هبة بريس – عبد اللطيف بركة
يشهد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي تقدما ملموس يجعله من أبرز الأوراش الاستراتيجية التي تعكف المملكة المغربية على إنجازها في الأقاليم الجنوبية، في أفق تحويل جهة الداخلة – وادي الذهب إلى قطب بحري وتجاري متكامل، يربط المغرب بعمقه الإفريقي ويعزز حضوره على الواجهة الأطلسية.
مشروع استراتيجي في قلب النموذج التنموي الجديد
يُعد هذا الميناء أحد المشاريع المهيكلة المدرجة ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه جلالة الملك محمد السادس، بهدف تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة في هذه الربوع. وقد تم اختيار موقع المشروع بمنطقة نتيرفت التابعة لجماعة العركوب، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال مدينة الداخلة، ليتحوّل إلى منصة بحرية عالمية الطموح.
مكونات هندسية ضخمة واستثمارات قياسية
يتكوّن الميناء من منشآت تجارية وصيدية وخدماتية تمتد على مساحة واسعة، تتضمن أرصفة بطول يقارب 600 متر بعمق 16 متراً، إلى جانب محطة نفطية ومناطق لوجستية وصناعية. كما يشمل الميناء الجديد أرصفة مخصّصة للصيد البحري بطول 1650 متراً، وأحواضاً لصيانة السفن، وأراضي مسطّحة تفوق 60 هكتاراً.
وتقدّر كلفة الاستثمار الإجمالية للمشروع بنحو 12.5 مليار درهم، وهو ما يعكس حجم الرهان الاقتصادي واللوجيستي الذي يحمله هذا الورش الملكي.
تقدم ملموس في وتيرة الأشغال
حسب آخر المعطيات الرسمية الصادرة في نوفمبر 2025، بلغت نسبة إنجاز المشروع حوالي 45 في المائة، في حين تجاوزت أشغال الجسر البحري الرابط بين اليابسة والميناء 87 في المائة، على طول 1.3 كيلومتر.
وتؤكد مصادر من وزارة التجهيز والماء أن وتيرة الأشغال تسير وفق البرنامج المسطر، مع توقع بلوغ مرحلة التجهيزات التقنية خلال عام 2026، على أن يتم التشغيل الكامل للميناء مع نهاية سنة 2028.
رافعة للتنمية والتكامل الإفريقي
من المنتظر أن يشكل ميناء الداخلة الأطلسي بوابة تجارية ولوجستية نحو دول الساحل وغرب إفريقيا، إضافة إلى كونه مركزاً محورياً لتثمين المنتوجات البحرية وتطوير الصناعات المرتبطة بالصيد البحري.
كما يُتوقع أن يُسهم المشروع في خلق آلاف فرص الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتحفيز الاستثمارات الوطنية والأجنبية في مجالات النقل البحري، الطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية.
أبعاد اقتصادية وجيو-استراتيجية
يراهن المغرب من خلال هذا الميناء على تعزيز موقعه كمركز إقليمي للتجارة البحرية بين أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، في انسجام تام مع الاستراتيجية الوطنية للموانئ في أفق 2030.
ويُعتبر الميناء أيضًا أداة لتعميق التكامل الاقتصادي بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، وإعادة توزيع النشاط البحري والتجاري بما يخفف الضغط عن موانئ الشمال والوسط.
تحديات المرحلة المقبلة
رغم التقدم الكبير المسجل، تبقى أمام المشروع تحديات تتعلق بإنجاز المرافق الموازية، مثل الطرق والمناطق اللوجستية وربط الميناء بشبكات الكهرباء والماء، إضافة إلى ضمان جاذبية الاستثمار في المنطقة.
غير أن المؤشرات الحالية تؤكد أن المشروع يسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهدافه، بفضل المتابعة الملكية الدقيقة وتعبئة مختلف المتدخلين العموميين والخواص.
و يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية؛ إنه عنوان رؤية استراتيجية تجعل من الداخلة نقطة التقاء بين المغرب وإفريقيا والأطلسي، وتجسد إرادة المملكة في بناء نموذج تنموي متجدد ومندمج. ومع استمرار الأشغال بوتيرة تصاعدية، تتجه الداخلة بثبات نحو التحول إلى قطب بحري دولي واعد في قلب المحيط الأطلسي.






0 تعليقات الزوار