طارق عبلا من هولندا
في مساء بدا كأنه يطرز الزمن بخيوط من نور وسرد، احتضنت مدينة أوترخت الهولندية لحظة استثنائية، حيث انبثقت الدورة السادسة للمهرجان الدولي للسينما والهجرة كقصيدة بصرية تتلوها الأرواح قبل العيون، وتكتبها الذاكرة الجماعية بحبر الانتماء ودهشة اللقاء.
لم يكن حفل الافتتاح مجرد بداية زمنية لحدث يمتد ثلاثة أيام، بل كان ولادة رمزية لفضاء تتقاطع فيه الحكايات، وتتصافح فيه الرؤى، وتتماهى فيه المسافات بين الوطن وامتداداته. امتلأت القاعة بنبض الجالية المغربية، حضور لم يكن عدديا بقدر ما كان كثافة وجدانية، كأن كل مقعد يحمل قصة، وكل نظرة تختزن شوقا.
بوقار يليق بالمقام، افتتح اللقاء القنصل العام للمملكة المغربية عمر الخياري، بكلمة انسيابية جمعت بين رصانة الدبلوماسية ودفء الانتماء، مؤكدا أن السينما ليست مجرد شاشة مضيئة، بل مرآة تنبض بقلق الإنسان، وجسر خفي يختصر المسافات بين الثقافات.
ثم جاء دور بنيونس بحكاني، “مدير المهرجان” الذي لم يتحدث كمن يدير حدثا، بل كمن يستحضر ذاكرة كاملة من التراكمات والرهانات. استعاد بحس وفائي الدورات السابقة، حيث مرت على خشبة هذا المهرجان أسماء وازنة، نجوم تقاسموا ذات الشغف، وجلسوا يوما حيث يجلس ضيوف هذه الدورة، صانعين لحظات لا تنسى. لم يخف إحساسه بالحنين إلى وجوه غابت عن هذه الدورة، لكنها ظلت حاضرة في الوجدان، كأنها تواصل مشاركتها من ضفة أخرى، مؤكدا أن الغياب في مثل هذه الفضاءات لا يعني الانطفاء، بل تحول إلى أثر دائم.
وفي التفاتة صادقة، أشار إلى رفاق الدرب الذين جاوروه على المنصة في محطات سابقة، أولئك الذين ساهموا في ترسيخ هذا الموعد الثقافي، وجعلوا منه تقليدا سنويا ينتظر بشغف. تحدث عن المهرجان ككائن حي، ينمو بالدعم، ويقوى بالثقة، ويزدهر بتكاثف الجهود.
ولم يغفل بحكاني الحديث عن الجانب الذي غالبا ما يظل في الظل، إذ نوه بأهمية الدعم المادي ودور المستشهرين، معتبرا أن أي فعل ثقافي، مهما سمت رؤيته، يحتاج إلى أرضية صلبة تسنده. أقر بأن الرقي بهذا الحدث لم يكن ليتحقق لولا انخراط شركاء آمنوا بالفكرة قبل أن تكتمل صورتها، ودعموا المسار قبل أن تتضح ملامحه. كان حديثه أشبه باعتراف ضمني بأن الثقافة لا تبنى فقط بالإلهام، بل أيضا بالإمكان.
وفي سياق امتد فيه وهج الكلمات ليطال تفاصيل المشهد الثقافي والدعائي للمهرجان، برز اسم نور سعيد بلقاسمي بوصفه أحد الوجوه التي قاربت الحدث بروح تجمع بين الجدية وخفة الظل. فقد أشار في مداخلته إلى الدور الذي يضطلع به المدير القائم على تنظيم هذه التظاهرة، ليس فقط في تدبير تفاصيل المهرجان، بل أيضا في انخراطه الفعلي تجاه قضايا الجالية هنا في المهجر، ودعمه المستمر للمبادرات التي تعزز حضورها الثقافي والاجتماعي والرياضي. ولم يخف بلقاسمي، بنبرة مازحة، انحياز المدير وعشقه لنادي نهضة بركان، معتبرا أن هذا العشق الكروي ينعكس بطرافة على حماسه في دعم الفرق الرياضية وتشجيعها داخل فضاء الجالية، في مزج لطيف بين التدبير المؤساسي وحرارة الانتماء الرياضي.
كما شهدت الجلسة التقديمية تأكيدا على طبيعة الأفلام المشاركة وآلية التحكيم، حيث تم الإعلان عن حضور لجنة تحكيم مهنية تتولى تقييم الأعمال السينمائية المعروضة، شريطة ألا تتجاوز مدة إنتاجها ثلاث سنوات، بما يضمن انخراطا في نبض السينما الحديثة وتجدد لغتها البصرية. وستعلن النتائج في الحفل الختامي، المقرر تنظيمه مساء يوم الأحد، حيث توزع الجوائز الكبرى التي تشمل جائزة الهجرة، وجائزة الإخراج، وجائزة السيناريو، إلى جانب جائزة لجنة التحكيم، في لحظة تتوج ثلاثة أيام من التلاقي السينمائي والإنساني، وتعيد رسم ملامح الحلم المشترك بين الصورة والإنسان.
ومع تقديمه للضيوف وصعودهم إلى الخشبة، تحول اللقاء إلى فسيفساء من الأصوات، حيث تقاطعت الرؤى وتباينت المقاربات، لكنها اجتمعت عند جوهر واحد: أن السينما لغة، تتجاوز الحدود.
تقدم أحمد بولان، متكئا على تجربة ثرية، ليتحدث عن السينما كفعل جمالي مقاوم، وعن المهرجان كنافذة تعيد وصل الفنان بجمهوره في فضاءات غير مألوفة. رأى في هولندا مجالا رحبا للتلاقي، وفي الجالية المغربية ذاكرة تستحق أن تروى بصيغ جديدة.
أما عادل الفاضلي، فقد انحاز إلى البعد الإنساني، معتبرا أن الهجرة ليست موضوعا سينمائيا فحسب، بل تجربة تعيد تشكيل الوعي، وتصوغ الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.
وبلغة بصرية مغايرة، قارب أكسيل فوزي ريفمان المهرجان كمنصة عبور، حيث تتجاور الهويات دون صدام، وتعاد صياغة الانتماء خارج القوالب الجاهزة.
فيما منحت خلود البطيوي اللحظة دفئها الإنساني، متحدثة عن لقاء الجمهور كإمتداد لروح العمل الفني، وعن مغاربة هولندا كجمهور يتفاعل بعمق ناعٍ من تجربة العيش بين ضفتين.
واختتمت مليكة الزايري هذه اللوحة برؤية تأملية، معتبرة أن مثل هذه اللقاءات تعيد تعريف مفاهيم الهوية، وتفتح أفقا جديدا
للسرد السينمائي.
وفي خضم هذا المشهد المتدفق، كان لـمحمد ديبة المشهور بين مغاربة هولندا حضور بنكهة مختلفة، حضور يفيض بعفوية القرب وصدق الانتماء، حتى بدا اسمه ينطق في القاعة كما لو كان لازمة وجدانية ترددها القلوب قبل الألسن “ديبة”، بما يحمله اللفظ من حمولة الألفة والتقدير.
وفي مشهد الختام، كان الموعد مع لحظة مختلفة في روحها ودلالاتها، إذ لم يكن الحفل مجرد إسدال للستار، بل كان احتفاء من نوع آخر، عنوانه الوفاء والاعتراف بالجميل. فقد بادرت إدارة المهرجان إلى تكريم الممثلة خلود البطيوي، في التفاتة إنسانية تعبر عن تقدير مسارها الفني وإسهامها في إثراء المشهد السينمائي.
لحظة امتزج فيها التصفيق بالامتنان، وتحول فيها المسرح إلى فضاء للعرفان، حيث بدا التكريم وكأنه تتويج لمسار من العطاء، ورسالة بأن الفن الحقيقي لا يمر دون أن يحتفى به، ولا ينسى أثره حين يترك بصمته في الذاكرة والوجدان.






0 تعليقات الزوار