قراءة في أسعار الطاقة

:إدريس الكداري / مهندس صناعي و باحث

يعد النفط شريان الحياة الاقتصادية، والمحرك الديناميكي لها في عالم تتسارع فيه وثيرة النمو و الإنتاج.و هو سلعة إستراتيجية شديدة الحساسية و ذات مخاطر عالية ، إذ تتأثر بمختلف أنواع الاضطرابات، سواء كانت كوارث طبيعية، مشاكل اقتصادية، أو صراعات جيوسياسية… وبذلك فهو عامل مؤثر في معادلة الأمن القومي للدول والشعوب.

ولعل جائحة كورونا وما خلفته من تبعات، أدت إلى تقلص حجم الأنشطة الاقتصادية،وانخفاض الطلب العالمي على النفط، ترتب عنه تراجع في أسعار الطاقة. وما فتئ العالم يتنفس الصعداء حتى استفاق على وقع أزمة روسية أوكرانية، يرى مراقبون أنها حرب بالوكالة بين المعسكر الغربي وآخر شرقي يحاول استرجاع مكانته ونفوذه،وإعادة رسم معالم عالم جديد متعدد القطبية.

هذه الأزمة لم تكن لتمضي دون أن تلقي بظلالها على المشهد الدولي مبعثرة بذلك كل الأوراق،معيدة معها الاقتصاد،وهو الذي لم يستعد عافيته بعد، إلى حالة من المرض الإكلينيكي، ما أدى إلى اهتزاز أسواق الطاقة العالمية في ظل ارتفاع الأسعار وعدم القدرة على التحكم فيها.

تعتبر روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط في منظمة أوبك بلاس، بمعدل إنتاج يصل إلى 10,5 مليون برميل يوميا،ملبية بذلك %11 من الإحتياج العالمي من هذه المادة الحيوية ،الشيء يجعلها رقما يصعب تجاوزه في أي نزاع أو تسوية لملف الطاقة.
ومنذ اليوم الأول للحرب، تحاول الدول الغربية جاهدة فرض حزمة من العقوبات على روسيا طالت مجال الطاقة،هدفها تجفيف منابع السيولة المالية وكبح تمويل حربها ضد أوكرانيا،بالمقابل ترد موسكو بالضغط على تلك الدول بفرض سياسة الأمر الواقع عن طريق التأثير في سلاسل الإنتاج و الإمداد العالميين، أضف إلى ذلك استغلال بعض المضاربين لحالة الفوضى وعدم استقرار الأسواق للتلاعب في الأسعار. كل تلك عوامل أدت إلى ارتفاع أسعار النفط، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار مؤثرا بذلك على اقتصادات معظم الدول وخاصة تلك المعتمدة على الاستيراد.

وتعد بلادنا واحدة من تلك الدول، حيث يستورد المغرب %96 من احتياجاته النفطية ،والتي تقدر بحوالي ربع مليون برميل يوميا، جلها من السوق الأوروبية، وتتمثل أساسا في مادة الغازوال،البنزين،الفيول ووقود الطائرات، وذلك عبر مجموعة من الشركات العاملة في القطاع، حيث يستحوذ قطاع النقل على %55 من الإستهلاك الوطني متمثلا في مادتي الغازوال والبنزين، ثم قطاع الإسكان ب %22 جلها من الغاز الطبيعي، يليه القطاع الصناعي ب %15 من مادة الفيول ثم القطاع الفلاحي ب %8 .وبسبب ارتفاع أسعارها عالميا، فقد ارتفعت فاتورة استيراد المملكة لهذه المواد،حيث من المتوقع أن تصل إلى 100 مليار درهم متم شهر دجنبر 2022، وهو ما يمثل %10 من الناتج الوطني الإجمالي .

وفي محاولة لإلقاء الضوء على أسباب ارتفاع أسعار المحروقات ببلادنا، يمكن مبدئيا القول أن ذلك ما هو إلا انعكاس لتغير أسعار السوق العالمية وذلك لعدة أسباب أهمها:

تداعيات الحرب: حيث ومنذ اندلاعها، تأثرت سلاسل الإمداد العالمي، مما أدى إلى نقص المعروض و بالتالي ارتفاع الأسعار، وذلك باعتبار النفط سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، إضافة إلى محاولات الدول الغربية فرض سقف على أسعار الطاقة الروسية، مما يحذو بهذه الأخيرة إلى خفض الإنتاج كنوع من الإفلات من العقوبات.

تخفيض دول منظمة أوبك بلاس للإنتاج : جاء هذا القرار في ظرفية اقتصادية صعبة،ففي حين تدافع دول المنظمة من شأنه، حسب تعبيرها، توفير إرادات معقولة تدعم مداخلها، في ظل مخاوف من دخول الإقتصاد العالمي في حالة من الركود ما يمكن أن يؤدي إلى انهيار الأسعار،بالمقابل تجد الدول المستوردة للطاقة ومنها المغرب نفسها في وضع لا تحسد عليه ،إذ أن خفض الإنتاج سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار وهو ما سيثقل كاهل ميزان المصروفات ويستنزف الاحتياطي الوطني من النقد الأجنبي.

إرتفاع سعر صرف الدولار: كما هو معلوم، فمنذ انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية بريتون وودز، حيث ثم فك الدولار بالذهب، وبعد الأزمة الطاقية سنة 1973، ثم ربط كل التعاملات النفطية بالدولار، مشكلا بذلك غطاءا نقديا له، ومنذ ذلك الحين اندمج الاثنان في متلازمة توافقية، وصارا وجهان لعملة واحدة تعرف باسم البترو دولار،ومعنى ذلك أن كل ارتفاع في قيمة احدهما يؤدي أوتوماتيكيا إلى ارتفاع قيمة الآخر.

إرتفاع تكاليف النقل :حيث ارتفعت تكاليف النقل البحري للنفط ،وذلك بسبب محاولات شركات النقل تعويض الخسائر التي تكبدتها جراء الإغلاق بسبب جائحة كورونا.
أما داخليا فتعزى أسباب الارتفاع إلى عوامل لعل أبرزها:

تحرير قطاع الطاقة: فمنذ رفع الدعم عن قطاع المحروقات ببلادنا سنة 2015، أصبح المستهلك يتحمل عبء تلك التكاليف، مضطرا بذلك إلى شراء المحروقات بالسعر العالمي.

ضعف الطاقة الاستيعابية للتخزين: تعتبر القدرة التخزينية ببلادنا محدودة، حيث لا تتعدى 1,5 مليون متر مكعب، أي ما يعادل يوما من استهلاك مادة الغازوال،و41 يوما من مادة البوتان ،مما يلزم المستوردين المحليين التعاقد بالعقود العاجلة والتي تكون أعلا سعرا من العقود الآجلة.

توقف الإنتاج بمصفاة سامير: كانت تؤمن المصفاة %39 من الاحتياجات الوطنية ، وذلك عن طريق استيراد النفط الخام وتكريره، مما يجعله أقل كلفة من شراء المنتجات البترولية في صيغتها النهائية من الأسواق الدولية.
المنظومة الضريبية: إذ تفرض الدولة نوعين من الضرائب على المحروقات: ضريبة الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، لتبلغ القيمة الضريبية الإجمالية حوالي %40 من سعر البيع للعموم.

هذا إضافة إلى بعض عمليات الإحتكار ومحاولة زيادة هامش الربح لدى بعد الموزعين المحليين ،في ظل ضعف مجلس المنافسة و عدم توفره على القدرة الكافية لضبط الأسعار.

ما رأيك؟
المجموع 11 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق