هبة بريس – محمد العشوري
ناقش مشاركون في لقاء نظمته اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الشرق، يوم الخميس 12 مارس الجاري، بوجدة، موضوع “العدالة المنصفة: مسارات في أفق تمكين ولوج النساء والفتيات للعدالة”، وذلك في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة وفتح نقاش موسع حول سبل تعزيز ولوج النساء والفتيات إلى العدالة على نحو منصف وفعال.
وأكدوا خلال هذا اللقاء أن تحقيق العدالة المنصفة لفائدة النساء والفتيات يظل رهينا بتظافر الجهود المؤسساتية والمدنية من أجل تفكيك مختلف العوائق القانونية والمؤسساتية والاجتماعية التي ما تزال تحد من ولوج النساء إلى العدالة والاستفادة الكاملة من الضمانات التي يكفلها القانون.
واعتبر المتدخلون في هذا اللقاء أن مناقشة موضوع العدالة المنصفة يندرج في سياق دينامية وطنية يقودها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تروم تقوية الترافع المؤسساتي واقتراح توصيات وإصلاحات عملية من شأنها تعزيز ضمانات العدالة لفائدة النساء والفتيات عبر تنظيم لقاء وطني ولقاءات جهوية بمختلف جهات المملكة.
ويأتي هذا النقاش في ظل معطيات دولية تشير إلى استمرار الفجوة بين الرجال والنساء في الولوج إلى العدالة، إذ تفيد بيانات الأمم المتحدة بأن النساء يتمتعن فقط بنسبة 64 في المائة من الحقوق القانونية على الصعيد العالمي، بما يشمل مجالات العمل والموارد المالية والسلامة والأسرة والملكية وحرية التنقل وممارسة الأعمال.
كما يندرج هذا اللقاء في إطار الاهتمام الذي يوليه المجلس الوطني لحقوق الإنسان لمسألة ولوج النساء والفتيات إلى العدالة، حيث دأب منذ سنة 2019 على التأكيد في تقاريره السنوية والموضوعاتية، وكذا من خلال تتبع السياسات العمومية ورصده الميداني، على ضرورة اعتماد مقاربة شمولية تعزز هذا الولوج وتضمن فعاليته.
وأكد رئيس اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الشرق، محمد العمرتي، أن تخليد اليوم العالمي للمرأة يشكل مناسبة متجددة للتفكير في سبل تعزيز حقوق النساء، مبرزا أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتباره مؤسسة دستورية تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان والنهوض بها، يحرص سنويا على تخليد هذه المناسبة من خلال تنظيم لقاءات وطنية وجهوية.
وأضاف أن اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان بجهة الشرق انخرطت بدورها في هذه الدينامية من خلال تنظيم هذا اللقاء، الذي يروم فتح نقاش موسع حول ولوج النساء والفتيات إلى العدالة، بمشاركة ممثلين عن المجتمع المدني وفاعلين جمعويين إلى جانب ممثلين عن قطاع العدالة.
وأشار الأستاذ العمرتي إلى أن هذه العوائق لا تقتصر على الجوانب القانونية أو الإجرائية فحسب، بل تمتد أيضا إلى أبعاد اجتماعية وثقافية تكرس التمييز وتعيد إنتاج إقصاء النساء والفتيات، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى عزوف العديد منهن عن التبليغ عن حالات العنف أو مختلف الانتهاكات التي قد يتعرضن لها.
وبدوره استعرض نائب رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة، علي أحنين، في مداخلته الموسومة بـ”المساطر القضائية بين محدودية إنصاف النساء وسبل تجاوز عوائق الولوج إلى العدالة”، عبر مقاربة جمعت بين التحليل الأكاديمي الرصين والتجربة الميدانية اليومية، جملة من الإشكالات المرتبطة بمدى قدرة المساطر القضائية على ضمان إنصاف فعلي للنساء، مبرزا أن النقاش حول الولوج إلى العدالة لا ينفصل عن فهم السياقين القانوني والاجتماعي اللذين تتحرك داخلهما النساء المتقاضيات.
وأوضح السيد أحنين، الذي يشغل منصب أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة، أن الممارسة القضائية تكشف في كثير من الأحيان عن صعوبات واقعية تواجهها النساء خلال مسار التقاضي، سواء على مستوى المساطر أو من حيث الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية التي قد تعيق وصولهن إلى حقوقهن.
كما أكد أن تجاوز هذه العوائق يمر عبر تطوير آليات المواكبة القانونية وتعزيز الوعي بالحقوق، إلى جانب تبسيط المساطر وتكريس مقاربات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي داخل منظومة العدالة، بما يضمن تحقيق عدالة منصفة وفعالة لفائدة النساء، مشيرا إلى أهمية اعتماد القضاة لما يمكن تسميته ب”الذكاء العاطفي القضائي”، عبر فهم السياق الإنساني للقضايا المعروضة عليهم دون الخروج عن الحياد القضائي.
من جهتها، أوضحت المحامية والبرلمانية عن جهة الشرق وعضوة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، حورية ديدي، أن مشاركتها في هذا اللقاء تندرج في إطار مداخلة تناولت موضوع الإطار التشريعي الوطني بين المكتسبات المحققة واستمرار فجوة المساواة الفعلية في الواقع العملي.
وأضافت أن المغرب راكم خلال السنوات الأخيرة مجموعة من التشريعات التي تعزز حقوق النساء، إلى جانب مصادقته على عدد من الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، وهو ما يعكس التزام المملكة بتكريس مبدأ المساواة وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية للمرأة.
كما أكدت أن هذه المكتسبات، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى مستوى تحقيق المساواة الفعلية المنشودة، مشددة على ضرورة تعزيز حضور النساء داخل مراكز القرار ومواصلة تطوير السياسات العمومية بما يراعي أثرها على النساء، وذلك في أفق تحقيق تنمية شاملة تكون فيها المرأة في صلب العملية التنموية ومحورا أساسيا في بناء مجتمع متوازن.
ومن جانبها اعتبرت يامنة فاطمي، أستاذة التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة وفاعلة جمعوية في مجال الوساطة الأسرية، أن تحقيق العدالة المنصفة يظل رهينا بتجاوز مجموعة من العوائق البنيوية والاجتماعية والثقافية التي ما تزال تؤثر في ولوج عدد من الفئات، لاسيما النساء، إلى حقوقهن كاملة، وأوضحت أن هذه العوائق تتجلى في استمرار بعض التمثلات الاجتماعية والثقافية التي تحد من وعي النساء بحقوقهن، إلى جانب إكراهات مرتبطة بالهشاشة الاقتصادية وضعف الولوج إلى المعلومة القانونية والخدمات المواكِبة.
وأبرزت المتدخلة أن تعزيز مسار العدالة المنصفة يقتضي العمل على تطوير آليات التمكين القانوني والاجتماعي، عبر تقوية خدمات الاستشارة والمواكبة القانونية، وتكثيف برامج التحسيس والتوعية بالحقوق، فضلا عن دعم آليات الوساطة الأسرية باعتبارها مدخلا فعالا لتدبير النزاعات بشكل توافقي يحفظ كرامة الأطراف ويضمن استقرار الأسرة.
كما شددت على أهمية تضافر جهود مختلف الفاعلين المؤسساتيين والمدنيين من أجل ترسيخ ثقافة المساواة والإنصاف داخل المجتمع، والعمل على ملاءمة السياسات العمومية مع مقاربة النوع، بما يضمن تعزيز ولوج النساء إلى العدالة وتحقيق حماية قانونية واجتماعية أكثر فعالية.






0 تعليقات الزوار