هبة بريس – محمد زريوح
مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى المبارك، تخلع حواضر إقليم الناظور وقراه رداء الركود التجاري، لتدخل في غليان استثنائي وحركية صاخبة تقلب ملامح المنطقة رأسًا على عقب.
إنه الحراك السنوي المحموم الذي يتجاوز البعد الديني ليتحول إلى إعصار اقتصادي واجتماعي جارف، حيث تفرض “المهن الموسمية” نفسها كلاعب استراتيجي في الشارع الناظوري، لتعيد رسم خريطة كسب العيش في أسواق المنطقة وأحيائها ( ازغنغان سلوان العروي زايو …)، وسط أجواء تفيض بالإثارة والترقب.
بين ليلة وضحاها، تزحف جحافل التجارة الموسمية لتلتهم الأرصفة ومحيط الأسواق الكبرى بالإقليم، مستغلة الهامش الزمني الضيق الذي يسبق يوم النحر. وتتحول الساحات العمومية إلى معارض مفتوحة على الهواء الطلق، تعرض بضائع لا تقبل الانتظار؛ هنا تتراص أهرامات الفحم الخشبي القادم من الغابات المجاورة، وهناك تلمع السكاكين والسواطير المشحوذة بعناية، إلى جانب حبال القنب وأكياس التخزين، في مشهد يترجم ذروة الطلب الاستهلاكي الذي يفتح أبواب رزق ذهبية أمام مئات الشباب والأسر الطامحة لإنعاش مداخيلها.
وفي جولة ميدانية نابضة بالحياة عبر الشرايين التجارية للإقليم، من قلب مدينة الناظور مرورًا بـ “العروي” ووصولًا إلى أسواق “زايو” و”بني انصار”، يتبدى بوضوح كيف يفرض “اقتصاد العيد” إيقاعه المتسارع.
فالأصوات تتعالى في أسواق الماشية، والغبار يتطاير مع حركة الشاحنات، بينما تحولت فضاءات عرض الأعلاف من تبن وشعير إلى خلايا نحل لا تهدأ، حيث يتسابق الحرفيون الموسميون في اقتناص الزبناء بأساليب تسويقية شعبية تتسم بالذكاء والدعابة، لتقديم كل ما تحتاجه العائلات الناظورية لمواكبة طقوس يوم النحر.
“هذه الأيام القليلة تعادل شهورًا من العمل الرتيب، إنها فرصتنا التي لا تعوض”، هكذا يصرح شاب في مقتبل العمر، وهو يقف وراء كومة من أكياس العلف بسوق العروي الأسبوعي ، وعيناه تراقبان بحدة جيوب المشترين.
ويضيف والرشح يتصبب من جبينه، أن هذا النشاط الموسمي، ورغم ما يكتنفه من مغامرة وتقلبات في الأسعار بفعل تباين العرض والطلب من سنة إلى أخرى، يظل بمثابة طوق نجاة حقيقي وملاذ مالي مؤقت لجيش من الشباب بالإقليم، ممن ينفضون عن كاهلهم غبار العطالة ليتحولوا إلى تجار ديناميكيين يحققون أرباحًا سريعة.
الإثارة لا تتوقف عند حدود البيع والشراء، بل تمتد لتشعل ثورة في “لوجستيك النقل” بجميع المحاور الطرقية للإقليم. فجأة، تصبح الدراجات نارية ثلاثية العجلات (التريبورتور)، والعربات المجرورة، وسيارات النقل “الهوندا” بمثابة الأبطال الخارقين في الشوارع، حيث تخوض سباقًا مع الزمن لنقل الخرفان من الأسواق الأسبوعية نحو البيوت والمداشر وسط زحام مروري خانق وأصوات منبهات السيارات؛ حركية مرورية وتجارية من نوع خاص، يحولها شباب الناظور بذكائهم إلى مصدر ربح يومي وفير يسد رمق عائلاتهم.
أما المفاجأة الأكبر التي تفتقت عنها عبقرية هذا الحراك الاجتماعي بالمنطقة، فهي الطفرة الملحوظة لما بات يُعرف شعبياً بـ “فنادق الخرفان”.
هذه المستودعات المؤقتة، التي يؤجرها بعض الحرفيين في أحياء الناظور وضواحيها، تحولت إلى حل سحري وملاذ آمن تلجأ إليه العائلات التي تقطن شققًا ضيقة أو تفتقر إلى الأسطح والمساحات الكافية لرعاية الأضحية قبل يوم العيد.
إنها تفصيلة صغيرة لكنها مثيرة، تؤكد مجددًا أن عيد الأضحى في إقليم الناظور ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو ظاهرة سوسيواقتصادية تفجر طاقات الشباب وتثبت قدرتهم على تحويل التحديات والمضايقات الحضرية إلى فرص استثمارية ذكية.






0 تعليقات الزوار