هبة بريس – الرباط
يواصل ورش الدعم الاجتماعي المباشر بالمغرب ترسيخ موقعه كأحد الأعمدة الأساسية لمنظومة الحماية الاجتماعية التي أرسى دعائمها صاحب الجلالة الملك محمد السادس في إطار مشروع الدولة الاجتماعية، في وقت تتجه فيه التجربة نحو مرحلة جديدة لا تقتصر على تقديم الدعم المالي للأسر المستفيدة، بل تمتد إلى تعزيز المواكبة الاجتماعية والاقتصادية، وفتح آفاق أوسع أمام الفئات المستهدفة لتحسين أوضاعها والاندماج في الحياة الاقتصادية.
ويأتي هذا التحول في ظرفية خاصة، تتزامن مع الدخول المدرسي الحالي وما يفرضه من أعباء إضافية على ميزانيات الأسر، ومع شروع الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي في تنزيل مخطط عملها للفترة 2026-2028، بعد سنة 2025 التي شكلت محطة تأسيسية في مسار تدبير هذا الورش الملكي، وأبانت فيها الوكالة عن قدرة واضحة على تحويل التوجيهات السامية إلى برامج ملموسة يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
أرقام تعكس حجم الورش
وتكشف المعطيات الواردة في التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي برسم سنة 2025، الذي رُفع إلى النظر السامي لجلالة الملك طبقاً لأحكام القانون رقم 59.23 المحدث للوكالة، عن اتساع نطاق الاستفادة من هذا الورش، الذي أصبح يشمل ملايين الأسر بمختلف جهات المملكة.
وبحسب المعطيات الرسمية، بلغ عدد الأسر المستفيدة من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر نحو 3.9 ملايين أسرة، تضم حوالي 5.5 ملايين طفل وقرابة 1.7 مليون شخص مسن، فيما تجاوز مجموع التحويلات المالية المقدمة منذ إطلاق البرنامج وإلى غاية نهاية سنة 2025، 51 مليار درهم.
ومن أبرز ما يستوقف في هذه الحصيلة أن نحو 60 في المائة من الأسر المستفيدة تنتمي إلى الوسط القروي، مع تطابق كبير بين خريطة الاستفادة وخريطة الفقر متعدد الأبعاد، وهو ما يعكس نجاعة آليات الاستهداف المعتمدة على السجل الاجتماعي الموحد، وقدرة المنظومة على إيصال الدعم إلى من هم في أمس الحاجة إليه، في المناطق التي ظلت لسنوات بعيدة عن أعين السياسات العمومية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الموارد التي جرى توجيهها إلى الأسر المستفيدة، غير أن المرحلة المقبلة تطرح رهانات تتجاوز الدعم المالي، وفي مقدمتها ضمان أثر اجتماعي واقتصادي مستدام لهذه المساعدات.
أثر ملموس على معيش الأسر
وفي هذا السياق، تكتسب نتائج الدراسة الميدانية التي أنجزتها الوكالة بعد ثمانية عشر شهراً من انطلاق البرنامج أهمية خاصة، إذ أظهرت أن الدعم الاجتماعي المباشر بات يمثل في المتوسط قرابة 18 في المائة من دخل الأسر المستفيدة، بينما أكد 87 في المائة من المستجوبين أن الدعم ساهم في التخفيف من القلق المرتبط بالوضعية المالية.
كما كشفت الدراسة ذاتها أن نحو 40 في المائة من المستفيدين يرغبون في الاستفادة من مواكبة تساعدهم على الاندماج المهني، في حين عبّر 77 في المائة منهم عن تطلعهم إلى ضمان تعليم عالٍ لأبنائهم، وهي مؤشرات دالة على أن الأسر المستفيدة باتت تنظر إلى المستقبل بثقة أكبر، وتراهن على الاستثمار في الرأسمال البشري.
وتكشف هذه المعطيات عن تحول في انتظارات المستفيدين، من مجرد الاستفادة من تحويل مالي يساعد على مواجهة تكاليف الحياة، إلى البحث عن وسائل تمكنهم من تحسين دخلهم وتعزيز قدرتهم على الاعتماد على موارد أكثر استقراراً، وهو تحول ما كان ليتحقق لولا انتظام الدعم ووضوح قواعده.
معرفة أدق بالأسر.. خطوة نوعية
ولأن المواكبة الفعالة تبدأ بالمعرفة الدقيقة، أنجزت الوكالة دراسة تحليلية غير مسبوقة مكّنت من تصنيف الأسر المستفيدة ضمن خمس مجموعات رئيسية حاضرة في مختلف جهات المملكة، بهدف تقديم أجوبة تلائم الحاجيات الحقيقية لكل فئة بدل الاكتفاء بمقاربة موحدة.
وتتصدر هذه المجموعات فئة “الأسر الناشئة” التي تضم أزيد من 1.2 مليون أسرة شابة يقودها أفراد في الأربعينيات من العمر ولديهم أطفال صغار، تليها “الأسر عند مفترق الطرق” بنحو 986 ألف أسرة يقودها أفراد في الخمسينيات، ينحدر أغلبهم من العالم القروي ويعيشون مرحلة انتقال ديمغرافي دقيقة.
كما رصدت الدراسة فئة “نساء في وضعية العش الفارغ”، وتضم حوالي 584 ألف امرأة مسنة تعيش بمفردها، وفئة “أفراد دون معيل” التي تشمل قرابة 157 ألف شخص يعيشون وحدهم في مناطق قروية أو شبه حضرية، وهي فئات تستدعي مواكبة خاصة تحفظ كرامتها وتحميها من العزلة والإقصاء.
ويُحسب للوكالة أنها اختارت، من خلال هذا العمل، الانتقال من منطق التعامل مع المستفيدين كأرقام إلى منطق فهم مساراتهم وخصوصياتهم، وهو ما يؤسس لسياسة اجتماعية أكثر إنصافاً وأكثر قرباً من الواقع.
المواكبة.. رهان المرحلة المقبلة
لم يعد نجاح منظومة الدعم الاجتماعي يقاس فقط بعدد الأسر المستفيدة أو قيمة المبالغ المحولة إليها، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بمدى قدرة هذه المنظومة على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمواطنين.
ومن هنا يبرز رهان المواكبة، باعتبارها آلية يمكن أن تساعد المستفيدين القادرين على العمل على الولوج إلى فرص التكوين والتشغيل، أو تطوير أنشطة مدرة للدخل، بحسب مؤهلاتهم ووضعياتهم الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تحسين ولوجهم إلى الخدمات الصحية ودعم التمدرس الناجح لأبنائهم..
وفي هذا الإطار، تعمل الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي على تعزيز حضورها على المستوى الترابي، بهدف تقريب خدماتها من المواطنين وفهم حاجياتهم بشكل أكثر دقة.
وقد شهد شهر دجنبر 2025 إطلاق أول تمثيلية ترابية نموذجية للوكالة بإقليم الجديدة، في خطوة تندرج ضمن توجه يروم تعزيز القرب من المستفيدين وتطوير خدمات المواكبة الفردية على المستوى المحلي، على أن تتعزز هذه التجربة بإحداث تمثيليتين جديدتين بإقليمي سيدي قاسم وتاونات.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة، بالنظر إلى اختلاف الحاجيات من منطقة إلى أخرى، وتباين الظروف الاقتصادية والاجتماعية بين الأسر، وهو ما يجعل القرب من المواطن عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة المواكبة والخدمات المطلوبة.
مخطط 2026-2028.. رقمنة وقرب وإنصات
وفي خطوة تعكس رؤية استشرافية واضحة، اعتمدت الوكالة مخطط عمل للفترة 2026-2028 يرتكز على ثلاثة محاور كبرى، تشمل تطوير نظم المعلومات الخاصة بتدبير الدعم، وتوسيع التغطية الترابية عبر تمثيليات جديدة، وتعزيز آليات معالجة التظلمات والشكايات.
ويتضمن هذا المخطط الشروع، ابتداءً من سنة 2026، في النقل التدريجي لتدبير منظومة الدعم الاجتماعي المباشر من الصندوق الوطني للتقاعد والتأمينات والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى مصالح الوكالة، مع تخصيص سنتي 2027 و2028 لتطوير النظام المعلوماتي وتقوية أمنه، بما يضمن حماية معطيات المستفيدين وتدبيراً موثوقاً للمنظومة.
ومن أبرز مستجدات هذا المخطط، اشتغال الوكالة على تطوير مساعد رقمي ذكي يعتمد تقنيات الذكاء الاصطناعي للإجابة عن الأسئلة الأكثر تداولاً لدى المستفيدين، ولا سيما بالدارجة المغربية، في مبادرة تجسد حرص المؤسسة على تبسيط الولوج إلى المعلومة وتقريبها من مختلف الفئات، بما فيها الأقل إلماماً بالوسائل الرقمية.
دعم يرافق الأسر في الدخول المدرسي
وتكتسي هذه المرحلة من السنة بعداً خاصاً بالنسبة للأسر المستفيدة، إذ يرافقها نظام الدعم الاجتماعي المباشر في مواجهة تكاليف الدخول المدرسي من خلال إعانة “مليون محفظة”، التي تخول 200 درهم عن كل طفل متمدرس في المستوى الابتدائي أو الثانوي الإعدادي، و300 درهم عن كل تلميذ في الثانوي التأهيلي.
ويندرج هذا الدعم ضمن رؤية متكاملة تجعل من الطفولة أولوية، وتربط الإعانة المالية بمتابعة الدراسة، بما يساهم في الحد من الهدر المدرسي وتحسين مؤشرات التمدرس، خاصة في العالم القروي حيث تتركز النسبة الأكبر من المستفيدين.
كما عملت الحكومة على الرفع التدريجي لمبالغ عدد من الإعانات إلى غاية سنة 2026، وصادق مجلس الحكومة في 21 ماي 2026 على مشروع نص يقر منحة استثنائية لفائدة الأسر التي فقدت حقها في الدعم بسبب التصريح بأحد أفرادها لدى نظام الضمان الاجتماعي، وهو إجراء يحمل رسالة واضحة مفادها أن الولوج إلى الشغل المهيكل لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة للأسر.
حماية اجتماعية بأفق اقتصادي
يبدو أن ورش الدعم الاجتماعي المباشر يتجه، مع تراكم التجربة واتساع قاعدة المستفيدين، نحو مرحلة جديدة عنوانها الانتقال التدريجي من منطق التحويلات المالية إلى منطق “الاستثمار الاجتماعي”، وهو ما تترجمه البرامج المرتقبة، ومن بينها “جواز الإدماج” وبرامج مواكبة الطفولة المبكرة.
فإذا كان الدعم المالي يوفر للأسر هامشاً من الأمان ويساعدها على مواجهة جزء من الأعباء المعيشية، فإن المواكبة الاقتصادية والاجتماعية يمكن أن تمنح المستفيدين فرصة أكبر لتحسين أوضاعهم على المدى المتوسط والبعيد.
ويظل التحدي الأساسي أمام هذا المسار هو ضمان فعالية المواكبة وتحويلها إلى خدمات ملموسة، خاصة في مجالات التكوين والتشغيل ودعم المبادرات الاقتصادية، بما يسمح للفئات القادرة على ذلك بالانتقال من وضعية الاستفادة إلى وضعية الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، وهو رهان يتطلب انخراط مختلف الشركاء من قطاعات حكومية وجماعات ترابية ونسيج جمعوي.
وما تحقق إلى حدود اليوم يؤكد أن الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، في ظرف وجيز من عمرها، استطاعت أن تبني مؤسسة ذات مصداقية، تشتغل بمنطق الحكامة والشفافية والتقييم المستمر، وتضع المواطن في صلب اهتماماتها، وتنشر حصيلتها بانتظام أمام الرأي العام.
وبذلك، لا يعود الدعم الاجتماعي المباشر مجرد آلية لتحويل المساعدات المالية، وإنما يصبح جزءاً من تصور أوسع للحماية الاجتماعية، يجمع بين حماية الأسرة في مواجهة الهشاشة، ومساعدتها على بناء مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً، تجسيداً للرؤية الملكية السامية في بناء دولة اجتماعية منصفة ومتضامنة.






0 تعليقات الزوار