وكيل الملك بالجديدة يؤسس لتشريع ينص على إجراء وقف البحث في حق المعتقلين السابقين

أحمد مصباح – هبة بريس

إذا كانت المادتان 66 و67 من قانون المسطرة الجنائية تصونان للأشخاص الذين تضعهم الضابطة القضائية لدى مصالح الأمن الوطني والدرك الملكي، علاقة بقضايا جنائية أو جنحية أو مخالفات، بمقتضى حالة التلبس أو البحث التمهيدي، تحت تدابير الحراسة النظرية، لمددة لا تتعدى 48 ساعة، قابلة للتمديد مرة واحدة ب24 ساعة، كرامتهم وحقوقهم القانونية، والتي من ضمنها إشعار عائلات المحتجزين بأية وسيلة من الوسائل باعتقالهم، فإن إجراء وقف برقيات البحث على الصعيد الوطني أو المحلي، في حق المطلوبين للعدالة، سيما من جرى اعتقالهم بموجب تلك البرقيات المرجعية، وتمت إحالتهم في حالة اعتقال، على النيابة العامة المختصة، ومحاكمتهم طبقا للقانون، وإيداعهم من ثمة السجن، لقضاء العقوبات السالبة للحرية، المحكوم بها من قبل محاكم المملكة، بدرجتيها الأولى والثانية، فإن حالة المعتقل السابق (ف. خ.) بمدينة الجديدة، وطنيته:
4، والذي جرى اعتقاله مرتين، في أقل من 6 أشهر، من قبل مصالح أمن الجديدة، بموجب برقية البحث ذاتها، الصادرة في حقه على الصعيد الوطني، عدد: 12545، بتاريخ: 06/04/2021، (فإن حالته) قد أثارت جدلا قانونيا وحقوقيا.
وبالوقوف عند هذه النازلة، فبعد أن اتصل عميد الشرطة لدى الدائرة الأمنية الثالثة، في حدود الساعة العاشرة من صباح الخميس 01 دجنبر 2022، من الهاتف الثابت للمصلحة الأمنية، بالمواطن (ف. خ.)، حضر لتوه، حيث واجهه بشكاية بالسب والشتم، قدمتها في مواجهته فتاة من معارفه.
ووفق تصريحات (ف. خ.)، فإن ضابط الشرطة المكلف بالبحث التمهيدي، عمد بالمصلحة الأمنية، التابعة للأمن العمومي، إلى إيقافه وتقييد حريته، بوضع الأصفاد في يديه، بدعوى أنه مبحوث عنه في إطار ملف الإكراه البدني. وعقب الاستماع إليه في هذه الوضعية، في محضر قانوني، على خلفية الشكاية المرجعية بالسب والشتم، حضرت سيارة النجدة، ونقلته بمعية ضابط الشرطة، الذي عامله، على حد تصريحات الضحية “بسلوكات وعبارات مهينة وحاطة للكرامة”، تتحفظ
الجريدة عن ذكرها وإعادة إنتاجها، (نقلته) إلى المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية، حيث تسلمه بمقتضى تقرير الإحالة عدد: 4092، بتاريخ: 01/12/2022، ضابط الشرطة بالفرقة الإدارية بالمكتب 49، والذي كانت بداخله ضابطة الشرطة القضائية.
هذا، ولم يسترجع الضحية حريته المسلوبة، وإزالة الأصفاد من يديه إلا في حدود الساعة الرابعة من مساء يوم الخميس 01 دجنبر 2022، بعد اعتقاله أزيد من 5 ساعات، وذلك فقط عقب الرجوع إلى “الأرشيف الإقليمي”؛ إذ تبين أن برقية البحث الصادرة في حقه على الصعيد الوطني، عدد: 12545، بتاريخ: 06/04/2021، من أجل ملف الإكراه البدني عدد: 131/ا.ب.غ. /2021، والتي اعتقل من أجلها ثانية، اليوم ذاته (الخميس 01 دجنبر 2022)، لم تعد قائمة، وأنه غير مطلوب لأية جهة أمنية أو دركية بالمغرب.
وقد كان ضابط الشرطة نفسه من أنجز بالمكتب 49، بصفته رئيس الفرقة الإدارية بالنيابة، الإجراء المسطري عدد: 1164/ج.ج. /ش.ق.، بتاريخ: 02/06/2022، جراء إيقاف المبحوث عنه (ف. خ.)، بتاريخ: 01 يونيو 2022؛ وكانت ضابطة الشرطة القضائية نفسها من أنجزت ورقة الإرشادات عدد: 2927/ش. ق.، بتاريخ: 02/06/2022، استنادا إلى نظر بالمحفوظات الإقليمية عدد: 35665/2021، علاقة بالبرقية عدد: 12545، بتاريخ: 05/04/2021. حيث أحال الضابط رئيس الفرقة الإدارية بالنيابة، بموجب الإجراء المسطري المرجعي، عقب توجيه نظره إلى عميد الشرطة ممتاز، رئيس المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بالنيابة، المواطن (ف. خ.)، في حالة اعتقال، بتاريخ: 02 يونيو 2022، على وكيل الملك بابتدائية الجديدة، الذي أمر بإيداعه السجن المحلي للجديدة، حيث قضى عقوبة حبسية، مدتها شهر واحد، تحت رقم الاعتقال: F00272BZ، في إطار القضية عدد: 152/2601/2019 (المرجع: ملف الإكراه البدني رقم: 131/ا.ب.غ.2021/). وقد جرى الإفراج عنه من السجن، بتاريخ: 01/07/2022، طبقا لسجل الاعتقال.
وعند اتصال (ف. خ.)، بعد أن عانق سماء الحرية، بعميد الشرطة ممتاز، رئيس الفرقة الإدارية، الذي كان شغل منصب رئيس المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بالنيابة، أكد له أنه قام، جراء اعتقاله وإحالته على النيابة العامة، بموجب برقية البحث المرجعية، بإنجاز المتعين، إجراء وقف البحث الذي كان جاريا في حقه (cessation de recherche).
هذا، فإن المعتقل السابق (ف. خ)، قد تقدم، وفق تصريحاته والوقائع المضمنة في شكايته المرجعية، بطلب كتابي إلى المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بأمن الجديدة، من أجل تمكينه من نسخة من إجراء وقف البحث الصادر في حقه؛ لكن طلبه قوبل بالرفض، والأكثر من ذلك، أن الرفض جاء مرفوقا بالامتناع عن تسلمه، وإدراجه في سجل مكتب الضبط، التابع للمصلحة الشرطية؛ ما اضطره لتقديم شكاية إلى وكيل الملك بابتدائية الجديدة، بتاريخ: 21/12/2022، تحت عدد: 7012/3101/2022، في موضوع “الامتناع عن تسليم إجراء إيقاف البحث في حقه”.
وحتى أن المواطن (ف. خ.)، عندما توجه مؤخرا، مرات، حسب تصريحاته، إلى مقر أمن الجديدة، للاستفسار عن وضعه القانوني، وعن اعتقاله ثانية، في غياب ما يبرر ذلك من الوجهتين الواقعية والقانونية، إذ بالشرطيين لدى مكتب الاستقبال، يمنعانه، رغم إطلاعهما باحترام على هويته وسبب الزيارة، من الولوج إلى المصلحة الأمنية المعنية. وهذا ما يمكن الوقوف عليه بالواضح والملموس، بالرجوع إلى التسجيلات التي وثقت لها الكاميرات المثبتة عند مدخل مقر أمن الجديدة، هذا المرفق الذي يجب أن يكون ويظل مفتوحا في وجه الجميع، مواطنين ومقيمين، وأن يتم استقبالهم والتعامل مع مصالحهم بشكل لائق، بعيدا عن “التعسف والشطط في استعمال السلطة”، طبقا وتطبيقا للمذكرات والدوريات المصلحية، التي عممتها مديرية عبد اللطيف حموشي على المصالح الأمنية المركزية واللاممركزة بالمغرب.
ومن باب التذكير والتنويه، فإن مقر أمن الجديدة يعتبر، على غرار المصالح الأمنية اللاممركزة بالمغرب، “مرفقا عاما وعموميا”، لا يكتسي أي طبيعة أو طابع أمني خاص، وليس لا بمنشأة استراتيجية ذات حساسية أمنية.. ولا بالملكية الخاصة. حيث إنه من المفترض أن يكون جرى القطع مع الممارسات والسلوكات، التي كانت سائدة في عهد المسؤول الأمني، المراقب العام (عزيز بومهدي)، والذي كان رئيس الأمن الإقليمي الحالي للجديدة (حسن خايا)، الذي قدم مؤخرا من المنطقة الأمنية لخريبكة، عمل تحت إمرته عميدا مركزيا.
والجدير بالإشارة إلى أن نازلة الاعتقال الذي تعرض له المواطن (ف. خ.)، تعتبر حالة معزولة، يتحمل من ارتكبوها مسؤوليتها الإدارية، وتبعات هذا الفعل الجرمي والمجرم، والذي نصت عليه المادة 23 من دستور المملكة، والفصلان 225 و228 من القانون الجنائي؛ حالة لا يمكن البتة وبأي شكل من الاشكال، أن تنال من جهاز الأمن، ومن شعاره “الشرطة في خدمة المواطن”. هذا الجهاز “المواطن” الذي يكن له المغاربة ولمديره العام عبد اللطيف حموشي، كل الاحترام والتقدير.
إلى ذلك، فإن مواطنين ممن قضوا عقوبات سالبة للحرية، بعد أن كان البحث جاريا في حقهم، قد وجدوا أو قد يجدون أنفسهم فجأة، في أي وقت ومكان، على غرار السجين السابق (ف. خ.)، عرضة للإيقاف والاعتقال مجددا، في إطار برقيات البحث ذاتها، والتي لم تعد قائمة في مواجهتهم. ما تترتب عنه تبعات وأضرار مادية ومعنوية جسيمة.
وبالمناسبة، فإن المصالح الدركية اللاممركزة، التابعة للقيادة العليا للدرك الملكي، بدورها مطروح أمامها إشكال إجراء وقف برقيات البحث، والتأخر الحاصل في هذه المسطرة، بسبب إجراءات التوثيق الإدارية المتداخلة بين المصالح الدركية والشرطية، سيما أن المصالح الدركية ليست لها “اليد على” (la main mise)، لا البيانات الشخصية، المتعلقة ببرقيات البحث ووقف إجراء البحث، المخزنة في الناظم الآلي المركزي (terminal)، بقسم النشر لدى مديرية الشرطة القضائية “Dif/DPJ/DGSN”، ولا على البيانات التي تعالجها مديرية نظم المعلومات والتشخيص “DSITI/DGSN”.
إلى ذلك، فإن المصالح الولائية والجهوية والإقليمية، والفرق الإقليمية والمحلية للشرطة القضائية، هي من تنجز، بالنسبة للمصالح الأمنية اللاممركزة، برقيات البحث وإجراء وقف البحث، علاقة بالأبحاث القضائية التي تجريها أقسامها وفرقها، والمصالح والدوائر الأمنية (..)، التابعة لنفوذها الترابي، في الجنايات والجنح والمخالفات، وذلك بعد الإخبار والاستشارة والتنسيق مع النيابة العامة المختصة؛ حيث تتكلف قاعات المواصلات اللاسلكية (salles de trafic)، بإرسال برقيات البحث ووقف العمل بها، إلى قسم النشر “Division de diffusion”، بالإدارة المركزية للأمن الوطني، والذي يعمد من ثمة إلى إصدارها وتعميمها، بواسطة الناظم الآلي المركزي.
هذا، فإن من حق كل مواطن مغربي أو أجنبي مقيم، قضى عقوبة حبسية في إطار برقية كانت صادرة في حقه، وتماشيا مع دولة الحق، التي يبقى قيامها رهينا بمدى تطبيق القانون، أن يحصل على وثيقة إدارية ذات طابع رسمي، في موضوع وقف البحث في حقه، حتى يدلي بها للمتدخلين الأمنيين والدركيين، عند الضرورة والاقتضاء، سيما أن هذا “الإجراء القانوني” أو هذه “الوثيقة–الإجراء”، لا يجب أن ينظر إليها باعتبارها وثيقة في “غاية الحساسية”، كونها ليست في “قمة السرية” (TOP SECRET)، ولا تدخل في نطاق الأسرار التي يمنع القانون الحصول عليها أو الوصول إليها، كأسرار الدولة وأمنها، أو أسرار المؤسسة العسكرية؛ فهي يجب أن تكون، بل هي مثلها مثل “شهادة حسن السيرة والسلوك”، التي تعرف ب”بطاقة السوابق العدلية” و”بطاقة الأوصاف” (fiche anthropométrique)، والتي يحصل عليها المواطن لدى المصالح الشرطية، من الدائرة الأمنية التابع لها، في ظرف يومين أو ثلاثة أيام، بعد وضع الطلب.. أو مثل “السجل العدلي” (casier judiciaire)، الذي يحصل عليه المواطن عن طريق الشباك الإلكتروني الخاص بالسجل العدلي؛ هذه الخدمة التي يمكن إنجازها عبر الأنترنيت، على موقع وزارة العدل، في عملية تستغرق بضع دقائق وخطوات.
إلى ذلك، فقد جاءت دورية الأستاذ مولاي الحسن الداكي، رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض، الذي حظي بالثقة السامية، وتفضل جلالة الملك بتعيينه في هذا المنصب القضائي الرفيع، في موضوع سبع وصايا بخصوص مذكرات البحث، والتي عممها، سنة 2021، على الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك بالمغرب، ونبه فيها إلى خطورة المساس بحرية الأفراد ولو بصفة مؤقتة، وتعطيل مصالحهم أثناء الإشراف على إجراءات البحث عن مرتكبي الجرائم، لضبطهم وتقديمهم أمام العدالة، (فقد جاءت) خالية من أية إشارة إلى “إجراء وقف البحث”، الذي أثار جدلا قانونيا وحقوقيا.
هذا، ووجه وكيل الملك بابتدائية الجديدة، بتاريخ: 21 دجنبر 2022، كتابا إلى المصلحة الإقليمية للشرطة القضائية بأمن الجديدة، في موضوع “إجراء وقف البحث” في حق المواطن (ف. خ.). هذا الكتاب النيابي المرجعي، والذي من المفترض والمفروض أن يتوصل “الضحية” بشأنه برد كتابي، يقضي إما بتسليمه وتمكينه من “الوثيقة الإدارية”، موضوع الشكاية والطلب، أو برفض الإجراء.
وفي حالة رفض الطلب، وعدم تبريره من الوجهتين الواقعية والقانونية، فإن الضحية سيسلك، حسب تصريحاته، مسطرة الطعن أمام المحكمة الإدارية المختصة، بواسطة دفاعه من هيئة المحامين بالدارالبيضاء.
وبالمناسبة، فإن الرد على الطلب، كيفما كانت طبيعته، أكان بالإيجاب أو السلب، يجب أن يكون “كتابيا” أو “كتابة” (par écrit)، لأن “ما تم بموجب كتاب، يجب الرد عليه بموجب كتاب”، سيما أن الأمر يتعلق بتعليمات نيابية، هي بمثابة أمر قضائي ملزم، والأكثر من ذلك كون هذا الأمر صادرا عن وكيل الملك، الرئيس القضائي للضابطة القضائية، ولضباط الشرطة القضائية، وموجها إلى مسؤول عن الضابطة القضائية بمصالح أمن الجديدة، الذي يعمل، طبقا وتطبيقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، تحت إمرة النيابة العامة.
إلى ذلك، وفي ظل غياب أي تشريع أو نص قانوني، أو اجتهاد قضائي (jurisprudence judiciaire)، فإن الأستاذ الساوي عبد الرحيم، رئيس القضاء الواقف بالمحكمة الابتدائية بالجديدة، المعروف باستقامته ونزاهته، وحرصه على التطبيق الصحيح والسليم للقانون، وتقيده والتزامه بمبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وضمانه ل”المحاكمة العادلة”، وقناعته الراسخة ب”مساواة الجميع أمام العدالة”، وفق مبدأ “القاعدة القانونية عامة ومجردة”، وسهره على حماية المجتمع والأشخاص والممتلكات، وصون كرامة وحقوق الإنسان، من التجاوزات والممارسات التعسفية، وتصديه ل”الشطط في استعمال السلطة والقانون”، (فإن الأستاذ الساوي عبد الرحيم) يكون أول مسؤول قضائي بالمغرب وفي تاريخ المغرب، في سابقة نيابية وقضائية، من خلال الإجراءات القانونية التي باشرها، والتعليمات والكتاب النيابي المرجعي، الذي أحاله على أمن الجديدة، يعبد الطريق لتعديل أو تتميم قانون المسطرة الجنائية. حيث إن الفقهاء ورجال القانون والحقوقيين، والمهتمين بالشأن القانوني والقضائي، سيتبنون الحكم الذي ستصدره المحكمة الإدارية، في حال اللجوء إلى مسطرة الطعن، ويؤسسون عليه وبموجبه مطلبهم للمشرع بتعديل أو تتميم القانون، أو بإصدار نص قانوني صريح، ينص على “إجراء وقف البحث”، لملأ الفراغ الحاصل في القانون والإجراءات المسطرية الجاري بها العمل. فراغ قانوني قد يكون بالمناسبة من تبعاته، أكان ذلك بنية مبيتة أو عن غير قصد، ممارسة عمليات إيقاف أشخاص أبرياء، قد ترقى إلى اعتقالات تعسفية، تمس بالحرية الشخصية للأفراد، وبدولة الحق والقانون، وقد تنال، جراء الأضرار المادية والمعنوية التي تلحق ب”الضحايا”، من صورة الدولة المغربية، وتعرضها وأجهزتها ومؤسساتها الأمنية والقضائية، للمساءلة أمام الهيئات القانونية والحقوقية، الوطنية والدولية، سيما أن المغرب قد انخرط مبكرا في الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات الدولية، التي تكفل كرامة وحقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها كونيا، والتي من ضمنها حماية الحريات الفردية والجماعية، ونبذ الاعتقال والاحتجاز خارج القانون، والشطط في استعمال السلطة والقانون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى