدع التنظيمية التي أضعفت روح المبادرة، ومع ثقافة البلوكاج التي لا تنتج إلا الإحباط، ومع كل ممارسة تجعل المناضل يشعر بأنه غريب داخل بيته السياسي. كما آن الأوان لإعادة فتح الأبواب أمام الكفاءات والطاقات التي آمنت بالمشروع، وأسهمت في بنائه، وظلت تنتظر أن تجد داخل مؤسساته ما ينسجم مع خطابه المعلن عن الإستحقاق والديمقراطية والقرب.

وفي تقديرنا، فإن أخطر ما قد يواجه التجمع الوطني للأحرار في هذه المرحلة ،أن يضيع فرصة المراجعة، وأن يختلط لديه الدفاع المشروع عن تاريخه بالدفاع غير المبرر عن اختلالاته.

إن المرحلة تستدعي شجاعة سياسية هادئة، ومراجعة تنظيمية عميقة، ومصالحة حقيقية مع المناضلات والمناضلين، بعيدا عن الشخصنة ومنطق التعالي والهروب.

إن الانتقال إلى المعارضة فرصة بداية نضج سياسي وتنظيمي جديد، شريطة أن نمتلك شجاعة الإعتراف بأن بعض ما أضعفنا كان في طريقة تدبير شؤون الحزب من الداخل.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً