طارق عبلا _ روتردام
هي نفحات شهر رمضان الكريم، هي قيم اسلامنا السمحة في بعدها التعايشي التسامحي التعارفي مع بني البشر بمختلف المشارف والثقافات والهويات، هي لحظة إنسانية نادرة، لملمت مغاربة وهولنديين على موائد الرحمن في هذا الشهل الفضيل داخل فضاء تربوي، لترسم صورة مغايرة نادرة واستثنائية عن شهر الصيام في المهجر.
عند مدخل المدرسة الابتدائية في مركز روتردام، كان المشهد مختلفا عن كل يوم، لم تكن أبواب المؤسسة التربوية حينها تستقبل التلاميذ صباحا، بل فُتحت مساء لاستقبال العشرات من الصائمين، في مشهد حول الفصل الدراسي إلى فضاء للقاء والتآخي، جدران كانت تشهد على دروس الرياضيات واللغة، باتت تحتضن موائد الإفطار وتعلوها أصوات التكبير والترحيب.
في هذه الأمسية الرمضانية، نظمت جمعية أطلس فاين نورد حفل إفطار جماعي، في تقليد سنوي لا تخلف الموعد معه أبدا، حيث كل سنة، جدد القائمون عليه العهد مع الشهر الفضيل، ليجمعوا شتات الجالية المغربية حول مائدة واحدة، ويفتحوا الباب واسعا أمام الجيران الهولنديين للاقتراب أكثر من طقوس الإسلام.
ما ميز هذه النسخة من الإفطار، هو التنوع الواضح في ملامح الحضور، فإلى جانب المغاربة والمغربيات الذين توافدوا بكثافة، كان الهولنديون حاضرين بانفتاحهم المعهود، وعلى طاولات امتدت في بهو المدرسة، التفت الأيادي قبل الأطباق، وتبادل الجميع أطراف الحديث بلغة واحدة هي لغة الإنسانية.
جمعية أطلس فاين نورد، التي يمثلها كل من أحمد ديبة وعبد الكبير الراوي، وضعت اللمسات الأخيرة على تنظيم دقيق، جعل الحضور ينساب بسلاسة بين فضاءات المدرسة، فلم يكن الأمر مجرد وجبة طعام، بل محطة متكاملة للقاء والتواصل.
قبيل آذان المغرب، أخذ الإمام عز الدين مراط مكانه في ركن من أركان القاعة، ليعطي الدرس الرمضاني، كانت كلماته تركز على معاني السلم والتسامح في الإسلام، وكيف أن شهر الصيام هو مدرسة للتعايش قبل أن يكون مدرسة للصبر، اختار الإمام لغة بسيطة قريبة من القلوب، تخاطب المغاربة قبل الهولنديين، لتكون مدخلا مناسبا للضيوف غير المسلمين لفهم جوهر الرسالة.
أما سير فقرات هذا اللقاء، فكان من تنظيم وتقديم سعيد أوعزيز، الذي أدار الحوارات بتناغم، وقدم الضيوف الواحد تلو الآخر، ميسرا الانتقال بين فقرات الأمسية.
وفي التفاتة دبلوماسية راقية، كان عبد العالي الكبيطي الإدريسي، قنصل المملكة المغربية بروتردام، حاضرا ليزيد من قيمة الحدث، لم يكتف بهذا، بل اختار أن يخاطب الضيوف الهولنديين بلغة الضاد أولا، ثم انتقل إلى الإنجليزية ليصل إليهم مباشرة، في كلمته، تحدث عن روح رمضان، وعن قيم التضامن والعطاء التي يتميز بها المسلمون في هذا الشهر، مؤكدا أن الإسلام دين سلام وتعايش، وأن المبادرات كهذه هي خير وسيلة لبناء جسور ثقة مع المجتمع الهولندي.
إلى جانبه، حضر القنصل العام المساعد للقنصلية العامة باوترخت، إضافة إلى عدد من الفاعلين الجمعويين البارزين، على رأسهم الناشط المعروف ديبة، الذي لم يفته استغلال الفرصة للالتقاء بأفراد الجالية والاستماع لهمومهم في أحاديث جانبية عفوية.
اللافت في هذه النسخة من الإفطار، كان الحضور الكثيف لممثلي الشرطة الهولندية. ضباط باللباس الرسمي، جلسوا إلى جانب المغاربة، وتناولوا الأطعمة التقليدية المغربية، وشاركوا الحديث مع العائلات، حضور لم يكن أمنيا، بل كان رسالة واضحة على طبيعة العلاقة الجديدة التي تسعى المؤسسات الهولندية إلى بنائها مع الجالية المغربية، صورة بهذا المعنى تزيل الكثير من الهواجس، وتؤكد أن الاندماج الناجح يقوم على الثقة المتبادلة والاحترام.
ومع حلول موعد الإفطار، توقف الجميع عن الحديث، ارتفع الأذان في جنبات المدرسة، فهرع الجميع إلى التمر والحليب، بعدها وفي لحظة روحانية خاشعة، توجه المسلمون من الحضور إلى إحدى القاعات المخصصة للصلاة، هناك اصطفوا خلف إمامهم لأداء صلاة المغرب جماعة، خشوع واطمئنان في القلوب، في فضاء تربوي كان قبل ساعات قاعات دراسية، مشهد يحمل دلالة عميقة عن قدرة الدين على تحويل أي مكان إلى فضاء للروحانية متى اجتمعت النيات.
بمجرد انتهاء الصلاة، عاد الجميع إلى القاعة الكبرى، حيث كانت الموائد قد امتلأت بالأطباق المغربية الأصيلة. لم يكن إفطاراً عاديا- ، بل كان رحلة في عمق المطبخ المغربي. الكسكس بالسبعة أوقار، والطاجين بأنواعه، والبسطيلة المقرمشة، والحريرة التي لا تُفوَّت في ليالي رمضان. رائحة التوابل المغربية عبقت في أرجاء المدرسة، وكأنها دعوة مفتوحة للهولنديين لتذوق نكهة الأصالة.
الجميع جلس على طاولات واحدة. المغاربة والمغربيات، إلى جانب الهولنديين وضيوف من جنسيات أخرى، الأحاديث دارت حول الموائد في مشهد عائلي مميز.
في كلمة قصيرة خلال الإفطار، تحدث مسؤول المدرسة الابتدائية التي احتضنت اللمة المغربية الهولندية، كلمته كانت صادمة في صدقها وبساطتها، قال بحب واضح: “نحن سعداء باستضافة هذه المبادرة، لأننا نريد لتلاميذنا أن يتعلموا ويعرفوا الدين الإسلامي ورمضان عن قرب”. رسالة تربوية بامتياز، تؤكد أن المعرفة هي المفتاح الحقيقي لكسر الصور النمطية، وأن المدرسة،هي الفضاء الأمثل لزرع قيم التعايش منذ الصغر.
ما قامت به جمعية أطلس فاين نورد، بقيادة أحمد ديبة وعبد الكبير الراوي، لم يكن مجرد حفل إفطار عادي، فقد كان محطة سنوية للتلاقي، وجسرا بين الثقافات، وصورة مشرقة عن مغاربة العالم، في زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية والخوف من الآخر، تطل علينا مبادرات كهذه لتذكرنا أن رمضان، حيثما كان، يبقى شهر الرحمة والمودة، وأن المغاربة، أينما حلوا، يحملون معهم دفء مائدتهم وانفتاح قلوبهم.
“هبة ريس” واكبت جانبا من هذا النشاط الرمضاني وأعدت الربورطاج التالي:






0 تعليقات الزوار