هبة بريس – إقليم بركان
رغم وضوح القوانين وتشديد الدولة في أكثر من مناسبة على محاربة البناء العشوائي، ما تزال جماعة أغبال القريبة من مدينة أحفير بإقليم بركان، تعيش على وقع فوضى عمرانية خطيرة، تتوسع في الخفاء وتفرض واقعا يهدد سلامة المواطنين، في ظل صمت يثير الاستغراب وغياب تدخل حازم يوقف هذا النزيف قبل فوات الأوان.
فخلال معاينات ميدانية، يتبين أن عددا من الدواوير تعرف حركة بناء غير قانونية تتم غالبا ليلا وخلال أيام السبت والأحد، في تحد واضح للقانون ومحاولة للالتفاف على المراقبة، ومن بينها دوار مزاگة، دوار عيساوة، ودوار جعران وعيشون ، إضافة إلى مناطق أخرى لا تحتاج سوى لجولة قصيرة لاكتشاف حجم الخروقات القائمة.
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط تشييد بنايات دون ترخيص أو احترام لمعايير السلامة، بل تطبيع هذا الوضع وكأنه أمر واقع، في وقت يفترض فيه أن تكون السلطة في موقع الردع والحماية، فسواء كان المسؤولون على علم بما يجري أو يفضلون غض البصر، فإن النتيجة واحدة، مواطنون يتركون لمصير مجهول داخل بنايات قد تتحول في أي لحظة إلى قبور إسمنتية.
وما يزيد من خطورة الوضع هو أن الذاكرة القريبة ما تزال تحتفظ بمشاهد مأساوية، أبرزها ما شهدته مدينة فاس الأسبوع الماضي، حين أدى انتشار البناء العشوائي وتماطل الجهات المعنية إلى كارثة إنسانية حقيقية، بعد انهيار بنايتين على رؤوس ساكنيهما، مخلفة وفيات وصورا صادمة هزت الرأي العام الوطني، في سيناريو كان بالإمكان تفاديه لو تم احترام القانون في الوقت المناسب.
وفي السياق ذاته، يستحضر الرأي العام ملف قصر بوسكورة، ذلك المشروع الضخم الذي شيد بمليارات السنتيمات وكان يقدم كتحفة معمارية، قبل أن تطاله قرارات الهدم دون تردد، في رسالة واضحة مفادها أن القانون لا يعترف إلا بالوثائق الرسمية، مهما كانت قيمة المشروع أو نفوذ أصحابه، غير أن هذا الملف خلف خسائر مادية ومعنوية جسيمة، وطرح بقوة تساؤلات حول وجود متواطئين باعوا الوهم للمواطنين، وتركوا أصحاب المشروع يواجهون العواقب وحدهم.
إن أخطر ما يمكن أن يقع في مثل هذه الملفات هو أن يسمح للمواطنين بالبناء خارج القانون، سواء عبر الصمت، أو التساهل، أو الإيهام، ثم تركهم لاحقا في مواجهة قرارات الهدم أو الكوارث المحتملة، فغض البصر هنا لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، بل يشكل مسؤولية أخلاقية وقانونية ثقيلة.
إن ما يحدث اليوم بجماعة أغبال لا يمكن اعتباره مجرد مخالفات معزولة، بل مؤشرات مقلقة على خلل يستوجب تدخلا عاجلا وحازما، يضع حدا لكل أشكال التلاعب في ملف يمس بشكل مباشر الحق في الحياة، ويفعل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية أو استثناء.
فالتاريخ القريب أثبت أن التساهل في البناء العشوائي لا ينتج سوى المآسي، وأن صمت اليوم قد يترجم غدا إلى دماء ودموع… فهل يتحرك المعنيون قبل أن تتكرر الفاجعة؟






0 تعليقات الزوار