محلل : كنز سرغينة، دليل على صبيانية الفكر المغربي

الدكتور جواد مبروكي

الفكرالصبياني يعجب بالأساطير لأنها تغذي خياله وتسمح له حسب التحليل النفسي أن يحقق فيها كل الإحباط الذي يتعرض له يوميا بحيث يأخذ دائما دور بطل الأسطورة. ومع نموه،  يدرك الطفل تدريجيا الواقع ويدرك كذلك أن كل الأساطير كانت مجرد استعارة.

يصدق الطفل في بداية الأمر القَصّاص ويعتبره من شخصيات الأسطورة وهو على حق، ولكن عندما يكبر يدرك أن القصاص ما هو إلا حاكي للقصص وتتحول علاقتهما إلى علاقة ناضجة عقلانية.

ولعل الاعتقاد بشخصيات الجن والملائكة والشياطين واليد الزهرية وعلاقتها بالعثور على الكنوز، وكذلك بالسحر والمعجزات كحقائق مادية وواقعية، لدليل على صبيانية فكر المغاربة والعرب، حيث لا يفرقون بين الخرافات والاستعارات والواقع ولا زالوا يصدقون القَصّاصين وهذا راجع لعدة أسباب:

1- تصديق الاستعارات الميتافيزيقية من خلال الدّين

أ- عدم تطور الدّين وغياب إعادة قراءة النصوص

عند ظهور الديانات السابقة كان الإنسان أميا وجاهلا وأتى الدين لتربيته وتحويله إلى إنسان ناضج. وكانت الإنسانية آنذاك صبية، ولهذا شخصت النصوص عدة مفاهيم في قالب مادي، مثل الجن والشيطان والنار والجنة والملائكة. وفي عصرنا كان يجب أن ندرك أن كل هذه المفاهيم ما هي إلا استعارات! فمثلا الشيطان ما هو إلا الجانب الحيواني التكويني عند الإنسان، والملائكة ما هي إلا الجانب الروحاني والذي يجب تطويره بالاقتراب من الخالق عن طريق الدين. أما الجنة ما هي إلا حالة ودرجة نمو الروح باقترابها من الحبيب وجهنم تعبر عن ابتعادها عن الله. وخلال ظهور الديانات لم يكن من استطاعة الإنسانية وهي في سن صبياني أن تدرك هذه الحقائق الميتافيزيقية وكان لا بد من تشخيصها في قالب مادي.

ومع الأسف لا زال الناطقون باسم الدين، يتحدثون ويقصون أشياء خيالية وبتفاصيل دقيقة تجعل الإنسان العربي يُصدق الخيال بطريقة سحرية وخصوصا أن هذه القصص شبه مستوحاة من النصوص الدينية فيصبح الخيال حقيقة مطلقة. وهذا ما يجعل المغربي يصدق كل ما هو خيالي وسحري.

ب- المعجزات

كل الديانات تسرد عدد من المعجزات السحرية ولكن هذه المعجزات كانت لها مصداقية في زمانها ومن الناس الذين عاشوها. فكيف لنا أن نصدق ما لم نراه؟ ولكن بما أن المعجزات تلبس لباسا دينيا فقد تصبح حينئذ حقيقة. ومن هنا يُصدق المغربي كل ما هو خيالي وغامض وبالتالي يؤمن باليد الزهرية والكنز المستور وبالقدرة الخارقة لحامل الكتاب، وبالراقي وبالسحر وبالشعوذة والمس وقدرات البخور.

ج- الأمية وغياب الفكر النقدي

عاملان أساسيان على صيانة الذهن الصبياني واعتماده وارتباطه الدائم  بالقصاص.

د- القَصّاص و”لْ فْقيه”

إذا لاحظتم، في أي جمع ديني يكون حديث الواعظ ممتلئً بالقصص الخيالية التي تبهر الجمهور. ونعرف أن القصص السحرية والخيالية تغذي الخيال وتنوم الفكر النقدي. وهكذا أصبح لا فرق بين القصاص الذي يحكي حكايات سحرية والواعظ الذي يحكي كذلك قصص خيالية من معجزات وسحر وشياطين وملائكة وعفاريت وجنة وجهنم ويصدقها الجمهور الراشد بفكر صبياني مادامت قصص الواعظ ترتدي جلباب الدين.

2- كنز سرغينة وعلاقته مع الأساطير الدينية

كل ما ذكر أعلاه يبرهن على أن الفكر المغربي لا زال صبيانيا وقابلا لتصديق كل الخرافات بحلية دينية. وبما أن المغربي يؤمن ماديا بالمعجزات وبالمستور وبأن كلمة الله قادرة على تحول التراب إلى ذهب ( التحويل هو أن كلمة الله، تغير الإنسان المادي إلى إنسان روحاني)،  يجد القصاص (النصاب) الأرضية مستعدة للتصديق بمعجزاته خصوصا وأنه يستعمل نصوصا مقدسة.

مع الأسف لو تطور الدين، وأعاد الأخصائيون من كل العلوم قراءة النصوص، وأصبح الخطاب الديني خطابا يطابق العلم وبعيدا عن كل الأساطير، لمَا رأينا المئات من المغاربة في سرغينة يبحثون عن الكنز المستور!

ولو كان التعليم إجباريا مع تلقين الفكر النقدي، لاختفى الرقاة والمشعوذين والعلاج بالبخور و”الكْوّاية” ورأينا وطننا يتقدم إلى حضارة إنسانية ناضجة ومثقفة!

الدكتور جواد مبروكي، خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

 

 

  

 

 

ما رأيك؟
المجموع 16 آراء
6

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

‫9 تعليقات

  1. بمجرد قراءة الأسطر الأولى للمقال، عرفت أنه طبيبنا النفسي المبروكي. يبدوا أن طبيبنا يحتاج أيضا لطبيب، فهو يعيش صراعا داخليا بين التخلي عن دينه وقيمه أو القناعة بها، وهذا غالبا ناتج نشئته في أسرة محافظة ولو لم تكن متدينة، غير أن التعليم الالحادي بغزعبلات ماكس وفرويد قد أثر فيه التأثير الكبير.
    على طبيبنا التفكير بشكل علمي ومجرد وبعمق وحياد في صدق رسالة الاسلام وأنها الحق، وكونه لا يزال متعلقا به دليل على أن الخير ما يزال في قلبه، ولا ينجر وراء أساطير وخرافات الجدات التي ما يزال يؤمن بها وعامة الناس على اختلاف مستوياتهم العقلية والمادية ، فهو يسقطها على الدين. وشتان بين الحق الذي يبين الحق بالدليل والآيات والبراهين، وبين الخرافة التي يصدقها الناس بالأقاويل، وبين الملحد الذي يتحدى قوانين المنطق ويجزم أن الكون خلق نفسه بنفسه من عدم .

    (قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة الانعم الاية 71

  2. مقال ضعيف همه التشكيك في الإسلام ونشر السموم وتدمير الأخلاق وغسل الأدمغة باستعمال أي وسيلة إعلام ذاع سيطها، كما فعلت سابقا في القاذورة متجمع الملحدين “هيس زززززز…….”،وأدعو هذه الجريدة الى تفادي مثل هذه الاصوات التي تستغل الحرية لنشر الفساد والفتنة

    كنز سرغينة نتيجة فقر وجهل بالدين وأمية، ولو حرمت المال والعلم لصنعت نفس الشيء ولو حرمت الاسلام لوحده لصنعت نفس الشيء. لذا بدون فلسفة الأسباب واضحة، وأنت ترى القضية من نظارات مكشوف لونها وصورتها وواضح أهدافها

  3. الدكتور ألقى على عاتق الخطاب الديني كل المسؤولية, والحقيقة أن من ذهب لسرغينة هم أميون وأصحاب تعليم متواضع و وسط اجتماعي متدني وسواء وجد خطاب ديني أو لم يكن هناك أي دين مطلقا ستكون النتيجة واحدة لأن السبب هو التخلف بشكل عام الذي يقود للإيمان بالخرافات, فحتى المجتمعات المتخلفة الغير اسلامية (الافريقية والآسيوية …) التي لا تتبع أي ديانة ابراهيمية تجد لديها خرافات يندى لها الجبين لأن الإنسان المتخلف سيخترع الخرافة سواء وجد دين أم لم يوجد…

  4. حتى الشعوب الغربية يتم خداعها بسهولة وأضخم قصص الخداع في التاريخ وقعت في الغرب كخدعة بونزي، وحصان طروادة، والإستيلاء على أموال البريطانيين من طرف آل روتشيلد إبان الحرب، وتسمية البنك المركزي في أمريكا بالفيدرالي مع أنه لا تتدخل فيه الدولة أبدا ولاتراقبه ، ومؤخرا ظهر المحتال برنارد مادوف وهو اكبر محتال في التاريخ على الإطلاق، ولا ننسى إعلان بنك ليمان برادرز إفلاسه في ٢٠٠٨ بكل بساطة وضياع آلاف المليارات دون تدخل الدولة لأن المواطن لاقيمة له في الغرب٠٠٠٠ لا تقبلو يا مسلمين بمن يقلل من شأنكم وتاريخكم فالله معكم مادمتم مع القرآن والسنة٠

  5. هاد الطبيب قلبو عامر …كان ينتظر بفارغ الصبر حادثة مثل هذه ليطعن في الدين

  6. ادا كانت الجنة والنار والشيطان والملائكة عبارة عن مفاهيم وقصص خيالية فهل القران الكريم الدي اقر بهده الاشياء وفسرها داخل في خانة المفاهيم والقصص الخيالية ام خارجها وبريء منها وهل يحق ومن باب المنطق ان يستوي المؤمن والكافر عند الله والمطيع والعاصي هل يستحقان نفس الجزاء يعيدا عن الدين فولدي المطيع الدي لا يتوانى في اي طلب فاني افضله على العاصي الدي لا يلبي ولا يعول عليه

  7. الفكر الخرافي متغلغل بشكل مخيف في مجتمعنا المتخلف فمن خلال التعاليق تجد أن الخرافة و التطرف هما سبب وجود و مستقبل هذا المجتمع . صاحب المقال يدعوا الى الفكر النقدي . فتفكير المغاربة محدود جدا فما حدث في بولمان يظهر مدى تخلف و الإنحطاط الفكري البسيط جدا لهذا المجتمع و ما بالك أن يكون لديهم فكر نقدي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق