الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag
الانتخابات Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flagعنصر القائمة Flag

سنوات لم أعشها.. البقاء على قيد الحياة في عالم لا يعرف الرحمة

سنوات لم أعشها.. البقاء على قيد الحياة في عالم لا يعرف الرحمة
حجم الخط:

هبة بريس – ياسين الضميري

مرت الشهور الأولى، ومعها بدأ الصمت يثقل على نفسي أكثر من القضبان نفسها، في البداية كان الصمت مجرد غياب للكلام، لكن بعد أيام قليلة تحول إلى صديق ثقيل، إلى جدار يحيط بي من كل جانب.

كل ما حولي كان صامتا، وكل ما بداخلي صار صاخبا، أفكار لا تهدأ، أسئلة بلا أجوبة، وحنين يلتهم كل لحظة من يومي.

كنت أرى وجوه الرجال الآخرين أحيانا، لكننا لم نكن نتحدث كثيرا، كل واحد منا كان يعيش مع وحدته الخاصة، مع ألمه الداخلي، مع الخوف من غد لا نعرفه.

تعلمت أن أراقب أكثر مما أتكلم، أن أفهم من خلال الصمت، أن أقرأ الخوف والحزن في عيون الآخرين قبل أن يقولوا كلمة.

حنيني للعائلة كان يشتد مع كل يوم، كنت أتذكر ابنتي الكبرى وهي تتعلم الكلام، الصغرى وهي ترضع على صدر أمها، تساءلت كيف ستكون حياتهما بدوني، كيف سيكبران دون أن يراني، دون أن يسمعاني.

لم تزوراني أبدا، ولم تصلني رسائل منهما، شعرت بأنني فقدت جزءا كبيرا من حياتي قبل أن أبدأ فعلا في العيش خلف القضبان.

في الليل، عندما يهدأ كل شيء، كان الحنين يشتد، كنت أغلق عيني وأسمع أصوات الماضي، أحاول أن أحتفظ بصورة صغيرة من الحب الذي كان يربطني بأسرتي.

أحيانا كان الألم شديدا حتى شعرت أن قلبي سينفجر، لكنني كنت أجلس على سريري، أتنفس ببطء، أحاول ألا أفقد نفسي تماما.

مع مرور الوقت، بدأت أفهم أن هذه العزلة ستغيرني، ليس جسديا فقط، بل نفسيا وروحيا، كنت ألاحظ كيف تتغير نظرتي للحياة، كيف تصبح الأشياء الصغيرة مهمة جدا، كيف يمكن لصوت بعيد أو لمسة بسيطة أن تصبح نعمة، حتى أصغر لحظة فرح داخل الزنزانة كانت كهدية.

في بعض الأيام كنت أخرج إلى الساحة لأتمشى قليلا، أراقب السماء، وأتذكر الحرية التي فقدتها، لم أعد أغضب كثيرا من الآخرين، لم أعد أصر على أن يكون كل شيء كما كان في الخارج.

تعلمت أن أعيش مع نفسي، أن أحاور أفكاري، وأن أبحث عن مساحات صغيرة من الأمل وسط الظلام.

كان هذا الصمت القاسي يعلم الإنسان أكثر من أي حوار أو تعليم، علمني الصبر، علمني قوة العقل، علمني كيف يصبح الحنين قوة داخلية وليس مجرد ألم.

ومع كل يوم كان يمر كنت أشعر أن شخصا آخر يولد بداخلي، شخص يعرف كيف يواجه العزلة، يعرف كيف يعيش بلا عائلة قريبة، يعرف كيف يحافظ على ما تبقى من إنسانيته.

هكذا مضت الأسابيع الأولى، صمت يقتل، حنين يشتد، وأيام تمر ببطء شديد، لم أعد نفس الشاب الذي دخل الزنزانة، كنت أتعلم كل يوم معنى البقاء على قيد الحياة داخل عالم لا يعرف الرحمة، عالم من الصمت والانتظار والتأمل، عالم سيصنع مني إنسانا مختلفا، لكن إنسانا على قيد الحياة رغم كل شيء.

10 تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي الموقع

  1. 1
    سميرة

    هاد المعاناة كتبين قدّاش الحرية نعمة كبيرة

  2. 2
    جواد

    الله يرجع كل واحد لولادو سالم غانم

  3. 3
    عزالدين

    تجربة قاسية ولكن باين فيها قوة داخلية كبيرة

  4. 4
    أحمد

    الصمت مرات كيكون اقسى من اي عقوبة ولكن كيعلّم الصبر

  5. 5
    منير

    التفكير بزاف فالوحدة كيقدر يوجع ولكن حتى ينضج العقل

  6. 6
    أيمن

    الانسان يقدر يتأقلم مع اي حاجة غير الفراق ديال اللي كيبغي

  7. 7
    رؤوف

    الحنين للعائلة هو اصعب حاجة يقدر يعيشها الانسان فالغربة ولا فالحبس

  8. 8
    ليلى

    رغم الالم باين ان الامل باقي عايش

  9. 9
    نهال

    اللي ما دازش من العزلة ما يعرف قيمتها ولا شحال كتبدل الانسان

  10. 10
    شكيب

    كلام كيقطع القلب والوحدة صعيبة بزاف الله يفكها على كل مظلوم

اترك تعليقاً