شباب قوارب الموت… أوراق أشجار الربيع تسقط اتباعا

هُم زهرة الأوطان، وأوراق ربيع أشجاره المخضرة، هم شباب قادهم المسير نحو  أعماق البحار بحثا فك لغز حلم ظل يراودهم لبلوغ جنتهم الموعودة.. وعن أي جنة يتحدثون… على متن قوارب مطاطية مهترئة، تجري بهم في موج كالجبال في ظلمة حالكة وصوت خافت يكسر صمت سكون البحر…هم شباب في عمر الزهور، اختلفت أسباب هجرتهم، ووحدهم شغف الهجرة السرية أملا في غذ أفضل..

فما أن يلجوا البحر ركوبا على قوارب تنتفي فيها كافة شروط السلامة والوقاية والامان، وما أن تلامس أجسادهم المرتعشة خوفا مياه البحر، وما أن ترتفع أصوات الأمواج وتتقاذف، وما أن يفر المرء من أخيه وقريبه وتبلغ القلوب الحناجر هلعا، حتى ترتفع دعواتهم وصياحهم الذي يملأ الأرجاء، دون رحيم ولا شفيع، ماعدى قدرة القدير لعله ينجيهم…

هناك، غلبة أمواج البحر تظهر، لتغرق الباحثين عن حلم من وراء ستار، من الأجساد من استسلمت منذ الوهلة الأولى وسلمت الأمانة لخالقها بعد جهد جهيد وسباحة لم تغن من الأمر شيئا، ومنها من طفت على السطح جثة هالكة، ومنها من لم تجد طريقها صوب الشاطئ فظلت في الاعماق لعل الامواج تتقاذفها يوما من الأيام بعد أن أذاب الملح جزء من ملامحها وكان للحيتان نصيب كذلك…

هناك، مابقي من الحلم، إلا روايات تحكى وحكايات تنسج داخل بيوت العزاء وخيام المواسين الذين احلولقوا حول الحدث… وألسنتهم تتجاذب أطراف الحديث بين ناصح أمين ومواسي حميم، وموضوعاتهم تتلاقى وتتشابك حول كلمة سواء (الله يكون في عون أمهاتهم وآبائهم..).

هنا، انتهى المشهد ألما وحسرة، ولما لا والرحلة انتهت على خبر مفجع، وبدأت الجثت تتقاطر على مسقط الرؤوس اتباعا لتوارى الثرى، ومن ورائها فقهاء وطلبة مساجد يتلون كتاب الله ويدعون بالمغفرة والثبات عند السؤال…

هنا، انتهت الأحلام الوردية نحو جنة موعودة، حينها نفضت الأسر أياديها، وهي التي قدمت يد العون لأبنائها وشجعتهم على ركوب قوارب الموت، ومنهن من باعت حليها من ذهب وما تملك..

ماجعلني، أتناول هذا الموضوع، هو تلك المشاهد المؤلمة والمحزنة القادمة من سواحل مدينة بوجدور، جثت لشباب في عمر الزهور عادوا في توابيت نحو مقبرتهم النائية بجماعة بني يكرين بإقليم سطات..

ماجعلني، أتفاعل مع هذا الموضوع، هو حالة الحزن التي لازالت تخيم على ساكنة هذه المنطقة وهي تشيع جثامين شبابها اتباعا، حتى عصر اليوم الأحد كانت الساكنة أيضا مع حدث تشييع جثة شاب وصل لتوها من سواحل بوجدور على متن سيارة الاسعاف التابعة للجامعة القروية ذاتها، ليصل العدد الاجمالي للموتى سبعة، في انتظار استكمال مجريات البحث عن مفقودين آخرين محتملين.

ماجعلني أكتب وأكتب عن الموضوع، هو تلك الصور المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي لشباب في عمر الزهور، وهم يعانقون الموت غرقا، بعد كان حلمهم الوصول إلى الضفة الأخرى من المتوسط بحثا عن لقمة العيش لتحسين ظروفهم الاجتماعية والأسرية، بعد أن ظلت فكرة الهجرة نحو الديار الأوروبية شغلهم الشاغل..

إنها قصة مأساوية لشباب قوارب الموت…ترعرعوا وشبوا وعشقوا تربة الأرض ونسيم جوها العليل الذي يغطي المنطقة مع كل مساء…. قبل أن يتحولوا إلى أوراق يابسة تتقاذفها رياح القدر، تجسد لتسقط ربيعا وليس خريفا…

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم ووسع مدخلهم ،اللهم اكتبهم في عداد الشهداء، انهم ضحايا لقمة العيش،
    والله ياخذ الحق في اللي كان سباب، ولكن عند الله تلتقي الخصوم، لك الله يا وطني
    حسبنا الله ونعم الوكيل

  2. على السلطة التصدي لهذه الظاهرة التي حصدت أرواح آلاف الشباب خصوصا وأن لها معابر معروفة

  3. كل التعازي والمواساة لأهلهم و ذويهم ،و كل الخزي و العار لكل من يخون هذا الوطن و ينهب و يقتات على مص دماء مواطنيه

  4. يستغل تجار البشر الرغبة الملحة لشباب لم يجدوا بديلا غير قوارب الموت للوصول لحلمهم غير أنهم لم يجدون أنفسهم في أحضان أمواج لا ترحم فمن واجب السلطات وضع حد لهذه الظاهرة بكل الوسائل المتاحة.

  5. لا يمكن السماح لهذا الوضع أن يستمر فعصابات الاتجار بالبشر تستغل أوضاع الشباب المتأزمة فتزج بهم في أحضان المجهول .

  6. يجب تضيق الخناق على العصابات الناشطة في تهجير الشباب بواسطة هذه القوارب التي تشكل الخطر بعينه فهمهم هو كسب الأموال غير مبالين بمصير هؤلاء الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى