هبة بريس – محمد منفلوطي
بميزة مشرف جدا مع التوصية بالنشر، نال الطالب الباحث عثمان السلومي، أطروحته العلمية الأكاديمية في القانون العام والعلوم السياسية نيل شهادة الدكتوراه في التحكيم الضريبي وسؤال العدالة الضريبية، أمام لجنة مكونة من تلة من الأساتذة الجامعيين على رأسهم الدكتور خالد الطيبي، والدكتور منير حجاجي، والدكتور عبد الرحمان شحشي، و الدكتور المصطفى المصبحي، والدكتور عبد الرزاق كبوري، والدكتورعبد اللطيف العاشري والدكتورسعيد شكاك.
وأمام حشود كبيرة من أصدقاء وعائلته، قدم الطالب الباحث وهو بالمناسبة أستاذ للتعليم الثانوي التأهيلي ومفتش لحزب الاستقلال بسطات، (قدم) تقريرا استعرض من خلاله الخطوط العريضة لبحثه الأكاديمي الذي أكد من خلاله أن الضرائب وما يدخل في حكمها، مورد أساسي ورافد مهم للمالية العامة التي هي عصب الاقتصاد وأساس كل تنمية، وتعتبر من المجالات التي تعرف دينامية ملحوظة على مستوى المنازعات بين الإدارة الضريبية وبين الملزمين، سواء أمام الإدارة نفسها أو أمام القضاء المختص.
وأضاف الطالب الباحث أنه وبالرغم من التنظيم الذي يطبع هذه الأخيرة أي المؤسسة القضائية وانفتاحها في وجه الجميع، فإنها أحيانا تعجز عن الاستجابة لحاجات المتقاضي بالشكل الأمثل، وذلك بفعل الإجراءات المتبعة، وما يترتب عنها من طول مسطرة التقاضي التي تمر عبر مراحل عدة، بدء من المسطرة التواجهية، مرورا بالمرحلة الإدارية سواء من خلال دراسة الشكايات والتظلمات والتي تستغرق فترة ليست باليسيرة، أو من خلال عرض الملفات على أنظار اللجان الضريبية، المحلية فالوطنية، قبل الوصول في : نهاية الأمر إلى المرحلة القضائية، والتي تعرف هي الأخرى عدة مجريات من أجل إنهاء وفض النزاع الضريبي، وهو ما يؤثر على الأمن القانوني والذي من المفروض أن يؤمنه التشريع الضريبي، لا سيما في ظل التزايد المطرد لعدد الملزمين وكذا القضايا المعروضة على أنظار القضاء المختص.
وتابع الطالب الباحث كلمته بالقول: ” لما كان الحال كذلك فإن الأمر يقتضي الاعتراف للمتقاضي بالحق في فض نزاعه عن طريق اللجوء إلى بدائل أخرى لحل منازعاته بغض النظر عن طبيعتها، لما لها من مزايا يفتقر إليها القضاء وتسبب بطء التقاضي وروتينه، وهي التي يصطلح عليها في الدراسات الأكاديمية والبحوث الفقهية بالطرق أو الوسائل البديلة لفض المنازعات، ولعل أهمها التحكيم الضريبي. ولا شك أن تكريس هذه الوسائل جاء للحفاظ على استقرار الأوضاع وتحقيق السرعة في إنهاء المنازعة، واقتصادا للوقت والتكاليف، كما أنها آلية لتحقيق التناسب بين تنظيم العلاقات وبين مرونة فض المنازعات المترتبة عنها، لاسيما في المجالات الاقتصادية، والمالية والضريبية.
حيث يعد التحكيم شكلاً من أشكال القضاء الخاص، يرتكز على مبدأ سلطان الإرادة، حيث يتفق أطراف العلاقة القانونية على اللجوء إليه لحل نزاعاتهم المحتملة أو القائمة، مما يعني تخلّيهم الطوعي عن حقهم في اللجوء إلى القضاء الرسمي، واختيارهم التحكيم كوسيلة لتسوية النزاع.
وشدد الطالب الباحث عثمان السلومي على أن أهم معطى يدفع لتبني التحكيم داخل المجال الضريبي هو هيمنة اللجوء إلى الخبير في فض النزاع الضريبي، وهو الأمر الذي أسهم في التساؤل حول إمكانية فض النزاع الضريبي عن طريق وسائل بديلة ومنها التحكيم، لتخفيف العبء على المحاكم المختصة وكذا تقليص أمد النزاع. لا سيما إذا علمنا أن نظام التحكيم يقوم على التخصص ودراية المحكم بالنواحي التقنية التي تتصل بالنزاع، ومن ثم، لا يحتاج في الغالب للخبير لإعانته على أداء مهمته التحكيمية وإن احتاج إليه فإن ذلك يقع في أضيق الحدود.
لذلك فالحديث عن موضوع التحكيم ودوره في تحقيق العدالة الضريبية في ظل التشريع الضريبي، له أهميته التي يستمدها من كونه يهتم بدراسة آلية جديدة لفض المنازعات الضريبية، ومدى إمكانية الاستعانة بأسسها وأصولها الأساسية في تسوية المنازعات الضريبية، والهدف الأسمى لهذا التوجه هو إرساء لأمن قانوني وقضائي في الميدان الضريبي، يساعد على تحقيق العدالة الضريبية المنشودة، على اعتبار أن استقرار المراكز القانونية للملزمين سيسهم لا محال في الدور المنوط بالضريبة، وبذلك الرفع من التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد.
كما تبرز أهمية هذا الموضوع على المستوى العملي في كونه يطرح حلولًا مبتكرة لمشاكل مزمنة يعرفها القضاء الجبائي، كالبطء في البت في القضايا، وتراكم الملفات، وغياب التخصص الدقيق في المجال الجبائي داخل الجهاز القضائي. فالتحكيم، بخلاف القضاء، يتيح للملزمين وللإدارة على حد سواء اختيار محكمين ذوي كفاءة عالية وخبرة في المجال الضريبي، مما يرفع من جودة القرارات المتخذة ويعزز الثقة بين الطرفين. كما أن اللجوء إلى التحكيم يسهم في خلق مناخ من الطمأنينة القانونية والشفافية، ويحد من الشعور بالحيف أو انعدام المساواة الذي قد ينتج عن الانفراد بالقرار الضريبي من طرف الإدارة.
وبالرجوع إلى التشريع المغربي نجده ينص على عدم جواز سلوك مسطرة التحكيم من خلال ثلاث نصوص قانونية تتمثل في القانون 95-17 من خلال مقتضيات المادة 16، والمادة 244 من المدونة العامة للضرائب ، وكذا المادة 164 من القانون المتعلق بجبايات الجماعات الترابية، بدعوى أن الضريبة من النظام العام وتقوم على فكرة السيادة ولا يجوز المغامرة بأموال الدولة ووضع مصيرها بين يدي هيئات خارجية.
وحول تحديد الإشكالية المركزية لهذا الموضوع في ضوء علاقة الملزم بسلطات الإدارة الضريبية الواسعة، والسلطات القضائية من خلال تعاملها مع النص الضريبي في عملية فض المنازعة الضريبي، فقد طرح الباحث السؤال التالي :
كيف يمكن للتحكيم الضريبي المساهمة في تسوية المنازعات الضريبية وتحقيق العدالة الضريبية في ظل تزايد المنازعات الضريبية وانعدام فعالية الإجراءات التقليدية لفضها ؟
وانطلاقا مما سبق، فإن التقسيم المعتمد في هذا البحث سيكون وفق الشكل التالي:
القسم الأول: الإطار النظري للتحكيم الضريبي وفعالية النظام التقليدي للمنازعات الضريبية
القسم الثاني: التحكيم الضريبي كآلية بديلة لفض النزاعات الضريبية وتحقيق العدالة الضريبية.
حيث تناول الطالب الباحث في القسم الأول الإطار النظري للتحكيم الضريبي، من خلال التأسيس المفاهيمي والقانوني لهذا النوع من التحكيم، وتحديد موقعه ضمن منظومة القانون الجبائي، كما يسلّط الضوء على فعالية النظام التقليدي للمنازعات الضريبية، بما له وما عليه، من حيث السرعة والنجاعة والعدالة، تمهيدًا لتقييم الحاجة إلى بدائل أكثر مرونة.
أما القسم الثاني فيروم دراسة التحكيم الضريبي كآلية بديلة، من حيث شروط تفعيله، وضماناته القانونية، ومدى قدرته على تحقيق العدالة الضريبية المنشودة. كما سيتم التطرق إلى التجارب المقارنة في هذا المجال، ورصد التحديات التي تعترض إدماج التحكيم في المنظومة الضريبية الوطنية.
كما قدم الطالب الباحث مجموعة من الاقتراحات والتوصيات، التي يمكن أن تسهم في الدفع بالعمل بالتحكيم الضريبي وإدراجه ضمن القانون الضريبي المغربي، والتي من بينها:
ـ إدراج نظام التحكيم الضريبي المقترح ضمن أحكام التشريعات الضريبية المغربية خاصة ضمن المدونة العامة للضرائب بما يتيح حق اللجوء للتحكيم كإحدى الطرق القانونية، للنظر وإنهاء المنازعات التي تنشأ عن تطبيق القانون الضريبي؛
ـ إدخال نص إلى مقتضيات المدونة العامة للضرائب يجيز للملزم أو من ينوب عنه أن يتقدم بطلب تحكيم للإدارة الضريبية خلال ثلاثين يوم من تاريخ استلام الاشعار الضريبي محل الطلب؛ والتي يجب أن ترد على هذا الطلب داخل أجل 15 يوما، سواء بالإيجاب أو الرفض، وعند موافقة الإدارة يبرم الاتفاق على التحكيم داخل أجل 30 يوما، وفقا لأحكام قانون التحكيم؛ أما في حالة عدم الموافقة على إحالة النزاع للتحكيم يجب أن يكون القرار معللا؛
ـ انتهاء مهمة التحكيم الضريبي بصدور قرار تحكيمي معلل بواقع الحال الذي أنهت من خلاله إجراءات التحكيم، داخل اجل 90 يوما من تاريخ إبرام عقد التحكيم؛
- تدخل تشريعي يسمح لقاضي التنفيذ بوقف سريان الفوائد القانونية إلى حين حيازة الحكم التحكيمي للصيغة التنفيذية؛
- أن يصدر الحكم من هيئة تحكيم لها ولاية الفصل في النزاع فالأصل في الحكم الصادر من القضاء هي الأحكام التي تحوز الأمر المقضي به، غير أنه ليس من اللازم أن تكون الأحكام صادرة من المحاكم العادية فقط، بل حتى هيئات التحكيم تحوز هي الأخرى هذه الحجية بقوة القانون؛
- اعتبار نظام التحكيم المقترح، ليس بديلا للطعن الإداري أو القضائي المقررين للمنازعات الضريبية، وإنما طريقا آخر، يضاف إلى تلك السبل القانونية المقررة لهذا الشأن، إعمالا بمبدأ سلطان الإرادة، وبما توافق مع قانون التحكيم، والاستبعاد النهائي لفكرة التحكيم الإجباري؛
- إنشاء مراكز تدريبية متخصصة بشؤون الضرائب، تعمل على تأهيل الأطر للنظر في المنازعات الضريبية كمحكمين معتمدين من الجهات المختصة، وذلك بمراعاة الشواهد العلمية التي يجب أن تتوافر مع الطبيعة الخاصة لهذا النوع من الضرائب، وبما يضمن تحقيق الأهداف والآثار الإيجابية المرتبطة بفكرة التحكيم وبمنظومة التحكيم الضريبي على وجه التحديد.
- في مجال الرقابة القضائية على الأحكام التحكيمية ، وجب إقرار طريق الطعن بالبطلان ضد هذه الأحكام، وتنظيمه بشكل يجعل منه الوسيلة الأنجع للطعن، وذلك بحصر الحالات التي يجوز فيها اللجوء إلى هذه الوسيلة حتى لا تتخذ ذريعة للنيل من فعالية التحكيم.
- إثارة المتابعات أمام القضاء الزجري في حالة عدم تنفيذ أحد أطراف التحكيم لالتزاماته الواردة في الأحكام التحكيمية، فإذا كان أهم التزام يضعه اتفاق التحكيم على عاتق الأطراف هو عدم إثارة الدعوى العمومية ، فمن جهة أخرى وجب تدخل سلطات القضاء للحرص على تنفيذ اتفاقات التحكيم.
وختم الطالب الباحث تقريره، بالقول إن التحكيم الضريبي أصبح خيارًا استراتيجيًا يمكن أن يُحدث تحولًا نوعيًا في معالجة المنازعات الضريبية، لأنه يسهم في إيجاد نوع من التكامل البنّاء بين العدالة المستندة إلى سلطان الإرادة، والتي تجد تجلياتها في آليات التفاوض والتراضي، وبين العدالة القضائية التقليدية التي ترتكز على تدخل السلطة العامة ممثلة في القضاء. ومن هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى التحكيم الضريبي كمجرد بديل عن القضاء، بل كآلية موازية ومتكاملة تساهم في توزيع الأدوار بين مختلف قنوات فض النزاع بما يخدم في نهاية المطاف عدالة المنازعة الضريبية.
فمن جهة أولى، يعالج التحكيم الضريبي عدداً من الإشكاليات الواقعية التي تعاني منها المنظومة القضائية، وعلى رأسها تكدس القضايا أمام المحاكم، ما يؤدي إلى إطالة أمد البت في النزاعات، وهو ما ينعكس سلباً على حقوق المتقاضين، ويؤثر على مردودية الإدارة الجبائية في تحصيل مستحقات الدولة. كما أن تعقيد وتضخم التشريعات الضريبية، وتغيرها المستمر، يضعان القاضي العام، غير المتخصص أحياناً في الشؤون المالية والضريبية، أمام صعوبات حقيقية في تفسيرها وتطبيقها، وهو ما يجعل من الخبرة التحكيمية المتخصصة وسيلة فعالة لفهم الواقع الضريبي واستيعاب تعقيداته.
ومن جهة ثانية، يكرس التحكيم الضريبي منطق التوافق والتراضي في تسوية النزاع، فيُخرج العلاقة بين الإدارة والملزم من منطق الصراع والمواجهة، إلى منطق التعاون والبحث المشترك عن حلول عادلة وفعالة. ويؤدي هذا التوجه إلى تقليص حجم المنازعات المحتدمة، ويخفف من التوتر بين الطرفين، ويعزز مبدأ الثقة في الإدارة الضريبية باعتبارها شريكاً في التنمية وليس مجرد جهة رقابية أو زجرية.






0 تعليقات الزوار