هبة بريس – ياسين الضميري
بعد عشرين سنة من الحياة داخل الزنزانة، بدأ شعور غريب يتسلل إلى داخلي، شعور لم أعرفه منذ لحظة دخولي هذا المكان، شعور بالحرية المحتملة، فكرة أن الأيام التي سأمضيها في هذا المكان تقترب من نهايتها، وأن العالم الخارجي قد يكون قريبا أكثر مما كنت أتخيل.
لم يكن الأمر مجرد حلم بعيد، بل إحساس متدرج نما معي ببطء خلال الأسابيع الأخيرة، شعور جعل قلبي يخفق بطريقة لم أعد معتادا عليها بعد كل سنوات الصبر والتحمل.
في البداية كان الشعور مخيفا، عشرون سنة داخل الزنزانة ليست مجرد عدد من الأيام، بل حياة كاملة، حياة مليئة بالعادات، الروتين، القيود، والصعوبات، كيف يمكن للإنسان أن يتحرر بعد كل هذا الوقت؟
شعرت بتوتر شديد، مزيج من الخوف والفضول والحنين لما فقدته، شعور بأن الحرية ليست مجرد خطوة إلى الخارج، بل اختبار جديد لكل ما تعلمته داخليا.
بدأت أفكر في الحرية كفكرة، كاحتمال، وأقارنها بحياتي السابقة قبل السجن، قبل عشرين سنة، كنت شابا مليئا بالقوة والعاطفة، عشت كل لحظة بإحساس حاد، وواجهت الأحداث بنزق الشباب، أما الآن، فبعد سنوات طويلة من التجربة، اكتسبت نضجا داخليا، قوة نفسية، صبرا، قدرة على التكيف، وفهما عميقا لنفسي، لكن هل يكفي كل هذا لمواجهة عالم جديد بالكامل خارج أسوار الزنزانة؟
كنت أجلس ساعات أفكر في الأشياء التي سأواجهها، أول ما خطر ببالي هو المجتمع، الناس، الأسرة، الزملاء القدامى، التكنولوجيا، التغيرات البسيطة في الشوارع، المحلات، وسائل الاتصال.
شعرت بأن العالم الذي سأدخل إليه لم يعد كما تركته قبل عقود، شعور بالغربة قبل أن أبدأ خطواتي الأولى، لكن في الوقت نفسه، كان هناك شعور بالأمل، إحساس بأن الحرية، مهما كانت صعبة، ستكون فرصة لإعادة اكتشاف نفسي، لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وللبحث عن حياة جديدة بعد كل سنوات المعاناة.
التحضيرات النفسية كانت صعبة جدا، لم أستطع الاعتماد على أي خبرة سابقة، لأن كل السنوات الماضية عشتها في قيود الزنزانة، وأنا لم أتعلم فيها سوى الصبر والتحمل والتكيف الداخلي، لكن الحرية تتطلب أكثر من ذلك، تحتاج إلى شجاعة لمواجهة الغربة، ووعي للتعامل مع المجتمع الجديد، وقوة لبناء حياة مختلفة بعد سنوات طويلة من العزلة.
شعرت لأول مرة أن علي أن أجهز ذاتي نفسيا قبل جسديا، وأن أي خطأ في التفكير يمكن أن يجعل أول خطواتي خارج السجن أصعب مما أتخيل.
بدأت أدون كل مخاوفي وأفكاري في ذهني، أحاول ترتيبها، تحليلها، التعامل معها واحدة تلو الأخرى، شعرت أن مجرد كتابة كل شعور داخلي يمنحني شعورا بالسيطرة، شعور بأنني قادر على مواجهة هذه المرحلة الجديدة بطريقة واعية.
كانت فكرة الحرية، التي تبدو بسيطة من الخارج، تجربة معقدة جدا داخليا، لأنها لم تكن مجرد خروج جسدي، بل خروج من تجربة امتدت لعقدين، تجربة غيرت شخصيتي وعقلي وروحي.
مع مرور الأيام، بدأ شعور الحرية المحتملة يتحول إلى تحفيز، شعرت بأن هذه المرحلة الأخيرة داخل الزنزانة يمكن أن أستفيد منها بشكل أكبر، كفرصة لإعداد نفسي للخطوة القادمة، بدأت أراجع كل الروتين اليومي، أحاول استثمار كل لحظة، كل تفاعل، كل نشاط صغير داخل الزنزانة كدرس لتحضير نفسي للحرية، شعرت أن القوة التي اكتسبتها طوال السنوات الماضية يمكن أن تتحول إلى وسيلة لإعادة بناء حياتي من جديد.
لكن مع كل هذه المشاعر، كان هناك تردد طبيعي، كيف سأتعامل مع الأسرة؟ هل ستستقبلني ابنتاي أو أصدقائي القدامى بنفس الطريقة؟ ماذا عن المجتمع الذي يمكن أن يرفض شخصا قضى عشرين سنة في السجن؟
كل هذه الأسئلة جعلتني أشعر بالقلق، شعور متناقض مع الحماس، شعور يجعل كل يوم داخل الزنزانة أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنني كنت أعيش تجربة تحضير ذاتي نفسيا وروحيا قبل أي خروج جسدي.
التأمل اليومي أصبح جزءا أساسيا من تحضيري، كنت أجلس لساعات أفكر في نفسي، في حياتي الماضية، في ما فقدته، وفي ما يمكن أن أحققه، شعرت لأول مرة أن الحرية ليست مجرد مكان أو وقت، بل حالة داخلية، شعور بالقدرة على مواجهة كل ما هو جديد مع السلام النفسي والاستعداد العقلي، كل تجربة صغيرة داخل الزنزانة أصبحت جزءا من هذا التحضير، من القدرة على التحكم في نفسي حتى أمام المجهول.
الصداقات والتحالفات التي بنيتها ساعدتني أيضا على التعامل مع شعور الحرية المحتملة، زملائي الذين أصبحوا أصدقاء مقربين شاركوا معي بعض أفكارهم، دعموا بعضهم البعض في فهم هذه المرحلة الأخيرة، شعور بأننا جميعا نتشارك الخوف والأمل في الوقت نفسه، شعرت أن التجربة الجماعية، حتى في لحظة الانفراد النفسي، تمنحك قوة إضافية لمواجهة المجهول.
في النهاية، شعرت لأول مرة أن الحرية المحتملة ليست مجرد حلم بعيد، بل مرحلة تحتاج إلى التحضير العميق النفسي والعقلي، شعور متناقض بين الحماس والخوف، بين الأمل والقلق، بين الحنين للماضي والتطلع للمستقبل.
شعرت أن هذه اللحظة، قبل الخروج بشهور قليلة، هي الأهم في حياتي داخل الزنزانة، لحظة تعلمت فيها أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل قبل أن تبدأ من الخارج، وأن أي خطوة خارج الأسوار تحتاج إلى القوة الداخلية، الوعي، والنضج الذي بنيته خلال كل هذه السنوات.
-يتبع-






الخروج للحياة من جديد كيكون صعيب ولكن الأمل كيبقى موجود ديما
الحرية الحقيقية كتبدا من داخل الإنسان قبل أي مكان آخر
قصة مؤثرة كتبين قداش الحرية ماشي غير باب كيتحل ولكن حالة نفسية خاصها استعداد
الإنسان قادر يعاود يبني حياتو حتى من بعد سنوات صعيبة
التجارب القاسية كتخلق نضج وقوة داخلية ما كيحس بها حتى واحد
عشرين عام فالسجن ماشي سهلة والإنسان كيتبدل بزاف خلال هاد المدة
كل نهاية صعيبة ممكن تكون بداية جديدة مليئة بالأمل
الصبر اللي تعلمو فالسجن يقدر يكون قوة كبيرة فالحياة الجديدة
التفكير والتأمل اللي دار الكاتب كيبين قداش الإنسان كيقدر يفهم راسو أكثر
القصة كتعلمنا أن التغيير ممكن حتى من بعد أخطاء الماضي
اللي عاش الألم وعرف الصبر يقدر يعيش الحرية بقيمة أكبر
المجتمع خاصو يعطي فرصة ثانية لأي واحد بغا يبدأ من جديد
الخوف من المجتمع طبيعي ولكن مع الوقت كلشي كيولي أسهل
العائلة والدعم النفسي مهمين بزاف باش يبدأ صفحة جديدة
اللي عاش تجربة العزلة كيعرف قيمة الحرية الصغيرة قبل الكبيرة