هبة بريس – محمد زريوح
أثار مشهد مؤسف أمام مدرسة “الموحدين” بمدينة الناظور موجة من الاستياء في الأوساط التربوية والاجتماعية، حيث أقدمت مجموعة من التلاميذ على تمزيق كتبهم المدرسية ورميها عشوائياً عند مدخل المؤسسة فور انتهاء السنة الدراسية.
هذا السلوك الذي يتنافى كلياً مع المبادئ التربوية والقيم النبيلة التي تسعى المدرسة المغربية إلى ترسيخها، لا يمثل مجرد تصرف عابر، بل يعكس خللاً في الوعي بحرمة الكتاب كأداة معرفية مقدسة، ويقدم صورة سلبية عن السلوك المدني للناشئة.
إن تحليل هذه الظاهرة يتجاوز حدود التقييم الأكاديمي لمستوى التلاميذ، ليغوص في عمق أزمة القيم وتراجع الإحساس بالمسؤولية تجاه الممتلكات. فإتلاف الكتب لا يرتبط بضعف التحصيل الدراسي فحسب، بل هو انعكاس لغياب التنشئة السليمة التي تقوّم السلوك وتُعزز الاحترام، مما يطرح تساؤلات حقيقية حول فعالية البرامج التربوية في زرع تقدير قيمة المعرفة التي يحملها الكتاب بين دفتيه.
في هذا السياق، تتشعب المسؤولية لتشمل مثلثاً تربوياً متكاملاً؛ فالأسرة تقع على عاتقها الأمانة الأولى في غرس قيم الانضباط والمحافظة على الممتلكات في نفوس أبنائها، بينما تضطلع المدرسة -بإدارتها وأطرها التربوية- بدور مكمل يتجاوز التدريس إلى صقل الشخصية وتنمية السلوك المدني.
ويبرز هنا دور الأستاذ كقائد تربوي ومرجع أخلاقي، يقع عليه عبء التوجيه المستمر لضمان تحول التلميذ من مجرد متلقٍ للمعرفة إلى مواطن واعي ومسؤول.
وعلى الرغم من تحميل التلاميذ أنفسهم المسؤولية المباشرة عن هذا القرار “العبثي”، إلا أن السياق التربوي يفرض النظر إلى هذا الفعل كمسؤولية مشتركة ومتبادلة بين البيت والمدرسة.
فالتنشئة ليست عملية مجتزأة، بل هي مسار تكاملي يتطلب تواصلاً فعالاً بين الآباء والطاقم التربوي، لضمان استمرارية القيم المكتسبة داخل الفصل وخارجه، وحماية المتعلم من الانزلاقات السلوكية التي قد تفرغ العملية التعليمية من جوهرها.
ان مواجهة هذه الظواهر المقلقة لا تتوقف عند حدود التنديد أو اللوم، بل تتطلب مقاربة استباقية تعتمد على تكثيف حملات التوعية، وتعزيز التربية على القيم في المناهج، وتفعيل دور جمعيات آباء وأولياء الأمور في مواكبة سلوك الأبناء.
إن الهدف الأسمى هو أن يدرك التلميذ أن الكتاب ليس مجرد أوراقٍ تنتهي صلاحيتها بانتهاء الموسم، بل هو رمزٌ للعلم وبوابة للمستقبل، وتدميره هو تدمير لجسر المعرفة الذي يُبنى عليه طموحه الشخصي ومستقبل مجتمعه.






0 تعليقات الزوار