الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

دوسلدورف تحتضن ذاكرة زايو.. حين يتحول الحنين إلى مشروع جماعي عابر للحدود

دوسلدورف تحتضن ذاكرة زايو.. حين يتحول الحنين إلى مشروع جماعي عابر للحدود
حجم الخط:

هبة بريس – طارق عبلا

ليست كل المدن تقاس بمساحتها، ولا كل الروابط تختصر في الجغرافيا، زايو، في وجدان أبنائها، حالة خاصة من الانتماء المتجدد، مدينة تتسع كلما ابتعدوا عنها، وتكبر في ذاكرتهم كلما مر الزمن. من هذا المعنى العميق، انبثق لقاء دوسلدورف، لا كحدث عابر، بل كامتداد طبيعي لذاكرة جماعية ترفض الانطفاء.

في الخامس من أبريل 2026، اختار أبناء زايو أن يلتقوا من جديد، قادمين إلى ألمانيا من هولندا وبلجيكا، ومن محطات أوروبية أخرى لم تمنعهم المسافات من حمل نفس الشغف. حتى المغرب كان حاضرا عبر وجوه قطعت الطريق لتكون جزءا من هذا الموعد الذي بات، مع مرور السنوات، تقليدا ينتظر أكثر مما ينظم.

الفضاء الذي احتضن اللقاء لم يكن مجرد قاعة، بل تحول إلى مرآة زمنية، هنا جلس رجال استعادوا ملامح طفولتهم، وهناك تعانقت حكايات المدرسة الأولى بأسماء لم تغادر الذاكرة. على الطاولات، لم تكن الأحاديث عادية، بل كانت إعادة كتابة لزمن جميل، بصيغة الحنين، وبصوت لا يخلو من شجن خفيف.

البداية حملت طابعا رمزيا عميقا، تلاوة قرآنية فتحت باب السكينة، أعقبها نشيد وطني أدي بكامل الوقار، حيث لم يكن الوقوف مجرد بروتوكول، بل تعبيرا صادقا عن تعلق لا يتغير. لحظة الترحم على أحد أبناء المجموعة الذي غادرها إلى دار البقاء، أعادت ترتيب المشاعر داخل القاعة، مؤكدة أن الغياب الجسدي لا ينهي الحضور في ذاكرة الجماعة.

ضمن هذا السياق، حضر البعد المؤسساتي بشكل لافت، من خلال مشاركة ممثلي البنك الشعبي، عبد الإله بنجلون وجمال الشطاري، اللذين قدما إجابات دقيقة ومباشرة على تساؤلات الحاضرين، في قضايا ترتبط بالأموال، والتأمينات، والخدمات البنكية. حضور اتسم بالوضوح والإنصات، ولامس انتظارات فئة واسعة من الجالية الباحثة عن الثقة والشفافية في تدبير شؤونها المالية.

كلمة فريد لمساهلي، رئيس المجموعة، لم تذهب نحو الإنشاء، بل اختارت لغة الأرقام والوقائع، مستعرضا مسار المبادرات الاجتماعية التي أطلقتها المجموعة، ومذكرا بأن العمل الجماعي هو الرأسمال الحقيقي لأي مشروع يستهدف الإنسان قبل كل شيء.

وسط هذا المشهد المتناغم، برز دور العربي المدغري كروح ديناميكية أضفت على اللقاء حيوية خاصة. لم يكن مجرد مسيّر للفقرات، بل كان حلقة وصل حقيقية بين الحاضرين، يجوب أرجاء القاعة حاملا الميكروفون، مصغيا بانتباه لكل تدخل، ومفسحا المجال أمام الجميع دون استثناء. بأسلوبه القريب من القلب، نجح في تحويل النقاش إلى لحظة جماعية مفتوحة، حيث تداخلت الآراء والمقترحات في جو يسوده الاحترام وروح المسؤولية. كلماته، كما حضوره، كانت مشبعة بقيم الغيرة الصادقة على المدينة، وبحب عميق لأبنائها، وبإيمان راسخ بأن المستقبل يبنى حين يجد كل صوت فرصة ليسمع.

في زاوية أخرى من النقاش، برز صوت مصطفى النهاري، الذي لم يكتفوا بالتوصيف، بل قدم تصورات عملية قابلة للاشتغال، واضعا أمام الحاضرين أسئلة دقيقة حول كيفية تحويل النوايا الحسنة إلى برامج ملموسة تخدم زايو وتفتح آفاقا جديدة للتنمية.

الحضور النسوي بدوره لم يكن رمزيا، بل حمل إضافة نوعية، من خلال مداخلة مليكة المريض، التي اختارت أن تضع الكرامة الإنسانية في صلب أي مبادرة تضامنية، مقدمة مقترحات تعكس وعيا عميقا بخصوصية العمل الاجتماعي، وضرورة الابتعاد عن كل ما يمس بكرامة المستفيدين.

إيقاع الأمسية لم يكن ثابتا، تنقل بين لحظات تأمل ونقاش، وأخرى احتفالية خفيفة، تخللتها فقرات موسيقية ومأدبة عشاء، صنعت توازنا دقيقا بين الجدية والود. غير أن أكثر الصور صدقا لم تكن على المنصة، بل في تلك العناقات العفوية التي اختزلت سنوات من الغياب في ثوان قليلة.

ما ميز هذا اللقاء لم يكن فقط حجم الحضور، بل ذلك الإحساس الجماعي بأن كل فرد كان جزءا من نجاحه. التنظيم المحكم لم يأت صدفة، بل كان نتيجة انخراط جماعي واع، جعل من التفاصيل الصغيرة عنصرا أساسيا في الصورة الكبرى.

وقبل أن تنطفئ أضواء القاعة، كان التفكير قد سبق الجميع إلى الموعد القادم. اقتراحات متعددة طرحت، ليس فقط حول المكان، بل حول كيفية تطوير هذا اللقاء ليظل وفيا لروحه الأولى، ومنفتحا في الآن نفسه على آفاق أوسع.

هكذا، يواصل أبناء زايو في المهجر كتابة حكاية مختلفة، حكاية لا تعتمد على الحنين وحده، بل تحوله إلى قوة اقتراح، وإلى فعل جماعي يؤمن بأن المدن تبنى أيضا من خارج حدودها، حين يحملها أبناؤها في قلوبهم أينما كانوا.

0 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

اترك تعليقاً