هبة بريس – شفيق عنوري
في ربيع عام 1999، كانت الجزائر تحاول الخروج ببطء من عقد دموي عُرف لاحقًا باسم العشرية السوداء. ومع إعلان الرئيس اليامين زروال نيته تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، بدا أن البلاد تتجه أخيرًا نحو تجربة تعددية حقيقية بعد سنوات من الحكم المضطرب.
التعددية الصُّورية
الانتخابات التي تقرر تنظيمها في 15 أبريل 1999 بدأت بحملة انتخابية وُصفت بأنها الأكثر تنوعًا منذ الاستقلال، إذ ضمت شخصيات تمثل تيارات سياسية متعددة، من بينها الإصلاحيون والقوميون والإسلاميون. غير أن هذا المشهد التعددي انتهى بطريقة غير مسبوقة في تاريخ الجزائر.
الصحفية الفرنسية خوسيه غارسون أوردت، في كتابها “الجزائر: إعادة البناء المستحيلة”، أن هذه الانتخابات تحولت إلى مثال جديد على مفارقات النظام السياسي الجزائري، حيث انتهى السباق بمرشح واحد فقط بعد انسحاب منافسيه احتجاجًا على ما وصفوه بالتزوير المسبق للعملية الانتخابية.
انتخابات بدأت بسبعة وانتهت بواحد
في بداية الحملة، كان هناك سبعة مرشحين يتنافسون على رئاسة البلاد، بينهم شخصيات بارزة مثل حسين آيت أحمد، أحد قادة ثورة التحرير، ومولود حمروش رئيس الحكومة السابق، وأحمد طالب الإبراهيمي؛ وزير الخارجية السابق وأحد رموز الفكر في البلاد.
غير أن الأزمة التي تفجّرت قبل يومين فقط من موعد الاقتراع، عندما اتهم أربعة مرشحين السلطة بالتحضير لتزوير واسع النطاق في مكاتب التصويت الخاصة، خصوصًا تلك الموجودة في الصحراء والثكنات العسكرية.
صحيفة “Le Monde” الفرنسية نقلت في تقرير بتاريخ 16 أبريل 1999، أن المرشحين تحدثوا عن “عمليات تزوير بدأت بالفعل في مكاتب التصويت المتنقلة وفي مكاتب التصويت الخاصة بالقوات المسلحة”، وهي المكاتب التي كانت قد فُتحت قبل يومين من موعد الاقتراع الرسمي.
وبحسب التقرير نفسه، فإن هذه المكاتب كانت تضم مئات الآلاف من الناخبين، وهو ما جعل نتائجها قادرة على ترجيح كفة أي مرشح، وهو ما أكده ضمنياً الإبراهيمي خلال مروره ببرنامج “شاهد على العصر” بالجزيرة، حين قال إن الجيش كان يريد بوتفليقة رئيساً.
الانسحاب الجماعي
في 14 أبريل، أي عشية الاقتراع، أعلن ستة مرشحين انسحابهم الجماعي من السباق، ويتعلق الأمر بكل من عبد الله جاب الله ويوسف الخطيب ومقداد سيفي إلى جانب المرشحين الثلاثة الأكثر حضورًا في الحملة؛ آيت أحمد، حمروش، الإبراهيمي.
البيان المشترك الذي تلاه ممثلوهم جمال الزناتي، أكد أن قرار الانسحاب جاء بعد “ملاحظة عدم احترام الالتزامات التي قُدمت بشأن تنظيم انتخابات حرة وشفافة”، وهو ما وصفته صحيفة “L’Humanité” الفرنسية، بأنه “تطور دراماتيكي” في مسار الانتخابات.
في الوقت نفسه، نقلت الصحافة الدولية أن الانتخابات استمرت رغم الانسحاب الجماعي، إذ قالت صحيفة “L’Orient‑Le Jour” بتاريخ 14 أبريل 1999، إن وزير الخارجية الأسبق عبد العزيز بوتفليقة سيبقى المرشح الوحيد فعليًا بعد انسحاب منافسيه الستة احتجاجًا على ما وصفوه بـ”التزوير العام”.
رئيس فاز قبل فتح الصناديق
رغم الانسحاب الجماعي، قررت السلطات المضي في العملية الانتخابية، حيث أعلن الرئيس المُستقيل ليامين زروال، في خطاب مُتلفز، أن العملية الانتخابية ستستمر، داعيًا الجزائريين إلى المشاركة في التصويت.
حتى قبل انسحاب المرشحين الستة، كانت الصحافة الدولية وقتها تصف بوتفليقة، بأنه الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات، لأنه يحظى بدعم المؤسسة العسكرية، إضافة إلى الأحزاب الرئيسية في البلاد، وفي مقدمتها جبهة التحرير والتجمع الوطني.
لحظة سياسية جديدة
ومع ذلك، لم يكن انسحاب المرشحين الستة مجرد حادث انتخابي عابر، فبحسب تحليل الصحفية خوسيه غارسون، فإن هذه الخطوة مثلت أول محاولة جماعية من شخصيات سياسية مختلفة الاتجاهات لتحدي شرعية العملية الانتخابية بشكل علني.
وأوضحت أن النظام السياسي الجزائري، الذي كان يعتمد غالبًا على تفريق خصومه، وجد نفسه أمام خطوة احتجاجية مشتركة من شخصيات لم يكن من السهل جمعها في جبهة واحدة، وهو ما كشف حدود محاولة النظام البحث عن شرعية انتخابية دون التخلي عن السيطرة الفعلية على العملية السياسية.
الستار الأخير
في نهاية المطاف، جرت الانتخابات، وفاز عبد العزيز بوتفليقة بالرئاسة. لكن المفارقة التي سجلها المؤرخون لاحقًا كانت: “الانتخابات التي كان يفترض أن تكون بداية مرحلة سياسية جديدة انتهت بمرشح وحيد في السباق”.
وهكذا، دخل بوتفليقة قصر المرادية رئيسًا للجزائر، ليس بعد معركة انتخابية طويلة، بل بعد انسحاب جميع منافسيه من الحلبة، إذ كان شبيهاً بعدّاء يجري في المضمار وحيداً دون منافسين، أو فارس يركض منفرداً في سباق دون فرسان، أو عرض مسرحي انتهى قبل أن يبدأ.






اتهامات التزوير أضعفت الثقة في العملية الانتخابية
الانتخابات تحولت من منافسة إلى مسار أحادي
لحظة تاريخية أظهرت صراع الشرعية في السياسة الجزائرية
الأزمة كشفت حدود التجربة الديمقراطية آنذاك
الحدث بقي علامة بارزة في تاريخ السياسة الجزائرية
المشهد السياسي آنذاك كان معقدا بعد العشرية السوداء
الدعم العسكري لبوتفليقة كان حديث الصحافة وقتها
المرشح الوحيد في السباق صورة غير مألوفة
الانتخابات التي وعدت بالتعددية انتهت بلا منافسة
الانسحاب الجماعي كان رسالة احتجاج قوية
استمرار الانتخابات رغم الانسحاب أثار جدلا كبيرا
التعددية السياسية ظهرت شكلية في تلك اللحظة
انتخابات بدأت بسبعة وانتهت بمرشح واحد مفارقة غريبة
الخطوة الاحتجاجية جمعت شخصيات مختلفة الاتجاهات
انسحاب ستة مرشحين قبل الاقتراع لحظة سياسية صادمة