الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

التهراوي وبنكيران.. بين محاربة (العفاريت) ومقاومة (محاكمة النوايا)

التهراوي وبنكيران.. بين محاربة (العفاريت) ومقاومة (محاكمة النوايا)
حجم الخط:

هبة بريس – عبد اللطيف بركة

أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الصحة أمين التهراوي أمام لجنة القطاعات الاجتماعية جدلا واسعا، ليس فقط بسبب مضمونها المتعلق بوضعية القطاع الصحي، ولكن أيضًا بسبب اللغة التي استُعملت في الدفاع عن مشروع الإصلاح.فالوزير تحدث بصراحة غير معهودة عن “محاكمة النوايا” التي يتعرض لها، وعن “مغالطات ولوبيات” تعبث بالقطاع وتعرقل الجهود المبذولة لإعادة هيكلته، وهي تصريحات أعادت إلى الأذهان الخطاب السياسي الذي اشتهر به رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران عندما رفع شعار مواجهته لـ”العفاريت والتماسيح”. وبين خطابين يفصل بينهما عقد من الزمن، يبدو أن المعركة ضد مقاومة التغيير في المغرب لا تزال قائمة، مهما اختلفت الوجوه والحقائب الحكومية.

فعندما أعلن التهراوي وقف الدعم الموجه للمصحات الخاصة في انتظار مراجعة عميقة للسياسة الصحية، واعتبر أن بعض المؤسسات تستغل الهشاشة الصحية للمواطنين، بدا وكأنه يرسم خريطة صراع معقدة داخل القطاع، تتجاذبها مصالح مالية وإدارية نافذة. كما لم يتردد في الإعلان عن قرارات إدارية شملت إعفاء مسؤولين جهويين يشتبه في تورطهم في تجاوزات، ليشير بذلك إلى أن الإصلاح في نظره ليس مجرد رفع ميزانية أو تحديث تجهيزات، بل مواجهة بنية متجذرة من الاختلالات التي تمتد من المكتب إلى غرف الإنعاش.

هذا الخطاب، وإن كان جديدا من حيث السياق الصحي، إلا أنه يعيد إنتاج ذات المنطق السياسي الذي اعتمده بنكيران حين أطلق عبارته الشهيرة عن “العفاريت والتماسيح” التي تعرقل عمل الحكومة. كان بنكيران حينها يوجه رسائل سياسية قوية إلى الرأي العام وإلى من يعتبرهم “خصومًا غير ظاهرين”، في محاولة لتحصين مشروعه الإصلاحي والتبرؤ من تبعات التعثرات الاقتصادية والاجتماعية. واليوم، يبدو أن التهراوي، عن قصد أو بدونه، يستثمر نفس الاستراتيجية التواصلية، من خلال رسم حدود واضحة بين “مصلحي الدولة” و”مقاومي التغيير”، في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حساسية ومساسًا بحياة المواطنين.

والمثير في هذا التقاطع بين التجربتين هو أن المغرب، رغم تعدد الإصلاحات وتنوع الحكومات، ما يزال يعيش على وقع صراع مستمر بين رغبة الدولة في تحديث مؤسساتها وواقع شبكات المصالح التي تستفيد من الوضع القائم.

فحين يتقاطع خطاب سياسي تقنوقراطي مع خطاب سياسي شعبوي سابق، فذلك يعكس حجم التراكم البنيوي الذي يعيق الإصلاح، ويؤكد أن المشكلة ليست فقط في الأشخاص أو الحكومات، بل في بنية مقاومة لا تزال أقوى من سرعة التغيير.

ومن خلال قراءة متأنية لتصريحات التهراوي، يمكن فهم الرسالة الضمنية التي يرغب في إيصالها مفادها الإصلاح الحقيقي في قطاع الصحة لن يتم دون مواجهة مباشرة مع أطراف اعتادت الاستفادة من ضعف الحكامة، وأن محاولات التشويش عليه ليست سوى رد فعل طبيعي من الجهات التي ترى في الإصلاح تهديدًا لمصالحها
وهي رسالة تعكس التحول التدريجي في لغة الوزراء التقنوقراطيين، الذين باتوا يستعملون خطابًا أكثر صراحة، وربما أكثر سياسية، في مواجهة تحديات القطاعات التي يديرونها.

غير أن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يكفي تبني خطاب المواجهة لتحقيق الإصلاح؟ أم أن هذا الخطاب، مهما بدا قويًا، قد يتحول مع مرور الوقت إلى مجرد شماعة تُعلّق عليها الإخفاقات، تمامًا كما حدث في تجارب إصلاحية سابقة؟ المواطن المغربي، الذي يعيش يوميًا مع أزمة المواعيد الطبية، ونقص الموارد البشرية، والتفاوت بين القطاعين العام والخاص، لم يعد مستعدًا لسماع لغة الصراع دون رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع.

إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو شعار دستوري قبل أن يكون سياسيًا، يفرض على المسؤولين أن يوازنوا بين توضيح العقبات وتقديم الحلول، وبين كشف شبكات المصالح وتنفيذ الإجراءات الإصلاحية بشكل فعلي. وما لم تُترجم هذه اللغة إلى إصلاحات عملية قابلة للقياس والتقييم، فإن الخطاب سيظل تكرارًا جديدًا لخطابات قديمة أثارت التعاطف في لحظتها، لكنها لم تُحدِث التغيير المنتظر.

في النهاية، قد تكون تصريحات التهراوي مؤشرًا على صراع صحي أشد عمقًا مما يبدو، وقد تكون أيضًا بداية لمرحلة جديدة في أسلوب تواصل الوزراء مع الرأي العام. لكن المؤكد أن المغرب اليوم بحاجة إلى إصلاحات حقيقية تتجاوز الخطاب، وإلى قدرة سياسية وإدارية تضع حدًا لسطوة “العفاريت الصحية” إن صحّ التعبير. فالإصلاح ليس مجرد شجاعة لغوية، بل منظومة قرارات مستمرة لا تتأثر بصخب اللوبيات ولا تكتفي بتحميلها مسؤولية الفشل.

12 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

  1. 1
    جواد

    هاد المقارنة مع بنكيران كتبيّن أن نفس الخطاب كيرجع كلما بدا الإصلاح كيمس مصالح قوية

  2. 2
    رتاج

    كيبان أن التهراوي باغي يوصل رسالة أنه ما غاديش يبقى ساكت على الاختلالات

  3. 3
    لطيفة

    مشكل القطاع ماشي فالأشخاص بوحدهم ولكن فالبنيات اللي كتحمي الفساد

  4. 4
    محمد

    بزاف ديال الناس شافو فتصريحاتو نوع من الجرأة ولكن كيتسناو يشوفو النتائج على الأرض

  5. 5
    رتاج

    المغاربة كيتسناو نتائج واقعية باش يحسو أن هاد المواجهة ماشي غير للاستهلاك السياسي

  6. 6
    يسين

    الصحة قطاع حساس وما فيهش اللعب والناس باغين حلول ماشي غير كلام

  7. 7
    كريم

    الناس ملّاو من استعمال لغة الصراع كدروع سياسية وكيبغيو يشوفو تحسن فخدمات الصحة

  8. 8
    جواد

    المغرب محتاج لإصلاحات اللي تمشي بعيد وما توقفش غير قدام مقاومة بعض اللوبيات

  9. 9
    نوفل

    الوزير التهراوي بان واضح أنه داخل فمعركة كبيرة ضد لوبيات كاتستافد من الوضع

  10. 10
    عصام

    المواطن ولى فاقد الثقة فخطابات المواجهة اللي كتطلع وتطيح بلا تغييرات حقيقية

  11. 11
    خليل

    الشفافية والوضوح مطلوبين ولكن الإصلاح الحقيقي محتاج قرارات قوية ومستدامة

  12. 12
    رحمة

    التحدي الكبير هو واش غادي يدوز من الكلام للأفعال بلا ما يطيح ففخ الخطابات السابقة

اترك تعليقاً