لحظات قُبيل العيد…سباق مع الزمن ونرفزة بالطرقات

محمد منفلوطي_هبة بريس

قبيل العيد بساعات، جموع المواطنين تشد الرحال نحو الشوارع بحثا عن مستلزمات الكبش، هذا الأخير الذي يتابع تحركاتنا بطرف خفي، وكأنه يحاول أن يخفف من روعنا وجشعنا في ادخار المأكولات والمشروبات، وكأن لسان حاله يريد أن يخاطبنا قائلا: ” وأنتما غير بشوية مالي غادي نهرب…”.

قبيل العيد بساعات…حركة غير عادية، وسرعة قصوى نحو نقطة الوصول، الكل ينتظر اللحظة التي ستجمعه مع باقي أفراد أسرته على موائد العيد السعيد لتقاسم التهاني والتبريكات، والتلذذ  بما طاب من طعام الشواء والشاي المنعنع على نغمات الدفء العائلي، لكن في المقابل، نجد فئات أخرى محرومة من هذا الدفء، من جنود الخفاء والعلن، كرّسوا حياتهم كلها خدمة للبلاد والعباد بنوع من نكران الذات، انخرطوا جميعا في تقديم مختلف الخدمات منها الطبية والإدارية والأمنية وغيرها، تضطر معها أسرهم وعائلاتهم بدورها إلى تأجيل نشوة الاحتفالات العائلية إلى حين انهاء عملهم.

الكل يسابق عقارب الساعات…طرق سيّارة امتلأت عن آخرها، وأخرى وطنية وجهوية واقليمية نالت نصيبها من الاكتظاظ ذاته، أمنيون ودركيون انتشروا بها يسهرون على تسهيل الحركة بها حفظا للنفس والمال…تركوا لحظاتهم الجميلة رفقة عائلاتهم وأسرهم، وحرموا أنفسهم من نشوة العيد وانشغلوا بخدمتنا والسهر على أمننا…لهم منا ألف شكر وتقدير

 

الكل يسابق الزمن وكأن لسان حالهم يردد ” جري عليا نجري عليك”، مراهقون يتسللون بدراجاتهم النارية المرعبة وسط طوابير السيارات المتوقفة عند نقاط المرور… بلا حشمة ولا وقار ولا حياء، شعارهم “تخراج العينين عند تقديم النصح إليهم”، منهم من تفنن في حلاقة رأسه التي تعود لزمن العبيد، ومنهم من اختار لباس الفقر والقهر بسراويل ممزقة توحي بضرورة تقديم الصدقة لصاحبها

هكذا هو حال الكثيرين مع كل مناسبة دينية، لاسيما مع شعيرة عيد الأضحى المبارك، وبالضبط خلال الساعات القليلة قبيلها، حيث تنشط تبلغ حركة السير والتجول بالشوارع والطرقات ذروته… الكل يسابق الزمن، غير آبهين لطفل صغير ولا امرأة عجوز ولا كهل شيخ يمشي مُكِبّاً على وجهه…كثيرون هم من يخرقون قانون السير وحريك الضوء بالعلالي، ومنبهات سياراتهم تملأ الأرجاء.. نرفزة واكتظاظ وسرعة مرعبة، وعراك مجاني ونحن نعيش على نفحات أيام مباركة…

ونحن في زمن العيد…نرفع القبعة..لأولئك الجنود الشرفاء البواسل حماة الديار المرابطين على الحدود وأصابعهم على الزناد.. نرفع القبعة عاليا لمختلف الأجهزة الأمنية من درك وأمن ومخابرات وأفراد الوقاية المدنية، والسلطات المحلية وموظفي المؤسسات السجنية وموظفي المحاكم والمؤسسات الاستشفائية واللائحة طويلة… نرفع القبعة لهم شرفا وتقديرا واحتراما…آثروا عن أنفسهم لحظات جميلة مع أسرهم، واختاروا الاصطفاف في خانة تقديم الخدمات لنا، تجدهم بقلب الإدارات العمومية في عز تقاسم فرحة العيد

وسطهم تعيش فئة أخرى اختارت خدمتنا وجمع مخلفات نفاياتنا المنزلية…إنهم شرفاء مهنة عمال النظافة الذي يشتغلون يوم العيد وفي أوج نشوة الفرح…يكنسون الشوارع ويجمعون ما خلفته أيادي البشر من بقايا أعلاف ونفايات وخضر يابسة لباعة جائلين ما أن أنهوا بيع بضاعتهم حتى تركوا وراءهم أكواما من الأزبال والنفايات

مشاهد، اعتدنا عليها، ألفتنا وألفناها، دون أن نقف وقفة تأمل لنصحح الأخطاء ونأخذ العبر، ونترفع عن هكذا عادات قد تعيق تقدم البلاد وتساهم في الرفع من منسوب الحوادث وغلاء السلع والبضائع وتشجيع المضاربة والاحتكار؟

إن للعيد نفحات، ونسمات، وعبادات وطقوس ربانية، هو سنة مؤكدة نتقرب بها لمولى عز وجل، ونحيي بها سنة نبينا الكريم، لكن أن تتحول لدى البعض إلى فرصة لتصريف ممارساتهم ومظاهرهم بطعم العنف والصراخ والنرفزة وشتم العباد والنيل من أرزاقهم من خلال رفه منسوب الاحتكار والمضاربة، فتلك أفعال وأعمال الدين منها بريء براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام..

فلنحي سنة أبينا إبراهيم الذين سمّانا المسلمين من قبل، باستحضار قيم الأخلاق والآداب وصلة الرحم والعفو عند المقدرة، نمسح بها دموع اليتامي والأرامل ونشد بها عضض بعضنا البعض كالبنيان المرصوص..ففي ذلك فليتنافس المتنافسون..وعيدكم سعيد وكل عام وأنتم بألف خير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى