ونحن نعيش نفحات هذا الشهر الفضيل، حيث الناس أفواجا صوب المساجد صلاة وقياما وقراءة للقرآن، بحثا عن الزاد، وخيرُ الزاد التقوى، فمن الناس من يبيت الليل قائما ساجدا يحْذرُ الآخرة ويرجو رحمة ربه، ومن الناس من يُسارع إلى قضاء المآرب وينصُب موائد الافطار احسانا وكرما وتفضيلا، ومن الناس من يشتغل بشرف وبعرق الجبين إطعاما لأسرته وصغاره لقمة عيشٍ من رزقٍ حلال…ومن الناس عكس ذلك…
تجِده عبوسًا وقد كُتبتْ على ملامحه عبارات ” الله يْقَرْبلْها”، ساخطا متذمرا صائما عن الأكل والشرب فقط دون الجوارح، سائرا بين الناس بلسانٍ سليط سابًّا هذا وشاتما ذاك بلا استحياء، مُتطاولا على حرمات العباد وممتلكاته، وبين ظهرانيه تعيش كائنات أخرى من بني جلدته تسير على النهج ذاته تُصفق للباطل وتهتف باسمه وتُزكِّي أعماله القذرة خوفًا وطمعا وتقرُّبًا إليه، ولسان حال هذه الكائنات يقول: ” سًمحُو لِيه راه مْرمْضن أصاحبي…مادِيوْش عليه راه صايم… غير سلْكُو معاه راه مقطوع… سِير بدَّل ساعة بأخرى أعشيري أحسن ليك…”…
هي شعارات وعبارات عدة، تختزل سلوكات يومية لأشخاص اُبْتُلِيَ بهم المجتمع والناس، حتى إنهم لا يأبهون لشيخ هرم، ولا لعجوز وهي تمشي مُنكبة على وجهها، ولا لحرمات مساجد ولا احتراما لمشاعر المصلين ومواكب الجنائز…شعارهم الخالد” بنادم راه صايم أصاحبي، بدَّل ساعة بأخرى أحسن ليك”…
يا للغرابة…وكأن هؤلاء المُعرْبِدين ” صايمين بِجْميل” كما يُقال ويُحكى بلغة العامية، مُتناسين قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: قال الله عز وجل: كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنّة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم”.
أين نحن من هذا في زماننا هذا، في زمن أصبح فيه البعض وأضحى مُنفعلا جاحدا بأنعم الله، لا يستيقظ إلا عصرا، فيتوجه رفقة زُمرة من رفاق دربه يتسللون إلى الساحات والأسواق والشوارع، ليُعربدون ويُعنفون ويتطاولون على الناس بلغة ” تخراج العينين” والكلام النابي الساقط، تارة تحت طائلة راه صايمين وتارة راه مقطوعين ….
مشاهدٌ وسلوكات شبه يومية ، لا تكاد تخلو منها معظم الطرقات والشوارع والأحياء السكنية خلال هذا الشهر الكريم، شهر المغفرة والعِتق من النار، حيث العديد من التجاوزات والملاسنات الحادة لمن يَعتبِرون أنفسهم صائمين، ظنا منهم أن الصوم يقتصر فقط على الكف عن الأكل والشرب، في حين أن الصوم الحقيقي هو صوم الجوارح كُلها ..فالله طيب لا يقبل إلا طيبا…
من يوميات رمضان نجد أيضا بالشوارع والطرقات فوضى من نوع آخر…سائقون متهورون بوجوه عبوسة تحت ذريعة الترمضينة، يخلقون الفوضى بسياقاتهم الجنونية، مساهمين بشكل مباشر في ارتفاع حوادث السير ما يتسبب غالبا في هلاك عدد كبير من المواطنين، وسقوط آخرين جرحى ومصابين بجروح متفاوتة الخطورة.
كل يوم، وعلى بعد سُويْعات معدودات من موعد الإفطار، تشهد معظم الطرقات ضغطا كبيرا، إذ يغادر جميع الموظفين والعمال، تقريبا، مقرات عملهم في توقيت متقارب، ناهيك عن خروج العديد من المواطنين الراجلين للتسوق ما ينتج عنه ازدحام في الطرق وخاصة قرب الساحات التي تعرض فيها حاجيات المواطنين اليومية من مستلزمات الإفطار، وما يصاحب ذلك من رغبة الجميع في الوصول بسرعة إلى البيت، وغالبا ما تؤدي السرعة، التي يقود بها بعض السائقين، وتهور البعض في السياقة، وعناد البعض الآخر وتعصبهم، تحت ذريعة “الترمضينة”، إلى ما لا تحمد عقباه ويتحول الأمر إلى عراك شبه يومي.
كاميرا هبة بريس، قامت بجولة ببعض شوارع مدينة سطات، حيث تبلغ حركة السير ذروتها ساعات قبل الافطار، على الرغم من اليقظة الأمنية التي أطلقتها مصالح الأمن الولائي بالمدينة، ضمن خطة تروم تقريب الخدمات الأمنية من كافة المواطنين وتواجد عناصرها بجميع النقط الحساسة.
لكن تبقى بعض المظاهر الأخرى من قبيل انتشار العربات المجرورة بالدواب كوسائل نقل تربط وسط المدينة ببعض الأحياء الهامشية، من التحديات التي تُسائل الجهات المعنية بهدف البحث عن حلول لمعالجتها، لاسيما وأن البعض من هذه العربات يقودها قاصرون ومراهقون وشباب، لا يأبهون لسيارة قادمة، ولا لمواطنين راجلين، سوى تبنيهم لمنطق السرعة الجنونية والسياقة العشوائية، مهددين حياة الأبرياء…
مظاهر أخرى للعربدة، تُسجل ببعض نقاط البيع المتعلقة بالباعة الجائلين، حيث يكثر صراخهم أمام المساجد والساحات وبالطرقات، يغلقون أحياء الشوارع ويعرقلون حركة السير، وحتى موكب جنائز المسلمين أحيانا لم تسلم من شططهم، عندما يتعلق الأمر بالأسواق العشوائية المنتشرة بمحيط المساجد..” مسجد الخير نموذجا”..
نعم، نُقدٍّر حساسية الوضعية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الفئة التي تبحث عن لقمة العيش بعرق الجبين، لكن أن يُأخذ العمل بالفوضى والتطاول على الملك العام وتهديد حياة الناس، عنوانًا لهؤلاء ومطيةً لخلق الفوضى وخرق القوانين وتهديد سلامة المرء الصحية والبيئية وأمنه الروحي تحت طائلة ” راه بنادم كيْقلَّب على رزقو”….فتلك أمور وممارسات غير قانونية لا يجب السكوت عنها…بل يجب اخضاع أصحابها لمبدأ المساءلة..






كل من تشاهده في هذا الشهر امرمضن. تلك هي حالته. تلك هي تركيبته على مدار السنة ليس رمضان هو السبب.
يجف التنازل وتفادي الخصام خلال الشهر الكريم …
يجف التنازل وتفادي الخصام خلال الشهر الكريم ..
يجف التنازل وتفادي الخصام خلال الشهر الكريم ..
الله إهدي ما خلق وصاف..
عبارات الترمضينة لا تليق بالمسلمين..
لا يوجد أي شيء اسمه ترمضينة..
شهر رمضان شهر المغفرة والرحمة والمغفرة والتسامح..