الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

الحكومة الجديدة أمام امتحان الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية

الحكومة الجديدة أمام امتحان الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية
حجم الخط:

هبة بريس – الرباط

تدخل الحكومة الجديدة مرحلة سياسية وتنفيذية تتجاوز رهانات إعادة ترتيب الحقائب الوزارية وتجديد الوجوه، لتضعها أمام اختبار أكثر ارتباطا بالواقع اليومي للمواطنين، يتمثل في قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والتنموية، وتحويل الالتزامات المعلنة إلى نتائج ملموسة.

ومهما بلغت أهمية التغييرات التي تطال تركيبة الجهاز التنفيذي أو هندسته التنظيمية، فإن قيمتها ستظل مرتبطة بمدى انعكاسها على التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية والإنصاف بين المجالات الترابية.

وتفرض هذه المعادلة قراءة أداء الحكومة من زاوية الأثر الذي تحدثه السياسات العمومية، لا من خلال حجم البرامج المعلنة أو عدد المبادرات التي يجري إطلاقها.

فالتحدي الأساسي لا يتعلق فقط بتوسيع التدخلات الحكومية، بل بضمان انسجامها ونجاعتها وقدرتها على الوصول إلى الفئات والمناطق الأكثر حاجة إلى الدعم والاستثمار.

ويشكل تعزيز الدولة الاجتماعية أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه الحكومة الجديدة، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بانتظارات المواطنين في مجالات التشغيل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية، وهي ملفات مترابطة لا يمكن التعامل معها باعتبارها قطاعات منفصلة، لأن الاختلال في أحدها ينعكس على بقية المجالات وعلى مستوى الثقة في السياسات العمومية.

فالتشغيل، على سبيل المثال، لا يرتبط فقط بخلق مناصب شغل جديدة، بل يتطلب تنسيقا بين الاستثمار والتكوين وتأهيل الموارد البشرية وتحسين مناخ المبادرة الاقتصادية.

كما أن تطوير الخدمات الصحية والتعليمية لا يتحقق بمجرد توفير الموارد، بل يستلزم تحسين الحكامة، وتطوير الكفاءات، وضمان توزيع أكثر توازنا للتجهيزات والخدمات.

ومن هنا، فإن نجاح الحكومة في تعزيز الدولة الاجتماعية يقتضي الانتقال من منطق تعدد البرامج إلى منطق تكاملها، ومن التركيز على حجم التدخلات إلى تقييم نتائجها.

فالمعيار الأساسي لا يتمثل في عدد المشاريع المعلن عنها، وإنما في مدى قدرتها على تحسين ظروف العيش، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقليص مظاهر الهشاشة.

وتتطلب هذه المقاربة أيضا وضوحا في ترتيب الأولويات، حتى لا تتشتت الجهود بين أهداف كثيرة دون أثر كافٍ في أي منها، فكلما كانت الاختيارات الحكومية محددة، والموارد موجهة وفق حاجات واضحة، ازدادت فرص تحقيق نتائج قابلة للقياس والتقييم.

ولا تكتمل رهانات الدولة الاجتماعية دون إيلاء العدالة المجالية مكانة مركزية في السياسات العمومية، فالتفاوتات بين الجهات والمناطق لا تقتصر على الفوارق في حجم الاستثمار، بل تمتد إلى فرص الولوج إلى التعليم والصحة والنقل والبنيات الأساسية والخدمات الإدارية.

وتفرض هذه التفاوتات تجاوز المقاربة التي تنظر إلى التنمية من زاوية المؤشرات الوطنية العامة وحدها، والانتقال إلى تقييم أكثر دقة لمدى استفادة مختلف المجالات الترابية من ثمار النمو والبرامج العمومية.

فقد تحقق بعض السياسات نتائج إيجابية على المستوى الإجمالي، دون أن تنعكس بالقدر نفسه على المناطق الأقل استفادة من الاستثمار والخدمات.

ويقتضي تحقيق العدالة المجالية تعزيز التنسيق بين السياسات القطاعية والبرامج الترابية، وتوجيه الموارد وفق الحاجات الفعلية، مع مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل منطقة.

كما يتطلب اعتماد مؤشرات تسمح بتحديد الفوارق وتتبع تطورها، بما يجعل تقييم السياسات العمومية أكثر ارتباطا بالواقع المحلي.

وفي هذا الإطار، تصبح العدالة المجالية أكثر من مجرد هدف تنموي، إذ تتحول إلى معيار لمدى إنصاف السياسات الحكومية وقدرتها على تحقيق تكافؤ الفرص، فنجاح الحكومة لا يقاس فقط بما تحققه من نمو أو استثمار، بل أيضا بمدى توزيع المنافع والفرص بصورة أكثر توازنا بين المواطنين والمجالات.

ويمثل التشغيل أحد أكثر الملفات قدرة على قياس الفارق بين الخطاب السياسي والنتائج العملية، بالنظر إلى ارتباطه بالاستقرار الاجتماعي وآفاق الشباب وقدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة.

ولا يكفي في هذا المجال الإعلان عن مبادرات عامة، بل يتطلب الأمر سياسات مندمجة تربط بين الاستثمار المنتج والتكوين الملائم لحاجات الاقتصاد وتحفيز المقاولات وتحسين فرص الإدماج المهني.

كما تظل القدرة الشرائية من أبرز المؤشرات التي يستند إليها المواطن في تقييم الأداء الحكومي، لأنها تعكس أثر السياسات الاقتصادية والاجتماعية على حياته اليومية.

ولذلك، فإن معالجة هذا الملف تستدعي النظر إلى العلاقة بين فرص الشغل ومستويات الدخل وتكاليف الخدمات الأساسية، مع الحرص على توجيه التدخلات نحو الفئات الأكثر تأثرا بالضغوط الاقتصادية.

وتبرز هنا أهمية التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حتى لا تحقق التدخلات القطاعية نتائج محدودة أو متعارضة، ففعالية السياسة العمومية ترتبط بقدرتها على الجمع بين دعم النشاط الاقتصادي وتحسين شروط العيش وتعزيز الحماية الاجتماعية، ضمن رؤية واضحة تحدد الأولويات والنتائج المنتظرة.

وفي سياق التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد والمجتمع، تكتسب ملفات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والابتكار أهمية متزايدة، بالنظر إلى قدرتها على المساهمة في تحديث الإدارة وتحسين جودة الخدمات وتعزيز تنافسية الاقتصاد، غير أن إدراج هذه الملفات ضمن أولويات الحكومة لا ينبغي أن يظل مرتبطا بجاذبية عناوينها أو حداثة مفاهيمها، بل بمدى تحويلها إلى أدوات عملية لتحسين الأداء العمومي والاستجابة لحاجات المواطنين والمقاولات.

وقد يسهم التحول الرقمي في تبسيط المساطر الإدارية، وتقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين الولوج إلى الخدمات، وتعزيز الشفافية.ط، كما يمكن للابتكار أن يدعم تطوير الأنشطة الاقتصادية وخلق فرص جديدة، شريطة توفير بيئة مؤسساتية ملائمة، وتأهيل الموارد البشرية، وضمان الولوج المنصف إلى البنيات الرقمية.

ويظل نجاح هذه التحولات رهينا بقدرة الحكومة على إدماجها في إصلاح شامل للإدارة، يربط التكنولوجيا بتحسين الحكامة وجودة الخدمات، بدل الاكتفاء برقمنة المساطر القائمة دون معالجة أوجه القصور التي تعتريها.

كما يكتسي موضوع السيادة الغذائية أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والمناخية، لما يرتبط به من أسئلة تتعلق باستدامة الإنتاج والقدرة على مواجهة التقلبات وضمان استقرار التموين.

ويتطلب هذا الملف تنسيقا بين السياسات الإنتاجية والاستثمارية والتدبير المستدام للموارد، بما يعزز قدرة الاقتصاد على الاستجابة للتحديات المتغيرة.

أما الحوار الاجتماعي، فيمثل بدوره آلية أساسية لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف المعنية، وتدبير الاختلافات حول القضايا الاجتماعية والمهنية، وتكمن أهميته في قدرته على إنتاج تفاهمات قابلة للتنفيذ، لا في مجرد تنظيم اللقاءات أو إصدار التصريحات.

وتتوقف فعالية السياسات الاجتماعية والتنموية على جودة تدبيرها، ومدى التنسيق بين القطاعات والمؤسسات المتدخلة، فكثير من التحديات المطروحة لا يمكن حلها من خلال تدخل قطاع واحد، بل تتطلب تقاطعا بين مجالات متعددة، وهو ما يجعل التنسيق الحكومي عاملا حاسما في نجاح البرامج.

وتفرض هذه المعطيات تحديد المسؤوليات بدقة، ووضع أهداف قابلة للقياس، واعتماد آجال واضحة للتنفيذ، مع إرساء آليات منتظمة لتتبع التقدم ومعالجة التعثرات.

كما تستدعي ربط الموارد المخصصة للبرامج بمردوديتها الفعلية، حتى لا يتحول حجم الإنفاق أو عدد المشاريع إلى معيار وحيد لتقييم النجاح.

وينبغي أن تتجاوز الحكامة منطق التقارير الإدارية التي تركز على الأنشطة المنجزة، نحو تقييم الأثر الذي تحدثه السياسات في حياة المستفيدين، فإطلاق برنامج اجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه، وإنجاز بنية تحتية لا يكفي وحده لإثبات تحقيق التنمية ما لم تسهم في تحسين الولوج إلى الخدمات أو خلق فرص اقتصادية أو تقليص الفوارق.

ويمنح هذا التوجه للمساءلة والشفافية دورا مركزيا، إذ يسمح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين بتقييم الأداء على أساس معطيات واضحة، ويمكّن الحكومة من تصحيح اختياراتها كلما أظهرت النتائج وجود اختلالات أو محدودية في الأثر.

إن الرهان الاجتماعي للحكومة الجديدة لا ينفصل عن رهانها السياسي والمؤسساتي، لأن الثقة في المؤسسات تتعزز بمدى التطابق بين الوعود والنتائج.

فالمواطن ينتظر سياسات قادرة على إحداث تغيير ملموس في ظروف العيش، وليس فقط برامج واسعة أو خطابات تتضمن أهدافا طموحة، ومن ثم، فإن الانتقال إلى تدبير قائم على النتائج يقتضي إعلان الأولويات بوضوح، وتحديد المؤشرات التي ستقاس بها الحصيلة، ونشر المعطيات المرتبطة بمستوى التنفيذ، مع التمييز بين المشاريع التي جرى الإعلان عنها وتلك التي دخلت حيز الإنجاز، وبين الإنجاز المادي والأثر الاجتماعي والاقتصادي.

كما يقتضي هذا المنهج استعداد الحكومة لتحمل مسؤولية التعثرات، وتفسير أسبابها، واتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة. فالمساءلة لا ينبغي أن تقتصر على تقييم ما تحقق، بل يجب أن تشمل أيضا كيفية تدبير الصعوبات ومدى القدرة على تعديل السياسات استنادا إلى النتائج.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً