هبة بريس – ياسين الضميري
بعد مواجهة الماضي والتأمل في كل سنوات الزنزانة، بدأت لحظة التوتر الحقيقي تقترب، لم يعد الأمر مجرد فكرة عن الحرية، بل واقع محتمل يقترب بسرعة، شعور يجعل قلبي يخفق بطريقة لم أشعر بها منذ سنوات طويلة.
عشرون سنة من الروتين، القيود، الصبر، والتحمل تجعل أي فكرة عن الخروج مزيجا معقدا من الحماس والخوف، الأمل والقلق، الحنين والمجهول.
في البداية، كان الخوف هو الشعور المسيطر، كيف سأتعامل مع المجتمع بعد كل هذه السنوات؟ كيف سأعيش خارج الزنزانة بعد أن اعتدت على كل التفاصيل الصغيرة في حياتي اليومية هنا؟ شعرت أن العالم قد تغير بالكامل منذ آخر مرة كنت فيه خارجه، وأن كل شيء، من الشوارع إلى الناس إلى التكنولوجيا، أصبح غريبا بالنسبة لي، هذه الفكرة جعلت كل خطوة نحو الحرية تبدو أكبر من قدرتي على المواجهة.
لكن مع الخوف كان هناك شعور بالحماس، شعور بأن الحرية، مهما كانت صعبة، هي فرصة لإعادة اكتشاف الحياة، لإصلاح ما يمكن إصلاحه، لاستعادة ما يمكن استعادته من الروابط الاجتماعية والعائلية.
شعرت لأول مرة منذ سنوات طويلة أن هناك مستقبلا ينتظرني، وأن بإمكاني استخدام كل القوة الداخلية والتجربة التي بنيتها في الزنزانة لأبدأ صفحة جديدة، صفحة لم أعرف شكلها بعد، لكنها تحمل الأمل والإمكانات.
التوتر كان يظهر في كل تفاصيل حياتي اليومية، حتى اللحظات البسيطة، مثل ترتيب الزنزانة أو المشي في الممرات، كانت مشحونة بشعور الترقب، كل صوت، كل حركة، كانت تذكرني بأن العالم سيستقبلني قريبا، وأن الحياة التي كنت أحلم بها ستصبح واقعا ملموسا، شعرت لأول مرة أن الحرية ليست مجرد خطوة جسدية، بل اختبار نفسي كامل لكل ما تعلمته خلال سنوات الصبر والتحمل.
بدأت أتعامل مع التوتر بالتحضير النفسي المستمر، جلست ساعات أفكر في كل السيناريوهات الممكنة: كيف سأواجه الناس؟ كيف سأتعامل مع ابنتاي التي لم أرهما منذ صغرهما؟ ماذا عن الأسرة؟ عن الأصدقاء القدامى؟ كل سؤال كان يخلق شعورا بالقلق، لكن في الوقت نفسه كان يدفعني للتحضير، للتركيز، للتأكد من أنني لن أترك أي شيء دون استعداد، شعرت أن التخطيط النفسي أصبح أداة للبقاء متوازنا رغم الخوف.
مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ أن التوتر يمكن تحويله إلى قوة، كل مرة شعرت فيها بالخوف أو القلق، كنت أسترجع القوة الداخلية التي بنيتها خلال سنوات الزنزانة، كل تجربة صعبة، كل صراع، كل لحظة صبر وتحمل، شعور بأنني اكتسبت القدرة على مواجهة أي تحد جديد.
شعرت لأول مرة أن التوتر، بدل أن يكون عائقا، يمكن أن يكون دافعا للتحضير والتركيز والانتباه لكل التفاصيل الصغيرة التي ستجعل أول خطواتي خارج الزنزانة أكثر نجاحا.
التحضير لم يكن فقط نفسيا، بل كان عاطفيا أيضا، كنت أفكر في مشاعري تجاه الحرية، في المشاعر التي سأواجهها عند رؤية الناس الذين أحببتهم، في الحنين لكل ما فقدته خلال السنوات الطويلة.
شعرت أن هذه المرحلة هي فرصة لفهم مشاعري بشكل أعمق، للتصالح مع الحزن القديم، وللتأكد من أن أي خطوة خارج الزنزانة ستبدأ بوعي كامل وإدراك لكل العواطف الداخلية.
كما أن التواصل مع بعض الزملاء ساعدني على تقليل التوتر، الحديث معهم عن ما سيأتي، مشاركة المخاوف، وحتى الاستماع لخبراتهم وتجاربهم السابقة، كل ذلك أعطاني شعورا بالدعم الداخلي، شعرت أن التوازن النفسي لا يأتي من العزلة، بل من القدرة على مشاركة المخاوف والتحضير الجماعي، شعور بأن وجود آخرين يمرون بنفس التجربة يجعلها أكثر احتمالا.
مع اقتراب موعد الخروج الفعلي، شعرت لأول مرة أن التوتر أصبح أكثر قابلية للتحكم، لم يعد مجرد خوف غامض، بل شعور يمكن التعامل معه، تحويله إلى تركيز، إلى استعداد، إلى وعي كامل، شعرت أنني مستعد لمواجهة العالم الخارجي، رغم كل الخوف والقلق، شعور بأن كل سنوات الصبر والتحمل لم تذهب هباءا، بل بنيت شخصيتي وجعلتني قادرا على مواجهة المجهول بثقة نسبية.
في النهاية، شعرت أن التوتر والقلق قبل الخروج هما جزء طبيعي من أي مرحلة انتقالية كبيرة، شعور بأن الحرية، بعد عشرين سنة من القيود، ليست مجرد مكان أو وقت، بل حالة نفسية تحتاج إلى الوعي، الصبر، والتحضير.
شعور بأن أول خطوة خارج الزنزانة لن تكون مجرد خروج جسدي، بل بداية رحلة داخلية حقيقية، رحلة لاكتشاف الذات، مواجهة الماضي، واستعادة الحياة بطريقة أكثر وعيا، وأكثر قوة، وأكثر استعدادا لمواجهة المستقبل.
-يتبع-






التفكير في إعادة بناء العلاقات خطوة مهمة
التحضير النفسي خطوة ذكية قبل الرجوع للمجتمع
التوتر هنا طبيعي لأنه انتقال كبير فالحياة
الحرية فرصة باش يبدأ صفحة جديدة رغم الخوف
التفكير في الأسرة والبنات كيبين عمق المعاناة
الخوف من التغيير شعور إنساني بعد العزلة الطويلة
القلق من المجتمع والتكنولوجيا شيء مفهوم بعد هاد الغياب الطويل
سنوات الصبر داخل الزنزانة ممكن تعطي قوة للمواجهة
التجارب الصعبة ممكن تولي قوة داخلية للمستقبل
مشاركة المخاوف مع الزملاء كتخفف الضغط النفسي
الخروج بعد هاد المدة اختبار نفسي كبير لأي إنسان
الخروج ماشي غير باب كيتحل بل بداية حياة جديدة
عشرون سنة فالزنزانة طبيعي الحرية تولي مخيفة ومحمسة فآن واحد
الحرية بعد القيود الطويلة تحتاج وقت للتأقلم