سابقة.. رجل سلطة يكسر حاجز الصمت

لبنى ابروك-هبة بريس

لم يعودنا رجال السلطة الكشف عن مسارهم المهني، وإخراج ما احتفظت به ذاكرتهم من وقائع وأحداث للعلن، لكن عبد الرحمان عشور رجل السلطة، اقتنص فرصة توليه مسؤولية مدير الإذاعة الوطنية من 1986 إلى 2003، ليرتدي جلباب الإعلامي ويخرج بمؤلف حمل عنوان رجل سلطة بالإذاعة، يحكي بأسلوب واقعي وموثق الأحداث والوقائع التي عاشها خلال هذه التجربة الفريدة من نوعها في تاريخ المغرب، والتي وصفها في كتابه بالاستثنائية.

رجل سلطة في الإذاعة، الذي جاء في أكثر من أربعمائة صفحة وزعت على عشرين فصلا بالإضافة الى عدة ملاحق، لم يقتصر على سرد مسار مهني لرجل نقل من مقر وزارة الداخلية الى قطاع الاعلام في ظرف سياسي عصيب، بل يجول بالقارئ في مختلف دروب وتشعبات المشاكل الإدارية والمالية والإنسانية لمؤسسة إعلامية ليزيل الستار عن معاناة العاملين في هذه الدار وظلت رغم أهميتها ضحية صراعات سياسية وحسابات شخصية ضيقة، ساهمت بشكل كبير في جمود، بل وتدهور أوضاع العاملين فيها، سواء كانوا صحفيين أو تقنيين أو موسيقيين أو ممثلين.

ولإعطاء فكرة عن الوضعية التي وجد عليها الإذاعة سنة 1986، خصص فصلا تحت عنوان جولة عبر المرافق الإذاعية، للحديث عن وضعية المكاتب والبنايات كما وقف عليها آنذاك، ويجعل القارئ يرافقه في جولته هذه، ليتعرف على واقع المشرفين على الأقسام والمصالح الإذاعية.

ورغم تأكيده أن الهدف من إصداره هو التدوين وليس التأريخ، فإن الكتاب يعتبر بامتياز وثيقة تؤرخ لزمن إذاعي له ما له وعليه ما عليه واسال الكثير من المداد على صدر صفحات الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها، انه بكل تأكيد زمن مضى ولن يعود.

وما يميز كتاب عبد الرحمان عشور، الذي أنهى مساره الإداري كعامل مكلف بالاتصال، بعد أن قضى 17 سنة مديرا للإذاعة، هو رصد المؤلف لما جرى في مكاتب مغلقة لمسؤولين كبار وتطرقه لخبايا الأحداث الكبرى عاشها المغرب، كرحيل الملك الحسن الثاني واقالة ادريس البصري وزمن التناوب. وتفجيرات 16 ماي الإرهابية. لن ندخل في تفاصيلها كي نترك للقارئ فرصة قرائها من مصدرها كما تطرق اليها المؤلف.

و استعار عشور عنوان كتاب السياسي المصري خالد محي الدين اليوم آن لي آن أتكلم، لأول فصل في كتابه، لكنه استدرك الأمر حين قال في الصفحة 13: سأحاول البوح بما هو ممكن، وأعترف أنني ترددت في الكشف عن بعض الأمور، فقررت أن أتركها ضمن الاسرار التي يحفظها سجل التاريخ … انه اعتراف صريح من رجل السلطة، أنه لم يبوح بكل ما اختزنته ذاكرته من وقائع وأسرار، فكشف الممكن واحتفظ بغير الممكن وتركه للتاريخ، كما أوفى بما التزم به، ألا وهو عدم التشهير بأحد. أو تصفية حسابات مع أي شخص حتى من أساء اليه عن أو غير قصد.

كتاب رجل سلطة كسر فعلات حاجز الصمت، وهي سابقة من نوعها بكل المقاييس، رغم أنه حصره في سنوات الزواج القسري بين الاعلام والداخلية. زمن لم يكشف بعد عن كل اسراره واولها سر قرار الملك الراحل الجمع بين الاعلام بالداخلية، حرية التعبير والابداع بالانضباط وابتلاع اللسان.

ما رأيك؟
المجموع 30 آراء
3

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق