خيرات وطن .. ملك يزرع، أرض تعطي و شعب يحصد

هبة بريس ـ ياسين الضميري

في العاشر من أكتوبر سنة 2014 و بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، ألقى عاهل البلاد الملك محمد السادس خطابا تاريخيا دعا فيه لضرورة اعتزاز المغاربة بانتمائهم لوطنهم، فقال عن ذلك بالحرف “أستحضر هنا، قول جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم *اللهم كثر حسادنا* لأن كثرة الحساد، تعني كثرة المنجزات والخيرات، أما من لا يملك شيئا، فليس له ما يحسد عليه.”

هاته العبارات، الدالة و المعبرة، يمكن أن نسقطها اليوم على مغربنا الحبيب، المغرب الذي يسمو و يتقدم و يرقى و يزدهر و ينتج و يعطي و يكافئ و يبني و يصنع و يشكل مصدرا للإلهام و مبعثا للفخر و مشتلا للإبداع و منهلا للتميز، في شتى القطاعات، و على جميع الأصعدة و المجالات، اقتصاديا و رياضيا و أمنيا و عسكريا و هلم جرا.

الفلاحة واحدة من المجالات التي من حقنا كمغاربة أن نفخر بما نكسبه و نكتسبه، هذا المجال الحيوي الذي يضمن للمغاربة أمنهم الغذائي باعتبار المملكة دولة ذات سيادة غذائية عكس باقي دول الجوار التي رهنت نفسها لدى الغير و أضحت شعوبها تعاني القهر و الويلات و الأزمات مع كل تقلب، بل منها من انقطع عنها السكر و الدقيق و الزيت و الأرز و غيرهم من المواد الأساسية التي تستهلكها شعوبهم و التي باتت تلجأ للطوابير الطويلة بحثا عما تسد به الرمق.

أمن المغاربة الغذائي يوليه الملك محمد السادس عناية خاصة، و يتابع تفاصيله عن كثب، و لطالما تحدث في خطبه عن ذلك، ليحافظ المغرب على سيادته الغذائية، و هو الأمر الذي سارت على دربه الحكومات المتعاقبة و منها حكومة عزيز أخنوش من خلال وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات التي يترأسها الوزير محمد صديقي.

تغطي المساحات الخضراء المزروعة ما يربو على ربع مساحة المملكة الإجمالية، وهي المساحة التي لها أهمية خاصة في الاقتصاد المغربي، إذ تشكل نحو 14 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي، وكذلك توفر دخلا ثابتا لنحو 40 بالمئة من سكان المملكة.

إجراءات و تدابير تهدف من خلالها السلطات المغربية لضمان حق المغاربة في أمن غذائي يقيهم تقلبات الأسواق العالمية، فكيف استطاع المغرب أن يستفيد من أرضه الخصبة السخية المعطاءة و لماذا بات أعداء الوطن يحسدوننا على ما نحققه كل يوم في مملكة أضحى شعارها الفلاحي: “يد تسقي و يد تجني”؟

الفلاحة في المغرب .. أرقام تتحدث‎

“صبات الشتا راه حنا بخير و ناشطين، ماصباتش راه كايدوز عندنا العام صعيب من كل النواحي”، جملة نطق بها الحاج علي، هذا الرجل الذي دخل عقده الثامن و مازال ارتباطه بالأرض هو ذاته الذي كان منذ أن فتح عينيه في إحدى مروج دكالة الخصبة و بالضبط بمنطقة “الغرباويين” ضواحي الزمامرة.

الحاج علي، الذي لا تفارق الابتسامة وجهه المليء بتجاعيد الحياة التي تجعلك تتخيل حجم “تمارة لي ضرب” طيلة عقود في ضيعته البسيطة و التي يعتبرها وطنه الصغير و جزء لا يتجزأ من أسرته، يتفقد يوميا أحوالها رغم أن صحته البدنية لم تعد تسمح له بالاعتناء بها فسلم مفاتيحها لإبنه.

الأرض هنا في دكالة كما هو الحال في جميع مناطق المغرب كنز و إرث و حصن منيع، لدرجة أن المغاربة منذ قرون يتداولون مثالا مفاده “الواحد يموت على ولادو و لا على بلادو”، و البلاد هنا ترمز في مفهومها الدارج للأرض المملوكة للشخص و التي هي وطن صغير و في ذات الوقت ترمز للوطن الكبير و الذي هو المغرب.

و لأن للمغاربة ارتباط وثيق بالأرض، فطبيعي أن تكون الفلاحة عمادا للحياة منذ القدم، و هو ما تؤكده الأرقام و المعطيات الرسمية المستقاة من وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات و التي تؤكد حقيقة واحدة و هي أن المغرب بلد الفلاحة و الخيرات رغم الأزمات و التقلبات.

يساهم القطاع الفلاحي في المغرب بنسبة تفوق 14 في المئة من الناتج الداخلي الخام، ويرتبط معدل النمو في البلد ارتباطا وثيقا بمعدل الإنتاج الفلاحي، وتبقى الفلاحة إحدى أبرز القطاعات التي توفر فرصا للشغل، حيث يعيش أكثر من 40 في المئة من السكان في هذا القطاع و على عائداته.

تقدر المساحة الزراعية ب 8 ملايين و 700 ألف هكتار أي حوالي 25,12 في المئة من المساحة الكلية للبلد، فيما تتكون الزراعات الرئيسية من الحبوب و بالأخص القمح و الشعير، فضلا على الحوامض كالبرتقال و الكليمنتين، ثم الزيتون وأشجار الفواكه المزهرة كاللوز والتفاح والمشمش و غيرهم، و الخضر كالبطاطس و الطماطم و الجزر و البقوليات الغذائية، و تعتبر تربية الماشية (الأغنام، الأبقار، الماعز، الإبل، والدواجن) من أهم عناصر القطاع الفلاحي بالمغرب.

تشغل الحبوب 55 في المئة من المساحة الإجمالية الزراعية، نصيب القمح العادي منها 45 في المئة والشعير 35 في المئة والقمح الصلب 20 في المئة، ويبقى الإنتاج متغير من سنة لأخرى لأنه مرتبط أساسا بالتساقطات المطرية، و يبقى الرقم القياسي لإنتاج الحبوب محددا في 115 مليون قنطار و تم تسجيله قبل حوالي سبع سنوات.

الزراعات السكرية أيضا لها نصيب من فلاحة المملكة، حيث يعد مستوى استهلاك السكر من قبل المغاربة مرتفعا بحوالي 37 كلغ للشخص في السنة، وتعتبر المحاصيل السكرية (سواءا البنجر أو قصب السكر) ذات أهمية كبرى بالنسبة للبلاد، و تشغل الزراعات السكرية أكثر من 100 ألف هكتار، و الرقم في تطور في ظل برنامج تنمية المحاصيل السكرية الذي يروم رفع نسبة تغطية المساحة الزراعية خاصة لقصب السكر.

أما الخضر و الفواكه، فالمغرب من الدول الرائدة و المعروفة عالميا و قاريا و إقليميا بجودة إنتاجها لعديد المنتوجات كالبرتقال و الطماطم، حيث يوفر قطاع الفاكهة والخضر أكبر الفرص للتنمية على المدى الطويل، و قد قاربت المساحة الإجمالية المزروعة للخضر و الفواكه رقم 200 ألف هكتار، و يظل الإنتاج القياسي المسجل قبل حوالي عقد في حدود 2.2 مليون طن.

و لأن المغرب معروف بالجودة، فقد بات وجهة لعديد اادول التي تطلب وده و تنشد استيراد فواكهه و خضره، فوصلت معدلات التصدير لنسب عالية تجاوزت 550 ألف طن، و من أبرزها الكليمنتين، علما أن المغرب قرر بشكل سيادي توجيه أغلب الإنتاج للسوق الوطنية لتحقيق الاكتفاء الذاتي، و تبقى أهم وجهات التصدير هي روسيا و دول الاتحاد الأوروبي كهولندا و فرنسا و إسبانيا و إنجلترا و كندا، بالإضافة لانفتاح المغرب على عمقه الإفريقي من خلال دعم الأشقاء في القارة السمراء بالخضر و الفواكه لتخفيف معاناتها في تموين أسواقها.

كما أن زراعة زيت الزيتون تحظى بأولوية خاصة في المغرب إذ ارتفعت مساحة زرعها إلى أزيد من مليون و 300 ألف هكتار، و فاق الإنتاج مليونين و نصف من الزيتون، و أصبح المغرب أحد كبار المنتجين و المصدرين عالميا لزيت الزيتون، بالإضافة لنبتة عباد الشمس و زيت الأركان، ثم كذلك محاصيل النخيل من خلال أجود أنواع التمور حيث أن الإنتاج المغربي يتجاوز 100 نوع من التمر.

و إلى جانب ذلك، يتميز القطاع الفلاحي المغرب بتنوع سلاسله، حيث يولي الفلاحون المغاربة أهمية قصوى لقطيع الماشية من خلال تربية البقر و الأكباش و الماعز و الإبل و الدجاج و غيرهم، و كذلك إنتاج الحليب الذي يوفر الاكتفاء الذاتي لكل المغاربة، بل إن المغرب يتوفر على إنتاج يسمح له بالتصدير لدول عدة.

قد لا يدرك الفلاحون الصغار و البسطاء الدلالات الاستراتيجية لهاته الأرقام، و قد لا تتمكن عقولهم المرتبطة بالنشرات الجوية و بيومية “بوعياد” الفلاحية التي تنذرهم بكل “منزلة” من فك شيفرات الأرقام التي طرحناها، لكنهم يدركون شيئا واحدا أن “الشتا ايلا صبات غايكون العام زين”…

من نشرات الطقس ليومية بوعياد.. الشتا ايلا صبات غايكون العام زين‎

كحال كل الفلاحين، التسمر أمام شاشة التلفاز لمشاهدة نشرات الطقس أمر اعتيادي أدمن عليه الحاج علي، لا ينفك لحظة عن الإنصات بإمعان لكل ما تقوله مقدمة النشرة بتفاصيلها المملة، بعيون جاحظة و تركيز تام يجلس أمام “صندوق” التلفاز القديم الموضوع في خزانة خشبية غامقة اللون تزينها بضع أكواب و صحون، و في جانبها مسمار على الحائط معلقة به “يومية بوعياد” الشهيرة التي يقرأ تفاصيلها كل صباح.

رافقنا الحاج علي لحقله الذي لا تتجاوز مساحته الهكتار تقريبا، الأرض هنا خصبة لكنها تحتاج للغيث، بعكازه الفولاذي يسارع الخطوات و بين الفينة و الأخرى ينحني أرضا ليزيل إحدى الأعشاب الضارة من حقله الذي نثر به قبل أسابيع بذور القمح.

“الأرض باقا فيها غير البركة و سيدي ربي بركتو كبيرة”، يقول الحاج علي و عيناه تنظران للسماء، قبل أن نبادره بالسؤال: “ولكن دبا شهر واحد هذا و موسم الحصاد مابقاش ليه بزاف، واش لاصبات الشتا دبا تقدر تعتق الموسم الفلاحي؟” ، ليجيبنا: “لي جات من عند الله عمرها تضر، بالعكس غير تنفع، حتى لا منفعاتش القمح راها كتنفع زراعات أخرى، و حتى لا منفعاتش راه تعاون في الربيع و في الما، ، الله يرحمنا بالشتاء”.

شح الأمطار و عدم انتظام التساقطات أربك حسابات الفلاحين، و جعلهم في حيرة من أمرهم، ماذا يزرعون و متى و كيف، تجاربهم في الحياة لم تعد تنفع مع هاته التقلبات، يعلق الحاج علي: “مدبرها حكيم، سبحان لي يبيتها في شان و يصبحها في شان، الله يرحمنا بالشتا.. ايلا صبات غايكون العام زين”.

جولة خفيفة في حقله جعلتنا ندرك حجم الثقل الذي يحمله الحاج علي فوق كتفيه، فهو يفني سنة كاملة من عمره ليرى نتيجتها يوم الحصاد، و حتى في أسوء الحالات لا يتذمر و لا يرمي باللوم على أحد، رأس ماله الحقيقي قناعة و رضى بما قسم الله، و بين كل جملة و أخرى يستعطف الخالق بعبارة: “يا ربي ترحمنا بالشتا”، قبل أن يطلب منا العودة للمنزل أو “الخيمة” بلهجة أهل دكالة الطيبين، لتناول وجبة الغذاء و الذي كان عبارة عن “دجاجة بلدية” و خضر طبيعية زرعها بيديه.

من دكالة للشاوية.. و جعلنا من الماء كل شيء حي‎

ودعنا الحاج علي و منطقة الغرباويين بدكالة، و توجهنا نحو سهول الشاوية، هاته المنطقة المعروفة بالكرم و “النشاط” ومعزوفة “العلوة” التي يحفظها عن ظهر قلب كل من ينتمي لقبائل أولاد احريز و مزاب والمداكرة و الشاوية عموما، غير أن التراث ليس وحده من يميز المنطقة الغنية بخيراتها الفلاحية، فالشاوية أيضا سلة من سلال المغرب المعطاءة، و أرض سخية تنتج على مدار شهور السنة.

على طول الطريق، كانت الأعين تلمح منظر الحقول الشاسعة التي اختلفت ألوانها بين الخضرة و السواد، و أحيانا  الاصفرار رغم أن الفصل فصل شتاء، الأمر سيان في سيدي بنور و بولعوان و سطات و برشيد وصولا لجماعة جاقمة، شح التساقطات يظهر أثره جليا و المحظوظ من كان في ملكيته جب يروي به عطش الأرض.

قابلنا بعض الفلاحين بالمنطقة، ينتمون لدواوير مختلفة و كان همهم جميعا الماء، خاصة أن المنطقة معروفة بزراعة الخضر و في مقدمتها الجزر، حيث برزت للواجهة مؤخرا ظاهرة كراء العشرات من الهكتارات من طرف بعض الشركات و الأشخاص الذاتيين الذين يعمدون لزراعة الجزر باعتماد طريقة تتطلب الكثير من الماء.

حسب ما أكده عدد من الفلاحين هنا، فقد أصبحت المنطقة تعاني ندرة الموارد المائية الجوفية والسطحية بعد تراجع منسوب المياه في الفرشة المائية، وهي الوضعية التي تفاقمت مع تزايد المساحات المزروعة بالجزر والتي فاقت 7000 هكتار بإقليم برشيد لوحده، علما أن زراعة كيلوغرام واحد من الجزر تتطلب في المتوسط حوالي 260 لتر من الماء.

و يلجأ أصحاب شركات و ضيعات معروفة لكراء الأراضي من ملاكها الأصليين و حفر آبار عشوائية بها، يستغلونها في سقي الجزر و بالتالي استنزاف الفرشة المائية، حيث كان الوصول للماء قبل حوالي خمس سنوات يتطلب حفر بئر بعمق لا يتجاوز 60 إلى 80 مترا، غير أنه اليوم في هاته المنطقة أصبح الوصول للمياه الجوفية يتطلب حفر ما بين 150 و 200 متر.

يروي بوشعيب، و هو أحد فلاحي المنطقة أن أبارهم القانونية نضبت في ظل انتشار ظاهرة حفر الآبار غير المرخصة، و يضيف: “آلاف الأطنان من مياه الآبار يتم تبذيرها في عملية غسل الجزر بعد جنيه، والتي تتجاوز ستة أطنان من المياه في كل عملية، بحيث يعمد المزارعون إلى احتكار عملية البيع في السوق الوطني حينما يكون ثمن البيع منخفضا، حيث يرفضون جني محصول الجزر والاحتفاظ به بالحقول وهي عملية تتطلب السقي باستمرار رغم نضجه، إلى أن يحصل ارتفاع في ثمنه بالسوق ومن ثم يقومون بجنيه وبيعه”.

و أضاف ذات المتحدث: “كما أصبح عدد من المزارعين بالمنطقة يحترفون عملية بيع المياه لغسل الجزر الذي يتم جلبه من مناطق الحوز، و قد أصبح عدد من مزارعي الجزر مختصين في كراء قطع أرضية بمساحات صغيرة بثمن يتراوح بين 3000 و5000 درهم من أجل حفر آبار عبارة عن ثقوب دون تراخيص، واستغلال تلك الآبار في عملية بيع مياهها للفلاحين عبر أنابيب تمتد لمئات الأمتار من أجل سقي أراض تتجاوز عشرات الهكتارات والتي يتم تخصيصها في زراعة الجزر، في وقت يتم بيع مياه الفرشة المائية بأثمان خيالية سنويا”.

في خضم ذلك، خرج سكان المنطقة للاحتجاج، فتدخلت السلطات المعنية لوقف النزيف، حيث أصدرت السلطات الإقليمية و وكالة الحوض المائي ببنسليمان قرارا يقضي بتقنين عملية زراعة الجزر وتقليص المساحة المسموح استغلالها من 7000 هكتار إلى أقل من 2000 هكتار، إضافة إلى ضرورة استعمال العدادات بالآبار المرخصة، وهدم عدد كبير من الآبار العشوائية و غير المرخصة، فضلا على حصر لائحة الأشخاص الذين يقومون ببيع المياه الجوفية بدون سند قانوني.

هاته الإجراءات و ما رافقها من تشديد و مراقبة صارمتين من السلطات و وكالة الحوض المائي لبنسليمان حدت نسبيا من استنزاف الفرشة المائية بالمنطقة، و قلصت من نسبة الأراضي الموجهة لزراعة الجزر، فأصبح السكان هنا يلجؤون لزراعات أخرى تدر عليهم عوائد جيدة دون أن يكونوا بحاجة للإضرار و الإفراط بالفرشة المائية.

الضيعات الفلاحية بالغرب.. عشرات آلاف من الأسر تقتات من خيرات الأرض‎

من بنسليمان إلى سيدي سليمان و ضواحيها، تشابه و تقارب في التسمية، لكن في الواقع الاختلاف بينهما كثير، حيث تعتبر سيدي سليمان و مناطق الغرب عموما كسيدي يحيي و سوق الأربعاء الغرب و مولاي بوسلهام من أكثر المناطق في المغرب المعروفة باعتماد ساكنتها على الفلاحة بشكل كبير عكس بنسليمان التي غزتها الخرسانة المسلحة و التجمعات السكنية نظير موقعها الجغرافي بين حاضرتي المغرب الرباط و الدار البيضاء.

على طول الطريق بين مولاي بوسلهام و سيدي سليمان تنتشر العديد من الضيعات الفلاحية، كل ضيعة ترتبط بوحدة صناعية للإنتاج تزودها بالمنتوجات التي تجنيها أيادي الآلاف من العاملات و العمال من أبناء المنطقة و كذا من خارجها، بل تشغل المنطقة عددا مهما حتى من المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء.

نادية واحدة من العاملات اللواتي كان لنا حديث مقتضب معهن بخصوص العمل في الضيعات الفلاحية، هاته الشابة التي لا يتجاوز عمرها الثلاثين تشتغل في ضيعة لإنتاج الفراولة، ترتدي “شاشية” و تضع قناعا من قماش على وجهها لحماية بشرتها من أشعة الشمس.

تقول نادية: “أنحدر من إحدى الدواوير البعيدة عن الضيعة التي أشتغل بها، و أضطر كل يوم للنهوض من النوم في الخامسة صباحا لألتحق بمجموعة من النساء والفتيات اللواتي يجتمعن بإحدى الأماكن وسط الدوار في انتظار قدوم الشاحنة المكلفة بنقلنا إلى الضيعة”.

و تضيف: “نشتغل من السابعة صباحا، ولا نتوقف سوى ساعة واحدة في حدود الواحدة زوالا، نتناول خلالها وجبة الغذاء، ثم نستأنف العمل حتى الرابعة مساء، و بعدها نعود إلى منازلنا بعد يوم شاق، لقد أجبرت على العمل بعد أن توقفت عن الدراسة في حدود المستوى الابتدائي من أجل مساعدة عائلتي الفقيرة”.

نادية التي تحدثت إلينا بكل تجرد، زادت قائلة: “كنخدم هنا ب80 درهم للنهار، و كل وحدة و بشحال خدامة، في الغالب ما بين 60 و 100 درهم على حسب كل واحد شنو كايدير هنا في الفيرمة”.

اقتربت منا شابة أخرى لتسترق السمع و تفهم سر المحادثة بيننا و بين نادية، تضع أيضا قماشا على شكل قناع لتغطية وجهها، قبل أن تقاطعنا قائلة: “أنا امرأة متزوجة و عندي 4 ديال الوليدات، و أنا لي خدامة عليهم كاملين، كنخرج مع الفجر نجي نخدم و نجيب الرزق لي كتب لي الله باش نعيش ولادي”.

و تسترسل قائلة:”وخا ما راضينش على بزاف الحوايج ولكن قانعين بلي كتب علينا الله، على كل حال هاد الضيعة حالا لينا الباب باش نترزقو الله و مكتخلينا نمدو يدنا لأي شخص”.

موازاة مع ذلك، كان لنا حديث مع شخص أربعيني قدم لنا نفسه على أنه مسؤول بالضيعة مفضلا عدم الكشف عن هويته لأسباب وصفها بالشخصية حيث قال: “هنا في هاته الضيعة أكثر من مائتي عاملة يشتغلن يوميا، بعضهن بعقود و تغطية صحية و أغلبهن بدون أي شيء، و تظل الضيعات الفلاحية الملاذ الأوحد خاصة لسكان المنطقة للعمل”.

و زاد المتحدث عينه قائلا: “تشغل الضيعات الفلاحية في منطقة مولاي بوسلهام لوحدها حوالي 30 ألفا من اليد العاملة، 70 في المئة منهم نساء و فتيات، و أغلبهن يشتغلن في ضيعات الفراولة حيث ينطلق عملهن في شتنبر و ينتهي في يونيو”.

عشرات الآلاف من اليد العاملة تقتات من خيرات سهول الغرب، يعيلون الآلاف من الأسر و يساهمون في توفير الأمن الغذائي للمغاربة، جنود في الظل يستفيقون و نحن نيام ليزرعوا و يحصدوا و لسان حالهم يقول: “الحمد لله في كل الأحوال”…

الري الرقمي الذكي.. شباب أبدعوا فابتكروا “الهاتف الفلاح”‎

عدنا للدار البيضاء و بالضبط منطقة عين السبع، هنا حيث اجتمع ثلاثة من شباب هذا الوطن الذين قرروا تأسيس شركة تحت مسمى “إس بي إس تكنولوجي” و هي شركة متخصصة في تطوير تقنيات الزراعة الرقمية و الطاقات المتجددة.

ابتكار فريد من نوعه قدمه هؤلاء الشباب، سيساهم و بلا شك في تطوير الفلاحة المغربية من جهة و في المساهمة في تدبير و اقتصاد الثروة المائية من جهة ثانية، فضلا على تقليص تكاليف الإنتاج الزراعي و توفير فرص عمل جديدة لليد العاملة.

ابتكار “هاتف الفلاح” لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة و نتاج سنوات من البحث الميداني و العمل التطبيقي، فكيف كانت الفكرة و كيف تحولت من مخيلات تعشق التحدي لواقع يكسر كل القواعد و يتحدى التجارب ليثبت أن العلم حين يجتمع بالخبرة تكون النتيجة دائما مبهرة.

عماد لطيفي، أحد مؤسسي شركة” إس بي إس تكنولوجي” في حديثه معنا أكد بأن الفكرة تمخضت ذات يوم حين شاهد أحد الفلاحين و هو يسقي حقله بطريقة تقليدية مما يضيع كميات كبيرة من المياه لا تستفيد منها أصلا البذور المزروعة.

و أضاف عماد: “كان علينا التحرك لوقف النزيف، فليس مقبولا أن تضيع المياه في بلدنا و لا تستفيد منها الزراعات، ابتكرنا تطبيق الهاتف الفلاح و هو نظام ري ذكي يعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي وانترنت الأشياء.

و زاد قائلا: “يستخدم هذا النظام لمراقبة الحقول الزراعية وإدارتها والتحكم في عملية الري باستخدام الهاتف الذكي و تطبيقات سطح المكتب عن بعد دون الحاجة للتنقل لعين المكان، و ذلك بناءا على المعلومات المرسلة من أجهزة الاستشعار في الحقول الزراعية”.

مسؤول الشركة أضاف كذلك: “تم ربط جميع المستشعرات ونظام الإنذار واللوحة الشمسية الذكية بقلب نظام “راسببيري بي” الذي يعمل على جمع المعلومات من الحقول الزراعية وتخزينها في قاعدة البيانات، وكذلك تم استخدام خوارزمية “يولو في تري” وهي إحدى خوارزميات التعلم العميق، لاكتشاف نوع النبات ثم تحديد كمية المياه اللازمة لهذا النبات خلال مراحل نموه المختلفة بناءا على المعلومات السابقة التي تم تخزينها في قاعدة البيانات.

و أوضح المهندس لطيفي أيضا: “يسمح النظام بالتحكم الآلي أو اليدوي في عملية الري باستخدام تطبيق الهاتف عن بعد وإرسال الإشعارات عبر البريد الإلكتروني إلى المزارع، و تنقسم هذه الإشعارات إلى نوعين، الأول عندما يكون مستوى الماء في الخزان منخفضا والنوع الآخر تابع لنظام الإنذار عندما يكتشف أي حركة داخل الحقل سواءا حركة حيوانات أو حركة إنسان حيث يتم تشغيل الجرس وأخذ صورة بالكاميرا وإرسالها إلى الفلاح”.

و ختم الشاب عماد لطيفي شرحه بأنه من خلال تطبيق هذا النظام يتمكن الفلاح بطريقة سهلة و بسيطة من جدولة عملية الري للحقول الزراعية من خلال تحديد الكمية المناسبة من المياه التي يحتاجها النبات خلال كل مرحلة من مراحل نموه ، وإرسال إشعارات للمزارع، وهذه الإشعارات تمكن الفلاح من اتخاذ القرارات الصحيحة.

في زيارتنا لمقر شركة “إس بي إس تكنولوجي”، كان لنا أيضا حديث مع الشاب عثمان الصابوري و هو أحد الشركاء الثلاث في المقاولة المتخصصة في تطوير تقنيات الفلاحة المعلوماتية و الطاقات المتجددة، حيث أكد لنا بأن الهاجس الأساسي كان هو إقناع الفلاحين بكون العلم و التكنولوجيا ضروريان لتطوير القطاع.

يقول عثمان: “صعيب تقنع شخص دوز عقود من حياتو و هو كيحرث الأرض و يزرعها بطريقة تقليدية، و بشكل و طرق متعارف عليها، و تجي نتا تقول ليه ايلا درتي هاد الطريقة غتطلع لك تكاليف أرخص و مردودية أفضل، فما بالك تقنعو بلي بضغطة زر في الهاتف تقدر تسقي و تراقب و تحسن جودة الأرض”.

و أضاف ذات المتحدث: “ما ساعدنا في الشركة هو أن الأشخاص الذين تعاملنا معهم في الأول لاحظوا الفوارق الكبيرة منذ الأيام الأولى، فكانت عملية انتقال المعلومة عبر ما يسمى ‘من الشفاه للأذن’ أحسن طريقة لترويج النظام الجديد”.

و زاد عثمان الصابوري قائلا: “الفلاح المغربي كايثيق ملي يشوف النتيجة بعينيه، و في اللحظة لي كيشوف شي حد نجحات ليه التجربة أول قرار كايدير هو يجرب نفس الطريقة، خصوصا ملي كايبان ليه أنه كان سنوات و هو خدام غير بالعرف و ما راكمه من خبرات، لكن حين يجتمع العلم و المعرفة بالتجربة تكون النتيجة أفضل”.

و شدد مسؤول التطوير في الشركة على أن البحث عن بدائل للمحافظة على الثروة المائية كان حافزا لتطوير نظام هاتف الفلاح، و الري الرقمي الذكي “سمارت إيريكايشن” كان الحل و هو يقوم على اعتماد نظام الجدولة الآلية لنظام تشغيل إلكتروني أوتوماتيكي لعملية الري بواسطة أجهزة استشعار رطوبة التربة “سينسرز” و هي مجسات لاسلكية تعمل عن طريق الأقمار الصناعية، إذ يتيح معرفة نسبة المياه التي تحتاجها التربة استنادا إلى نسبة رطوبتها ، كما يمكن أيضا استخدامه لمعرفة احتياجات الري للمحاصيل  بحسب المواسم الزراعية و نوع المحاصيل.

و أضاف كذلك: “النظام متكامل، و هو يتكون من أربعة أجزاء رئيسية، أولها وحدة قياس المحتوى الرطوبي وهي عبارة عن مجسات إلكترونية حقلية يتم وضعها بالتربة لقياس محتواها من المياه كل 15 سنتمتر من عمق التربة، و يتم تجميع البيانات الخاصة برطوبة طبقات التربة بالإضافة إلى كميات الأمطار من خلال وحدة قياس الأمطار ‘راين كيدج’ المخصصة لقياس كمية الأمطار بجهاز إرسال ذو شريحة هاتفية يعمل بالطاقة الشمسية ثم تتدفق البيانات عبر الأقمار الصناعية”.

و ثانيها، يقول ممثل الشركة، هو المستقبل الذي يستقبل البيانات من جميع وحدات قياس الرطوبة الحقلية والتي تنتقل بدورها إلى برنامج حاسوب يعمل على تحليلها وترجمتها حسب كميات المياه وفترات الري التي يجب استخدامها.

أما الجزء الثالث، حسب الشركة، فهو البرنامج التشغيلي و هو الجزء الرئيسي من النظام لاستقبال البيانات الخاصة بجميع الأجهزة، و يتم من خلال الرسومات البيانية تقدير الاحتياجات المائية للمحاصيل الزراعية المختلفة، ثم أخيرا محطة الأرصاد الجوية الرقمية المرتبطة بجهاز حاسوب أيضا تمد النظام ببيانات الحرارة و الرطوبة و اتجاه الرياح و سرعتها وكمية الأمطار و غيرها من المعلومات التي تهم الفلاح.

سدود المملكة.. سخروا من أفكار الحسن الثاني و طبقوها فيما بعد‎

لم تكن المسيرة الخضراء الفكرة العظيمة الوحيدة التي تفتقت عبقرية الملك الراحل الحسن الثاني فأبدعها، هناك العشرات من الأفكار التي تبناها سليل الأسرة العلوية و مازالت خيراتها و حسناتها تنفعنا ليومنا هذا.

من فكرة المسيرة الخضراء المظفرة التي أعادت الحق لأصحابه دون أن تسيل قطرة دم واحدة، إلى الجدار الأمني الرملي الذي شرع في بنائه سنة 1980 على امتداد 2700 كيلومتر بحدود المملكة الشرقية الذي قلب موازين القوى في قلب الصحراء المغربية لصالح قواتنا العسكرية المسلحة، وصولا إلى سياسة السدود المائية التي جعلت عديد رؤساء الدول آنذاك يسخرون من مبدع الفكرة بسبب تكلفتها قبل أن يدركوا سنوات فيما بعد نجاعتها و فوائدها.

كان الحسن الثاني حكيما حين قام بإنشاء السدود في وقت اهتم فيه محيطه الإقليمي والدولي بالاستثمار في مجالات أخرى، و دليل ذلك أن المغرب اليوم و لله الحمد لديه مخزون غذائي كبير و يصدره لإفريقيا وأوروبا ودول العالم، و قد سُئٍل رحمه الله مرة عن النفط والسدود فكان مختصر جوابه: “إنني أعرف أن البعض سيقولون شامتين انظروا إليه يزرع الطماطم بينما نحن نزرع أنابيب البترول، لهؤلاء أقول، أتمنى لكم حظا سعيدا في اليوم الذي سيكون عليكم فيه أكل شطائر لحم مصنوعة من البترول”، كما أنه و في إحدى خطابات الحسن الثاني رحمه الله قال بأن الحروب القادمة ستكون بسبب المياه.

باشر المغرب سياسة السدود منذ سنة 1929 بإنشاء سد سيدي سعيد بن معاشو على نهر أم الربيع، وذلك لتزويد ساكنة الدار البيضاء بالمياه الصالحة للشرب وتعززت سياسة تشييد السدود مع وصول الملك الراحل الحسن الثاني إلى الحكم، ببناء سدود كبيرة كسد المسيرة، يوسف بن تاشفين، المنصور الذهبي، واد المخازن، محمد الخامس و غيرهم، و تواصلت سياسة تشييد السدود في عهد ملكنا الهمام محمد السادس.

وتمكن المغرب عبر هذه السياسة المائية التي ربطت تنمية البلاد بالماء من مواجهة الاحتياجات المتزايدة لسكانه ولاقتصاده، وأساسا على مستوى قطاعات الفلاحة والصناعة والكهرباء، وبهدف سقي مليون هكتار سنة 2000، حدد المغفور له الحسن الثاني التوجهات على المدى الطويل، مستهدفا التحكم، وتثمين هذه المادة الحيوية والأساسية للتقدم الاقتصادي والاجتماعي للمملكة.

وبتدشين سد الوحدة الكبير سنة 1997، أصبح حلم سقي مليون هكتار حقيقة، وأضحى سقي هذه المساحة المهمة ممكنا، بفضل إنجاز ستة سدود كبرى، وهي مولاي يوسف، والحسن الداخل، والمنصور الذهبي، ويوسف بن تاشفين، وإدريس الأول وسيدي محمد بن عبد الله.

و حسب الإحصائيات الرسمية، فيوجد في المملكة المغربية 152 سد كبير و141 سد صغير، فيما يتم حاليا تشييد 18 سد كبير و قد وصل بعضها مراحل جد متقدمة في الإنجاز بعدد من مناطق المملكة مما سيمكن من رفع السعة التخزينية للموارد المائية إلى أزيد من 27 مليار متر مكعب.

وتغطي هذه السدود كامل البلاد تقريبا، من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، من بينها سد المسيرة (2760 م3)، سد بين الويدان (1384 م3)، سد إدريس الأول (1186 م3)، سد سيدي محمد بن عبد الله (486 م3)، سد محمد الخامس (410 م3).

ومنذ ثمانينات القرن الماضي، تقرر بناء سد واحد على الأقل كل عام، وهكذا، بين عامي 1981 و1987 فقط، تم تشغيل 43 سدا بمناطق الحسيمة، أكادير، مراكش، إفران، خنيفرة و بوعرفة.

وفي كتاب “ذاكرة ملك”، تحدث الحسن الثاني حين سئل عن سلاح الجزائر والبترول، قائلا: “في الوقت الذي كانوا (الجزائريين) يستغلون فيه البترول، كنت أنا أشيد السدود، وأعرف أن المسؤولين الجزائريين كانوا يتهامسون عني آنذاك بسخرية ويقولون: (إنه يغرس الطماطم في الوقت الذي نحفر فيه نحن آبار البترول)”.

و أضاف الملك الراحل في كتابه: “ها هي الأحداث شاهدة على ما أقول في قرارة نفسي، والتاريخ، والحمد لله، ليس كتلك السيدة التي تحتاج إلى تجميل لتبدو أكثر جمالا، فالتاريخ يبقى دوما هو التاريخ، وهو يظهر الاقتصاد الموجه بصرامة كما يجب ومتى يجب وأين يجب”.

و سار الملك محمد السادس نحو إكمال مشوار والده “باني السدود” الملك الراحل الحسن الثاني، بالاستمرار في سياسة تشييد السدود، في محاولة لحفظ المياه من الضياع واستعمالها عند الحاجة، بعد توالي سنوات الجفاف، وتزايد تحذيرات المراقبين من أن المغاربة قدر عليهم اقتسام موارد مائية جد ضئيلة وغير منتظمة.

من نقمة لنعمة.. زلزال الحوز الذي قتل الأرواح و أحيا النفوس‎

وسط المآسي الكبيرة التي خلفها الزلزال الذي ضرب مناطق عدة في المغرب و خلف عددا غير هين من الشهداء، تفاجأ سكان الكثير من هذه المناطق بتفجر ينابيع من المياه، وبعودة الحياة إلى كثير من الينابيع الأخرى التي جفت منذ سنوات.

وتبرز أهمية هذه “المفاجأة الطبيعية” الربانية في أن المغرب يعيش للعام السادس على التوالي جفافا حادا في كثير من مناطقه، من بينها تلك التي ضربها الزلزال في أقاليم الحوز و شيشاوة و تارودانت و ورزازات و أزيلال، وكان العام الماضي أسوأ هذه الأعوام الستة، وكذا أسوأ سنة جفاف شهدها البلد منذ 40 عاما.

تزلزلت الأرض تحت أقدام المغاربة فسقطت الأسقف و الأكوام على رؤوسهم، الفاجعة أفقدتنا آلاف الأحباب، جعلتنا نذرف الدموع، دموع حسرة على فقدان أقارب و أصحاب، و دموع فخر لما شاهدناه من تضامن و قيم و شيم و معدن حقيقي للمغاربة الكرماء المتحابين المتحدين كالجسد الواحد و البنيان المرصوص، مشاهد حكى عنها العالم بإعجاب و انبهر الجميع لما تتحلى به مملكة الأخيار و الشرفاء من معادن نفيسة و قيم متجذرة و متوارثة، فتحول الإعجاب لإعجاز حقيقي ببروز شلالات و ينابيع مائية و عيون كان بعضها قد جف منذ عقود، كما تضاعف منسوب المياه في الآبار و أصبح الوصول للمياه في باطن الأرض يتطلب حفرا أقل من المعهود، ليس في الحوز وحده بل في عديد ربوع الوطن، الحزين بفقدان فلذات كبده السعيد بمبادئ شعبه و بهبات الكريم الجواد خالق الكون و العباد.

و كان نزار بركة وزير التجهيز والماء، قد كشف أمام نواب الأمة أن زلزال الحوز أعاد الحياة إلى عيون مائية نضبت منذ الثمانينات، كما ظهرت حوالي 69 عينا مائية جديدة.

وأضاف بركة أن وزارته قامت بجرد كامل لهذه العيون المائية ميدانيا وبالأقمار الاصطناعية، ومدى ديمومتها، مشيرا إلى أن بعض العيون تضخ 1300 لتر في الثانية.

في تغطيتنا للزلزال بعين المكان آنذاك، قابلنا عددا من الناجين الذين فقدوا على الأقل فردا واحد من ذويهم و معارفهم، و مع ذلك كانوا يحمدون الله على نعمه التي لا تنقطع و خيراته التي حولت الزلزال من نقمة لنعمة.

الحاج لحسين أيت علي واحد من سكان الحوز بمنطقة أداسيل، كان الحزن باديا على ملامحه بسبب فقدان زوجته و ابنتيه، لكنه مع ذلك، كان منبهرا بما وقع بعد الزلزال، حيث قابلناه و هو بجانب منبع مياه تفجر فجأة قرب منزله الذي تهدم بالكامل، في حديثه قال لنا: “هادي كانت عين شحال هادي و نشفات ملي كنا باقين دراري صغار، سبحان الله دبا خرج منها الما بعد الزلزال”.

و أضاف الحاج لحسين: “كنا نقطع مسافات يومية للحصول على الماء، الآن الماء أصبح قريبا منا و بصبيب مرتفع، و حتى صبيب مياه الوادي ارتفع، و عديد العيون ظهرت بالمنطقة، الزلزال قتل الكثير لكنه سيحيي من بقي على قيد الحياة و سيعيد الحياة للأرض كذلك”.

الحاج محمد أيت بيهي، أحد سكان جماعة مجاط، أوضح بدوره أن بعد كل محنة هناك منحة، و عطايا الخالق لا تنقطع، فبعد الزلزال المدمر برزت عديد العيون و المنابع و تحسنت أحوال الفرشة المائية.

و أضاف هذا الشيخ السبعيني الذي نجا بأعجوبة من الزلزال قائلا:”العديد من سكان المنطقة كانوا يهاجرون بسبب الجفاف، الآن سيزيد الارتباط بالأرض بعد أن حبانا الله بهاته المياه العذبة الوفيرة”.

و زاد أيت بيهي و هو يشير لمياه تتدفق من عين عادت لها الحياة ليلة الزلزال قائلا: “هذا الماء خرج خلال الليلة التي ضرب فيها الزلزال المنطقة، و هذه البركة منذ سنوات لم نرها، فالجفاف كان يعم المكان، و هذا الماء خفف ألامنا و سينسي الناس بشكل أسرع في كل ما حدث”.

و جعلنا من الماء كل شيء حي، نعم، فالماء أعاد الحياة لكل تلك المناطق التي ضربها الزلزال، فقدنا الكثير من أبناء وطننا لكن الحياة استمرت، و الماء جزء من أسباب استمرارها في وطن لطالما كان بلد المعجزات و الخيرات و الصفات الحميدة.

تقنية الاستمطار.. المغرب يعيد الحياة لمبادرة “الغيث” لتلقيح السماء‎

في سنة 1984، دشن العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني مبادرة أطلق عليها إسم “الغيث” خاصة بالاستمطار الاصطناعي بهدف مواجهة أثار تعاقب سنوات الجفاف الحاد في البلاد.

وقد استمرت فترة التجارب في هذه العملية التي أطلقت بشراكة مع خبراء تابعين لوكالة التنمية بالولايات المتحدة الأميركية، أزيد من خمس سنوات للتأكد من نجاعتها و الإلمام بمختلف الجوانب المتعلقة بها.

وتتمركز عملية “الغيث” في مناطق محددة من المملكة، خاصة التي تضم السدود المائية، وتتم سواء بالاعتماد على مولدات أرضية تعمل على إطلاق مواد كيماوية لتلقيح السحب، أو عن طريق الاستعانة بمروحيات الدرك الملكي مجهزة بتقنيات خاصة.

هذا البرنامج كان المغرب يعتمده قبل ثلاثة عقود تقريبا كلما برز للواجهة شبح الجفاف، و تم إحياء التجربة قبل ثلاث سنوات، حيث أكد نزار بركة وزير التجهيز والماء في مداخلة سابقة له نونبر الماضي بقلب البرلمان أن وزارته قامت بتوسيع برنامج الاستمطار الصناعي “الغيث” ما بين سنتي 2021 و2023 بمبلغ 160 مليون درهم، فيما سيتم رصد 17 مليون درهم لتطوير ودعم البرنامج خلال السنة الجارية.

هاته التقنية تساعد في زيادة منسوب التساقطات بما بين 14 و17 في المائة، ويتم استخدامها بالمغرب عادة في الفترة الممتدة ما بين شهري نونبر وأبريل بمعدل 22 عملية، وذلك باللجوء إلى تلقيح غيوم السماء بملح كلورور الصوديوم و يودير الفضة من خلال عملي تقنية محضة.

و في هذا الصدد، أكد الحسين يوعابد، المسؤول عن التواصل في المديرية العامة للأرصاد الجوية، بأن مبادرة “الغيث” للاستمطار الاصطناعي كانت من بين الحلول الاستعجالية التي يلجأ لها المغرب كلما تأخر المطر أو انحبس.

و أوضح يوعابد أن نجاح عملية الاستمطار تتطلب توافر عوامل طبيعية وشروط مساعدة من قبيل وجود تيارات هوائية مناسبة لتحفيز السحب ونسبة رطوبة عالية مع انخفاض درجات الكتل الهوائية بالأجواء العليا.

و شدد المتحدث ذاته على أن الاستمطار هو عملية تتطلب الكثير من الاحتياطات والعمل الدقيق، حيث يسبقها أخد عينات من المناطق المستهدفة، ليشرع مختصون في الاستمطار بمديرية الأرصاد الجوية بتحليل معطيات السحب وتحديد نسبة النجاح قبل أن تتم مباشرة العملية.

و أضاف يوعابد بأن عمليات الاستمطار الاصطناعي في المغرب، تستهدف المناطق الجبلية المجاورة للسدود لتعزيز حقينتها من خلال تساقط رقاقات ثلجية التي تساهم أيضا في تعزيز الفرشة المائية.

هذا و كان خبراء بيئيون من دول مختلفة، سبق و أكدوا خلال قمة المناخ “كوب22” التي احتضنتها بلادنا على أن تقنية الاستمطار الاصطناعي هي تقنية صديقة للبيئة، حيث أن اللجوء إليها لا ينطوي على أي تأثيرات سلبية سواء على الفرشة المائية أو على المنتجات الزراعية.

و تجدر الإشارة إلى أن المغرب و بفضل ما راكمه من تجارب و خبرات عبر مبادرة “الغيث”، أصبح يقود تجربة رائدة في مجال الاستمطار الاصطناعي على المستوى القارة الإفريقية، ما خول له تقديم الدعم في هذا الإطار لدول إفريقية من بينها مالي و بوركينافاسو والسنغال، حيث استعانت بالمغرب للقيام بنفس المبادرة لوقف شبح العطش الذي يهدد شعوبها و تحسين إنتاجية الملايين من هكتاراتها الفلاحية.

من “تاغنجة” لصلاة الاستسقاء.. “يا ربي تعطينا الشتا على وجه الصبيان و البكمة”‎

كلما انحبس المطر أو تأخر، يهرع المغاربة للكريم رب العباد، متضرعين ليلا نهارا، رافعين أكفهم للسماء يسألون الخالق أن يسقي العباد و البهيمة و أن يرحم ضعف المخلوق و يجود علينا بالغيث الذي جعل منه كل شيء حي.

للمغاربة و خاصة قاطني البوادي طقوس تميزهم عن باقي شعوب العالم، فمنذ القدم ظهرت عادة “تاغنجة” أو “بلغنجا” كما يسميها البعض، و هي عادة تجرى في طقوس جماعية تتوحد في هدف واحد وهو استجداء المطر من المغيث الرحيم.

“تاغنجة” إذن تشكل طقسا من طقوس الاستمطار وشعيرة اجتماعية من الشعائر الاستسقائية، تمارس بمغرفة “أغنجا” مكسوة بزي عروس، في موكب تشارك فيه النساء والأطفال، الذين يرددون الأهازيج والأدعية، ويطوفون عبر الدواوير والقرى، و خلالها يرش الأطفال بعض الماء على النساء اللواتي يعدن لمنازلهن مبللات، ويتم تحصيل العطايا والصدقات من الأهالي وتخصص لتهيئة مأدبة “معروف”، يأكل منها الصغير والكبير وتنتهي بالدعاء إلى الله أن يرحم عباده ويسقي بهيمته ويحيي الأرض بعد موتها.

طقوس “تاغنجة” الشهيرة في الموروث الشعبي المغربي تحيل على الكثير من الدلالات، و تعيدنا للماضي الجميل و نحن أطفال حين كنا نتبع الموكب مرددين عديد العبارات من قبيل: “تاغنجا تاغنجا يا ربي تصب الشتا” ، وأيضا كنا ننشد: “السبولة عطشانة غيتها يا مولانا”، و حين تمطر كنا ننشد:” أشتا تتا، صبي صبي، أولدات الحراته، اوليداتك في قبي، أمك تجري تطيح، أباك داه الريح” و غيرها من التعابير التي حفظناها و نحن صغار عن ظهر قلب.

موازاة مع ذلك، يحرص المغاربة على الاستجابة لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس الذي يأمر كلما انحبس المطر بتطبيق سنة جده الكريم، رسول الله صلى الله عليه و سلم، لإقامة صلاة الاستسقاء في مختلف المصليات و المساجد.

و في هذا الصدد، أكد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أن صلاة الاستسقاء التي دأب المغاربة على إقامتها كلما انحبس المطر واشتدت الحاجة إليه، تعد سنة حميدة حافظت عليها المملكة الشريفة.

و أضاف وزير الأوقاف و الشؤون الإسلامية أن هذه السنة الحميدة محفوظة بالمغرب كعدد من السنن النبوية الربانية، والتي من خلالها يلتجئ الناس إلى الله تعالى بالدعوة بأن ينزل الغيث ولشكر نعمه.

و شدد المسؤول الديني على أن المغاربة قد دأبوا على إقامة صلاة الاستسقاء كلما انحبس المطر، وذلك اتباعا للسنة النبوية الشريفة، واستدرارا لرحمة الله وجوده وعطائه، عملا بقوله تعالى الذي سبقت رحمته غضبه والذي لا يخيب من رجاه وتوجه إليه، “أدعوني أستجب لكم” وقوله عز وجل “استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا”.

وهكذا، تبنى المغاربة هاته السنة كلوحة فنية ترسم بريشة الروح بألوان الخشوع والخضوع والانتظار، في مزيج بين الثقافة والإيمان وعقد النية واليقين بالدعاء، متماسكين بروح الجماعة وترابطها في لحظات يمتزج فيها ترقب السماء بنعمة الغيث.

أما من الناحية الثقافية والدينية، فإن صلاة الاستسقاء تعتبر تعبيرا عن توحيد المجتمع وتضامنه في وجه التحديات الطبيعية، و تظهر خلال هذه الصلاة قيم الصبر والاعتماد على الله، و تعتبر فرصة للتأمل في قدرة الخالق وحاجة الإنسان إليه.

تحلية مياه البحر.. بدون غاز و لا بترول مغرب التحديات يبتكر الحلول ‎

و لأن المغرب وطن التحديات، و شعب لا يعرف للمستحيل عنوانا، كان لا بد من الثورة على الواقع بابتكار طرق بديلة توفر الماء الشروب من جهة و تمنح الفلاحين الأمل في إغاثة أراضيهم، فكان برنامج تحلية مياه البحر ميزة جديدة جعلت بلادنا تتسيد المشهد و تتبوأ الصدارة في قلب القارة، بل و أكثر من ذلك، أصبحت منافسة لكبريات دول العالم ذات القوى الاقتصادية و الصناعية الضخمة.

بدون غاز و بلا بترول، فقط بعزيمة و رغبة و إيمان و نية  و جدية، دخلت المملكة سباق التحدي، مستغلة شساعة الساحل الممتد على ما يفوق 3500 كيلومتر، و بتوجيهات ملكية سامية انطلق العمل.

وفق معطيات رسمية، يتوفر المغرب حاليا على 14 محطة لتحلية مياه البحر بقدرة إنتاجية إجمالية تصل إلى 192 مليون متر مكعب في السنة، و 6 محطات في طور الإنجاز بقدرة إنتاجية ستناهز 135 مليون متر مكعب في السنة، إضافة إلى برمجة 16 محطة أخرى بقدرة إنتاجية إجمالية ستصل إلى 1490 مليون متر مكعب في السنة، حيث تأتي هذه الاستراتيجية في إطار تبني المغرب لسياسة تعتمد على تعبئة الموارد المائية غير الاعتيادية لمواجهة حالتي الجفاف و الإجهاد المائي.

و قد تم إبرام اتفاقية عقد الامتياز المتعلق بمشروعي تحلية مياه البحر بآسفي والجديدة مع المكتب الشريف للفوسفاط، بسعة إجمالية تصل إلى 110 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2026، كما تم تشغيل محطة تحلية مياه البحر بآسفي بصفة تدريجية منذ شتنبر 2023 لتصل إلى 10 ملايين متر مكعب.

كما سيتم الشروع في استغلال محطة تحلية مياه البحر بالجرف الأصفر هذا العام لتزويد مدينة الجديدة بـ30 مليون متر مكعب سنويا، فضلا على أنه سيتم الشروع في إنجاز محطة تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء – سطات خلال السنة الجارية، في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بقدرة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويا، و سيتم الشروع في استغلالها ابتداء من سنة 2027، و تعتبر أكبر محطة لتحلية مياه البحر بالقارة الإفريقية و واحدة من بين الأكبر في العالم.

كما قد تم انطلاق دراسة إنجاز محطة تحلية مياه البحر بالناظور، بقدرة إنتاجية تناهز 250 مليون متر مكعب سنويا، حيث سيتم الشروع في استغلالها هي الأخرى ابتداء من سنة 2027.

كما أن الأشغال في طور الإنجاز بمحطة تحلية مياه البحر الداخلة بقدرة إنتاجية تصل إلى 37 مليون متر مكعب سنويا منها 30 مليون متر مكعب سيتم تخصيصها للسقي و7 ملايين متر مكعب ستخصص للتزويد بالماء الصالح للشرب، حيث سيتم الشروع في استغلالها ابتداء من سنة 2025، إضافة إلى إطلاق دراسة محطة تحلية مياه البحر بطنجة الكبرى.

ويطمح المغرب إلى توفير حوالي 1.3 مليار متر مكعب من الماء الشروب والمياه الموجهة للسقي في أفق سنة 2030، من خلال محطات معالجة مياه البحر التي تم إنشاؤها و المحطات المبرمجة.

و في هذا الصدد، أكد محمد سراج، أحد مهندسي المكتب الوطني للماء و الكهرباء أن مشروع إنشاء محطات تحلية مياه البحر يهدف إلى تلافي الاعتماد على مصادر المياه الاعتيادية (المياه السطحية و الجوفية)، وكذلك الاستعداد لتداعيات التغيرات المناخية المحتملة.

و أضاف ذات المتحدث في ندوة نظمتها مؤسسة “علال الفاسي” حول السياسات المائية في المغرب أن بلادنا تتوفر على حوالي 100 محطة لمعالجة مياه الشرب المعبأة في مختلف السدود، بطاقة استيعابية تفوق 7.2 مليون متر مكعب في اليوم.

و وفق ما أوضحه المهندس سراج، فالمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب أنتج مليارين و35 مليون متر مكعب من الماء السنة الماضية، بينما يمثل إنتاجه 90 في المائة من الإنتاج الوطني ككل.

و أضاف: “تمثل المياه السطحية 67 في المائة من الإنتاج الوطني من الماء الصالح للشرب، مع 30 في المائة من الموارد الجوفية، بينما لا تمثل مياه البحر المحلاة سوى 3 في المائة”.

و شدد المصدر عينه على أن هذا الأمر دفع للتفكير في تطوير مشاريع تحلية المياه ببلادنا، حيث شرع المغرب في تحلية مياه البحر منذ سنة 1977، إذ أنجزت أول محطة لتحلية مياه البحر في مدينة بوجدور، و اليوم تشهد المملكة عشرات المشاريع الكبرى لتحلية المياه بمختلف الجهات.

و ختم ممثل المكتب الوطني للماء و الكهرباء بأن الطلب على الماء الصالح للشرب في المغرب سيتزايد بشكل لافت خلال السنوات المقبلة، إذ يُتوقع أن ينتقل من 1.7 مليار متر مكعب سنة 2025 إلى حوالي 2.5 مليار متر مكعب سنة 2050، وشدد على أن معادلة ارتفاع الطلب على الماء الصالح للشرب مقابل تراجع الموارد المائية التقليدية تقتضي اللجوء إلى الموارد المائية غير الاعتيادية، كتحلية مياه البحر، لضمان تزويد الساكنة بالماء الصالح للشرب، معتبرا أن الأمر لا يتعلق فقط بتوفير الماء، بل يكتسي صبغة أمنية و اجتماعية متشابكة.

خلاصة القول.. فخورون بالمغرب واللهم كثر حسادنا‎

من هنا و هناك، عرجنا بكم على عديد التقاطعات في سابق الفقرات، لنصل لبعض الخلاصات و هي أن الفلاحة في بلادنا جزء لا يتجزأ من معيشنا و رقم صعب في معادلة اقتصادنا، و الفلاحة ترتكز بالأساس على الماء، تساقطات ربانية كانت أم قطرات باختلاف مصادرها و طرق التحصل عليها، بالماء تعطي الفلاحة و بالفلاحة يتقوى الاقتصاد، و بالاقتصاد يعيش المغاربة بشكل أفضل.

و رغم أزمة الماء التي أثرت على القطاع الفلاحي، المغرب لم يقف مكتوف الأيدي، عديد الإجراءات و المبادرات و المشاريع هدفها تعزيز مصادر الماء، موجها للشرب كان أم للسقي، و بالتالي تعزيز السيادة و الأمن الغذائي للشعب الذي تجند بدوره بكل روح مسؤولية و وعي ليكون جزءا من المعادلة بترشيد استعمال الماء و بالمساهمة في مبادرات الوطن التي دعا لها عاهل البلاد.

و في الأخير، يكفينا فخرا أننا في بلد ملكه زرع بذور الأمل لدى شعب متعطش للأفضل، ملك زرع التفاؤل في أمة تعمل و تكد و تجتهد، ملك زرع الحماس و الجدية في أفراد وطن يتقدم نحو الأمام، ملك زرع الحياة في دولة يعشق شعبها التحديات، ملك يزرع، أرض تعطي و شعب ينتج و يحصد، لتكون الغلة في نهاية المطاف مغرب يزدهر و ينمو برعاية ملكية و باستجابة شعبية، فاللهم كثر حسادنا و زد في عطاء أرضنا و شعبنا…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى