هبة بريس – أحمد المساعد
تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، افتتح السجن المحلي بوجدة، يوم الأربعاء 25 مارس الجاري، فعاليات الدورة الخامسة عشرة لبرنامج “الجامعة في السجون” (الجامعة الربيعية)، بحضور امحمد العطفاوي والي جهة الشرق، لخضر حدوش رئيس كجلس العمالة، مصطفى بنحمزة رئيس المجلس الجهوي العلمي وفعاليات عسكرية ومدنية.
تأتي دورة هذه السنة تحت شعار محوري: “العقوبات البديلة في المغرب: من أجل عدالة إصلاحية وإدماج فعال”، وهو الموضوع الذي يكتسي أهمية بالغة في ظل التحولات التشريعية التي تشهدها المنظومة الجنائية المغربية، والتوجه نحو تعزيز حقوق الإنسان وأنسنة المؤسسات السجنية.
فقد شهدت الجلسة الافتتاحية حفل توقيع اتفاقيات ثنائية الأطراف بين المؤسسة السجنية بوجدة وعدد من المؤسسات والهيئات الوطنية الفاعلة، لتكون هذه المؤسسات فضاءات رسمية لتنزيل وتنفيذ عقوبة “العمل لأجل المنفعة العامة” كبديل للعقوبات السالبة للحرية.
وتأتي هذه الاتفاقيات، التي أبرمت تحت شعار “جرف المغرب”، لتعكس انخراط قطاعات حيوية في هذا الورش الإصلاحي الكبير، حيث ضمت قائمة المؤسسات الموقعة كلا من المديرية الجهوية للتعاون الوطني لجهة الشرق، نيابة جهة الشرق للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بوجدة، المديرية الإقليمية للتعاون الوطني بجرادة، والمديرية الجهوية للصناعة التقليدية بوجدة.
في كلمته الافتتاحية، نيابة عن المندوب العام لإدارة السجون، أكد سعد عبدالشفيق مدير السجن المحلي بوجدة أن هذا اللقاء يمثل تحولا نوعيا نحو مقاربة تقوم على التأهيل والحد من الآثار السلبية للحبس، مشيداً بالشركاء الجدد الذين “سيسهمون في تحويل مفهوم العقوبة إلى فرصة للإصلاح وإعادة الاندماج الاجتماعي”.
من جانبه، وفي كلمة ألقاها نيابة عن رئيس جامعة محمد الأول، اعتبر الأستاذ زهر الدين الطيبي أن هذه الاتفاقيات تجسد مفهوم “العدالة الإصلاحية” فعلياً، مؤكداً أن الفلسفة الجديدة للعقاب لا تهدف للانتقام، بل ترشيد المال العام وإتاحة الفرصة للمحكوم عليه بتحمل مسؤوليته دون عزله عن محيطه الاجتماعي.
وقد عززت المداخلات القضائية هذا الطرح بمعطيات إحصائية مشجعة، حيث كشف الاستاذ خالد بنكيران، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بوجدة، أن الإحصائيات حتى مطلع عام 2026 أظهرت نجاح نظام العقوبات البديلة، حيث أن إجمالي العقوبات البديلة الصادرة: تجاوز 142 عقوبة، نسبة الامتثال: سجلت نجاحا حيث لم تتعدَّ حالات الإخلال بالالتزامات 31 حالة (أقل من 3%)، اما توزيع العقوبات: تصدرت “عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة” القائمة بنسبة تقارب 45% إلى 50%، مما يبرز الأهمية القصوى للاتفاقيات التي تم توقيعها في هذه الدورة.
وفي مداخلته، اكد الأستاذ مصطفى يرتاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بوجدة، على أن قانون العقوبات البديلة رقم 43.22 يمثل “محطة تشريعيه فارقة”، وأن هذا النجاح الأولي الملموس يشكل حافزا لتوسيع دائرة الشراكات بين كافة الفاعلين المؤسساتيين، وصولا إلى منظومة عدالة جنائية أكثر إنصافاً وإنسانية.
توزعت أشغال الدورة على جلستين علميتين ركزتا على تفكيك النص القانوني واستشراف آليات التطبيق:
الجلسة الأولى: قاربت موضوع “العدالة الإصلاحية والأسس القانونية للعقوبات البديلة”، حيث تناول الأساتذة الجامعيون فلسفة العقوبة في السياسة الجنائية المعاصرة، وقراءة في القانون 43.22، مع تسليط الضوء على الاستثناءات القانونية والبعد الحمائي للفئات الخاصة.
الجلسة الثانية: ركزت على “رهانات الإدماج الفعال” من وجهة نظر ممارسين، شملت دور قاضي تطبيق العقوبات، والنيابة العامة، والدفاع، بالإضافة إلى دور المؤسسة السجنية في تتبع تنفيذ هذه العقوبات لضمان تحقيق غاياتها الإصلاحية.
لم تكن الدورة مجرد نقاش أكاديمي، بل شكلت محطة لتمكين النزلاء، حيث اختتمت الفعاليات بكلمة باسم النزلاء المشاركين، وتوزيع شواهد المشاركة وجوائز تحفيزية على المتفوقين منهم، تأكيداً على دور الجامعة داخل المؤسسات السجنية في التحفيز على المعرفة والتغيير الإيجابي.
واختتم اللقاء بتلاوة التقرير الختامي للدورة، ورفع برقية ولاء وإخلاص إلى السدة العالية بالله، صاحب الجلالة الملك محمد السادس.






0 تعليقات الزوار