مصاريف رمضان والعيد على الأبواب..”فِين هْرُوبك يا مسكين”

محمد منفلوطي – هبة بريس

” بابا، ماما، امتى غادين تشريو لينا حوايج العيد”، مطالبٌ يرى فيها الأطفال الصغار ضرورة ملحة لاستقبال عيد الفطر بملابس جديدة، فيما ترى فيها العديد من الأسر ذات الدخل المحدود، والفقيرة كذلك، تكاليف مضاعفة تنضاف للمصاريف اليومية خلال شهر رمضان المبارك.

لا يختلف أحد، عن كون العادات والتقاليد لدى معظم الأسرة مرتبطة ارتباطا وطيدا بإرثها التاريخي الذي يستمد شرعيته من مبدأ التكافل الاجتماعي، هذا الأخير الذي يعتبر صمام الأمان للطبقة الفقيرة والمتوسطة، حيث لازال العديد من أفراد التركيبة المجتمعية، يغلب عليهم طابع الاحسان والتضامن والتعاون بين أفراد الأسرة الواحدة، فترى الأخ الكبير يساعد الصغير، وترى الأخت العاملة أو المتزوجة لا تبخل عن مد يد العون لبيت والديها رغم استقلاليتها عنهم، وتجد ابن الخالة أو العمة، يتقاسم ملابسه المستعملة مع مع باقي أفراد عائلته ضمن مشهد يختزلُ في طياته ويحملُ نبل التضامن والتعاون في زمن الأزمات…

نعم، هي شيم المغاربة في ذلك، ولقد كان لنا جميعا الدرس بالدليل والبرهان خلال أزمتي ” كورونا” و” فاجعة زلزال الحوز”، حيث تجسدت قيم التعاون وظهرت في أبهى حلتها، ورأى العالم أجمع كيف أن المغاربة جميعهم وبدون استثناء وقفوا وقفة رجل واحد ليجسدوا ملحمة التآخي والتكافل الاجتماعي…

نعم، لا يختلف اثنان، عن كون رمضان لهذا العام جاء في ظروف طبعتها موجة غلاء الأسعار ، وارتفاع تكاليف العيش، وهو ما جعل العديد من الأسر الفقيرة وحتى ذات الدخل المحدود تعيد ترتيب ما لديها من “ميزانيات”، لعلها تخرج كما يقال بلغة العامية ” غير بالتعادل لا غالب ولا مغلوب”، بيد أن من هؤلاء من وجد صعوبة في تدبير أمور أسرته اليومية طيلة أيام هذا الشهر الفضيل، هذا في الوقت الذي هبَّت في كثير من المدن المغربية مبادرات ” قُفف الإحسان” لعلها تخفف من الآلام وتسكت الآهات…

ونحن نعيش على نفحات العشر الأواخر، ومع مطلع أيام عيد الفطر ، شدَّت معظم الأسر الرحال صوب الأسواق والساحات العمومية بمعية أطفالها الصغار، فمنهم من يختار الفترة الزمنية بعد الإفطار للتسوق، ومنهم من يسرق سويعات قبل ذلك، للتوجه نحو ” الفرّاشة” لعله يجد أثمان مناسبة تغنيه عن سؤال صغاره الذين ينتظرون قدومه بشوق…

وبين هذا وذاك، يتكرر سيناريو الاكتظاظ والتدافع والتسابق واحتلال الشوارع والطرقات وعرقلة السير بالممرات، صراخٌ هنا وهناك، وأبواق السيارات والشاحنات والدراجات والتربورتورات تملأ الأرجاء وكأننا نعيش حالة طوارئ…

الكل ينزل دفعة واحدة نحو المتاجر والمحلات لاقتناء الحاجيات، مُحولين الساحات والشوارع والمحلات التجارية إلى حلبة للتدافع والتسابق…

ليبقى السؤال مطروحا: “متى سنتخطى عتبة تكريس مثل هاته الممارسات مع كل مناسبة دينية أو وطنية، متى سنبقى نعطي فرصة لأولئك المضاربين والسماسرة والمحتكرين ليعيثوا في الأرض فسادا في رفع منسوب الزيادات الملتهبة في الأسعار، أو فرصة للتخلص من هكذا مواد غذائية مغشوشة أو حتى منتهية الصلاحية دون خجل؟؟

بمعظم الشوارع والممرات وأمام المحلات، مواطنون متجمرون أبصارهم شاخصة، وعيونهم تترقب، وقلوبهم تخفق وتبلغ الحناجر، ولسان كثيرين منهم يردد: ” آش هذا الغلاء…آش هذا العافية؟ آش هذا الزحام ياربي السلامة.”…الجميع يتصببون عرقا يحملون أثقالهم وأثقال مع أثقالهم بكميات كبيرة بنوع من الجشع، قد يكونون في غنى عنها ولا يحتاجونها بتلك الكمية خلال أيام العيد..

دعونا يا سادة نقف وقفة تأمل، فمناسبة العيد ليست تلك الصورة التي ترسم معالم شبح الانفاق بلا حساب، وما يتخيله البعض، بل هو سنة مؤكدة يراد من وراءها أخذ الدروس والعبر في الأخلاق والتضامن والتآلف والتآزر، بعيدا عن منطق التدبير، والتفاخر.

نعم، نبيع ونشتري ونعمِّر الأسواق بعزة وأنفة صادقين لا مطففين…نحافظ على نظافة المكان وجماليته عند الانتهاء، نحرر شوارعنا وأزقتنا ونفتحها آمنة في وجه مستعمليها، بدل تعريض المارين بها لمخاطر السير والجولان والموت المجاني..

في سياق هذا الزخم وهذا التدافع، لابد أن نستحضر، أن هناك أسرا وعائلات فقيرة يصدق عليهم قول ربنا عز وجل : ” لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ”.

مقالات ذات صلة

‫9 تعليقات

  1. نتمنى ان يدخل العيد على جميع المواطنين وخصوصا الطبقات الفقيرة بالفرحة والبهجة..

  2. نتمنى من الباعة المتجولين بالشوارع في هده المناسبة باحترامها وعدم ترك الازبال هنا وهناك

  3. كل عام وامة محمد صلا الله عليه وسلم بالف خير وقلوبنا مع اهلينا في غزة ونسال الله ان يدخل الصرورة والفرحة في قلوبهم وانشاالله منصورين

  4. رغم الاسعار المتصاعدة من جميع النواحي وفي كل الشيء وآخرها قارورة الغاز الا ولنا طقوس لن نستغنى عنها حتى وان كنا في اشد الشدائد

  5. لاننسى بعضنا البعض واهمها الفقراء منا فهم منا ومن مجتمعنا وهم اهلنا اين ماكانو واين ماحلو وكل عام وانتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى