الشباب والفعل السياسي في المغرب بين رهان المشاركة وأسس التفعيل

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

بقلم _ سعيد بلفقيه _

لا يختلف إثنان على كون أن المشاركة السياسية معلما من معالم المجتمعات المدنية الحديثة بمرجعية العقد الإجتماعي الذي رافق الحياة البشرية منذ عقودٍ خلت. فبناء الدول لم يعد فقط مرتهنا في أقصى تجلياته بمدى احترامها لهذا المبدأ كصورة من أرقى التعبيرات الديمقراطية، بل إن الأمر يتجاوز هذا المعطى كآلية، ليعكس درجة انخراط هذه الدول في أجرأة أهم مرتكز للديمقراطية وهو تمثل منظومة حقوق الإنسان في المعيش اليومي كنتيجة، هذه المنظومة التي أضحت من أهم معايير قياس مدى احترام الدول لمواطنيها ومدى جعلهم محور سياساتها وخططها المجتمعية بما يسهم في تكريس الديمقراطية الحقة المرتكزة على أسس المواطنة والحرية المسؤولة والمساواة في الحقوق والواجبات وفصل السلط والعدالة الإجتماعية، علما بأن كل هذه الأسس تصب جلها في تعزيز احترام كرامة الإنسان وتوفير شروطها لكل أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو العقائدية أو الثقافية أو الطبقية أو غيرها. وبالرغم من كون أن للديمقراطية نماذج متعددة تختلف باختلاف الأنظمة الحاكمة ،فإنها تقوم كلها على أساس المشترك الإنساني وتتقاسم مبدأ المشاركة السياسية كشكل من أشكال تدبير الشأن العام في صنع وتنفيذ ومراقبة السياسات العمومية، ويبقى الإختلاف في مدى التنزيل العملي لهذا الحق من دولة إلى أخرى ومن حقبة زمنية إلى أخرى ارتباطا بمدى توفر الظروف التي تتيح المشاركة أو تقييدها، وعلى مدى اهتمام المواطنين بالشأن العام والإقبال على الإسهام فيه.

وإذا كان الإقبال على المشاركة السياسية مطلب ومطلوب من طرف جميع الفئات المجتمعية، فإن أبرزها أكيد هي فئة الشباب. فهذه الفئة لها من الخصائص ما يبوؤها تلك الأهمية، فهي المتميزة بكونها ذات حمولة فكرية مجدِّدة ومتجددة، وتوفُّرها على الطاقة والحيوية وعلو الهمة والقدرة على العطاء والبناء والطموح في سبيل تحقيق الغايات والمرامي، ورفض الإستسلام والقدرة على التطور والتطوير إلى غير ذلك من السمات التي تؤهلها إلى تقدم مصاف مكونات المشاريع النهضوية والمرتكزات السوسيوتنموية، ما يستلزم ضرورة وضعها على رأس أولى أولويات المخططات الإستراتيجية لراهن ومستقبل كل الأمم.

وارتباطا بما سلف بسطه، فإن رهان الشباب والمشاركة السياسية أضحى يكتسي طابعا جوهريا في صلب اهتمامات صناع الحياة العامة. ففي الأمس القريب، وفي الوقت الذي كان الإعتقاد سائدا في المجتمعات العربية على الخصوص حول سلبية الشباب وتموقعهم الهامشي للحياة المجتمعية وعدم اكتراثهم لحالها وأوضاعها في شتى مناحيها، فقد أبان الربيع العربي عن علو كعب هذه الفئة بعدما تمكنت من وضع حد فاصل بين الصفات السلبية التي أُلْصِقت بها طيلة عقود، وبين إمكاناتها ومؤهلاتها في قلب موازين الحياة السياسية. وهذا راجع بالتأكيد لتفعيل مبدأ المشاركة السياسية الذي ظل بعيد المنال عنها، إما لأسباب موضوعية المتمثلة في التضييق والإبعاد أو التغييب الممارس من طرف الفاعلين السياسيين والحزبيين، أو ذاتية والمتجسدة في العزوف وعدم الإهتمام بالشأن السياسي من طرف الشباب أنفسهم. فإذا كانت الحصيلة السياسية للثورات العربية تركزت حول تغيير أنظمة حكمٍ حكَمت عليها الشعوب الثائرة بالزوال أو التغيير، فقد عملت كذلك على صياغة بطاقة تعريف جديدة للشباب كقائد لهذه الثورات بحصيلةٍ قِيميِّةٍ كونه شباب ذو صفات قيادية ومُـــلم بأوضاع بلده بتأثير وتأثر متبادلين، وقادر على الفعل الإيجابي في البناء ومجابهة مُـثبِّطات التنمية والإقلاع النهضوي لبلده. ولعل الراصد للحركات الشعبية التي عرفتها بلدان الإحتجاج، يسجل الدور الريادي للشباب في القيادة والتخطيط والتنفيذ وتصدر خطوط المواجهة ،وهذا ما يجعلنا نجزم على كون حرمان هذه الفئة من التعبير عن ذاتها وممارسة حقوقها كان من الأسباب التي دفعت بها إلى ثورتها ورفضها لكل أشكال التضييق والقمع والتهميش والإقصاء، الشيء الذي يجعلنا نفكر في كيفية تفاعل هؤلاء الشباب مع تلك الأحداث فيما لو توفرت لهم ظروف المشاركة في صنع القرار السياسي المرتبط بالشأن العام، وهذا ما يحيلنا على نماذج الأنظمة التي آمنت بأهمية فئة الشباب وتماهت مع متطلباتها وانتظاراتها، كالنموذج المغربي الذي سعى في السنين الأخيرة إلى مواجهة العزوف السياسي واللاتسيس الشبابي.

إن الشباب المغربي يمثل الشريحة العمرية الأوسع في الهرم السكاني، وهو التواق إلى خدمة بلده من خلال حضوره الفاعل في المجتمع المدني وضعف هذا الحضور أو غيابه أو/وتغييبه في الهيئات السياسية والحزبية، والأكيد أن عزوفه عن الشأن السياسي والمشاركة في الحياة السياسية له آثار سلبية على إذكاء حس المواطنة وإعداد الخلف. هذا العزوف تتبدَّى ملامحه في عدد المنخرطين في الهيئات السياسية والمساهمة في الحملات الإنتخابية أو القيام بواجب التصويت، فهذه العناصر الثلاث كمظاهر للممارسة السياسية عرفت تراجعا قويا كانت أبرز تجلياته ضعف التصويت في الإستحقاقات الإنتخابية الأخيرة، حيث شكلت هذه المحطة بوادر طلاق بين الشباب والسياسة وكشفت عن النفور الكبير بينهم وبين السياسة وأخواتها شأنهم في ذلك شأن باقي الفئات المجتمعية، وهذه المحصلة لم تكن سوى نتيجة عوامل كان لها وقعا كبيرا على نفور الشباب من الممارسة السياسية وعزوفهم عنها نجد على رأس لائحتها غياب الديمقراطية الداخلية في التنظيمات والأحزاب السياسية بالإضافة إلى هيمنة العلاقات الأسرية والعائلية،علاوة على شيخوخة بعض الزعماء الحزبيين وتمسك بعضهم الآخر بالقيادة وتوريث المناصب وعدم منح الشباب الفرصة لفرض ذواتهم في مختلف الإستحقاقات الإنتخابية، وهذا ما أسهم بشكل قوي في تعريض الشباب إلى اكتساب داء فقدان الثقة بينهم وبين الفعل السياسي .بدأت أعراضه تتفشى في صفوفهم بشكل جلي دفع إلى ضرورة التعجيل بتوفير الشروط الملائمة للرفع من منسوب الممارسة السياسية لديهم وربطهم بها.

وبالفعل، ووعيا بهذا المعطى السوسيوسياسي، فإن المبادرات التي اتُخذت في هذا الشأن جعلت المتتبعون للشأن السياسي المغربي يُـجمعون على توافر بعض من شروط المشاركة السياسية للشباب، وذلك عبر تثمين المبادرة الملكية في خفض سن التصويت إلى 18 سنة، اتساع مجال الحريات العامة وحرية التعبير، ترسيم تمييز إيجابي متمثل في اعتماد كوطا للشباب في الغرفة الأولى للبرلمان(بالرغم من الإنتقادات الموجهة لهذا التمييز)، واعتماد دستور 2011، الذي أقر عدد من المكتسبات التي نحت إلى تكريس إنسانية الإنسان المغربي وحقه في العيش الكريم من خلال التنصيص على مجموعة من الحقوق من بينها السعي نحو إدماج الشباب في شتى مناحي الحياة وإشراكه في صنع القرار العمومي، وتمكينه من مؤسسة تُعنى بقضاياه وهي المجلس الإستشاري للشباب والعمل الجمعوي.

وبالرغم من أهمية كل هذه المكتسبات، فإن الرفع من منسوب المشاركة السياسية في صفوف الشباب يبقى رهينا بالمزيد من الإجراءات الكفيلة بتشجيعهم على ذلك من قبيل :

* تعزيز التربية على المبادئ الديمقراطية في مختلف مؤسسات المنظومة التنشئوية (الأسرة،المدرسة، المخيمات التربوية ،دور ومراكز الشباب،الإعلام …)،

* فتح آفاق تداول ديمقراطي مفتوح على الولوج لمواقع السلطة ومراكز القرار والفعل العمومي،

* العمل على تأسيس برلمانات شبابية جهوية ومحلية كفضاءات للتربية على الفعل التمثيلي والتداول حول انتظارات وطموحات الشباب،

* تنظيم دورات تكوينية لتأهيل وإعداد القادة الشباب،

* تخصيص برامج إعلامية تُعنى بقضايا الشباب ذات عمق هوياتي ومواطناتي.

وعلاوة على ذلك، واعتبارا لكون الأحزاب السياسية آلية من آليات تفعيل المشاركة السياسية للشباب، فقد أضحى لا مناص لهذا الفاعل المجتمعي من تجاوز النظرة التقليدية للشباب كفئة لا تصلح إلا لتأثيث المهرجانات والتجمعات الخطابية وكونهم أرقاما انتخابية ليس إلا، وتجاوز عقدة صراع الأجيال وتعويضها بنظرة التكامل والتداول برفع الطوق الأبوي والعقلية الأبيسية والوصاية الفكرية عنهم، بالإضافة إلى ضرورة تجويد العروض السياسية وتمُثُّــلها لانتظارات الشباب من خلال البرامج و المخططات المسطرة بفتح قنوات الحوار والتواصل الدائم بينهم وبين المجتمع الحزبي وصناع القرار العمومي واعتماد منهجية أفقية بإشراكهم في وضع تلك التصورات والعروض والبرامج السياسية التي تعنيهم عوض المنهجية العمودية التي ترتكز على جاهزية البرامج الشبابية وتنزيلها دون إشراكهم في وضعها، حتى لا تسقط في مقولة “غاندي” القائلة ب : ” كل شيء لي بدوني فهو ضدي”، حيث يمكن اعتبار هذا المعطى واحدا من مسببات النفور السياسي للشباب.

وعلاوة على الجسم الحزبي، هناك دور المجتمع المدني لما يلعبه من أدوار مهمة داخل الهندسة العامة للمؤسسات المجتمعية، باعتباره فضاءا لتكوين وإعداد النخب والكفاءات والطاقات الشابة التي من شأنها أن تشكل خزانا للفعل السياسي، علاوة على تموقع مكوناته كهيئات تقريرية بمرجعية دستورية تعمل على تطعيم المشهد السياسي في شتى مناحيه بما يسهم في تحديث السياسات العمومية.

ومن جهة أخرى ،فإذا كان الشباب الركن الأساس لهذا الموضوع، فقد بات من الأفيد له الإحجام عن مقاطعة الفعل السياسي والحزبي، والعمل على مجاراة المبادرات الرامية إلى تعبيد الطريق له لممارسة سياسية فاعلة وناجعة، وأن يتحرر من منطق العزل الذاتي والإقامة الجبرية الإختيارية على هامش الحياة السياسية، والتخلص من التقوقع في أدوار هامشية والإنتقال من الدائرة الضيقة كمفعول له إلى الفضاء الواسع للفعل والتفاعل بالإنخراط في الهيئات السياسية بما يتناسب ومرجعيته وقناعاته الفكرية ورؤاه السياسية، وأن يسعى إلى الإسهام في تخليق الحياة السياسية ومجابهة الريع السياسي بفرض آراءه وتصوراته ومؤهلاته، وأن يؤمن بأن المشاركة السياسية ليست امتيازا أو عطية يستجديها من جهة ما، بل هي حق يكفله جميع المواثيق والصكوك الدولية ليساهم في تنزيل المكتسبات الدستورية في هذا الجانب، ويسهم عمليا في تحصينها والرفع من رصيدها. وبهكذا أسلوب،

وإجمالا، يمكن الجزم بأن الرهان على الشباب رهان على المستقبل، وصنع المستقبل لا يستقيم إلا على مكتسبات الحاضر برؤى استشرافية ومستدامة، لذا وجب العمل على تقريب المسافة بين الشباب باعتبارهم من المفترض أن يتموقعوا في المستقبل المنظور كصناع للحياة السياسية، وإعادة تجسير روابط الثقة بينهم وبين الفعل السياسي لتسهيل عملية ولوجهم واندماجهم في معترك الممارسة السياسية وفسح المجال لانخراطهم وتمرسهم على تدبير دواليب الحياة العامة وتمكينهم من مراكمة وترصيد التجارب والخبرات عبر تيسير وتعزيز وتوطيد مشاركتهم السياسية وبالتالي تعبئة السواعد واستنهاض الهمم والطاقات الشبابية لكسب الرهانات السوسيوتنموية لبلادنا.

ما رأيك؟
المجموع 0 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

تحميل المزيد في أراء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً

أقلام مولعة بالصيد في المستنقعات !

قضايا أشخاص أم قضايا جهات ؟ يلاحظ الرأي العام المغربي أننا أصبحنا نعيش على وقع زوابع إعلام…