فضيحة.. ربع قرن لبناء سوق بكلفة 5 ملايير قبل أن يتحول لتجزئة سكنية

هبة بريس ـ ياسين الضميري

nيبدو أن الأرقام القياسية أضحت لصيقة بمدينة برشيد بعدما تحولت هاته المدينة المتاخمة للعاصمة الاقتصادية لمثار سخرية بعد “فضيحة” السوق الأسبوعي الجديد الذي انفضحت تجهيزاته أسبوعا فقط بعد تدشينه الرسمي.

فبعد الطريق الرابطة بين برشيد و الدروة و التي لا تتعدى مسافتها العشرة كيلومترات، و هي الطريق التي استغرقت و ما تزال لتوسيعها أكثر من ثلاث سنوات دون أن تنتهي بها الأشغال، في رقم قياسي غير مسبوق، ها هو السوق الأسبوعي “الجديد” لبرشيد ينضاف لقائمة “غينيس” في صنف العجائب و الغرائب.

البداية ستكون بسرد سريع لنوسطالجيا الأحداث، حيث أنه و في سنة 1997 قام المجلس الجماعي آنذاك برئاسة الاتحادي محمد طربوز بحيازة أرض مساحتها 14 هكتار لتحويلها لسوق أسبوعي ببرشيد بمبلغ 40 درهم للمتر المربع و قضت المحكمة بنزع ملكية الأرض من أصحابها و تحويلها للجماعة.

غادر مجلس طربوز التدبير في انتخابات 2003 و جاء محله الاستقلالي محمد بن الشايب، الأخير اتفق مع بعض من أصحاب الأرض، رغم حكم المحكمة بحيازة 14 هكتار، على الاستفادة فقط من 10 هكتارات و بثمن 100 درهم للمتر مربع عوض 40 درهم المتفق عليها سلفا.

رصد المجلس مبلغ خمسة ملايير لإنشاء السوق بهاته الأرض، التي تحولت مساحتها بقدرة قادر من 14 هكتار لعشر هكتارات، صرفت المليارات و لم يتم تدشين السوق بالرغم من انتهاء ولاية الرئيس بن الشايب في سنة 2009.

أعادت صناديق الاقتراع في ذات السنة نفس الرجل لهرم التدبير الجماعي ببرشيد، و استمر واقع الحال على ما هو عليه دون أن يفتتح السوق الذي ظل يلتهم الأموال العمومية في “ترقيعات” مسترسلة دون اللجوء مرة أخرى لا لتصميم و لا لمهندس معماري بعد التعديلات، وفق تصريحات أحد أعضاء المعارضة الحالية للمجلس الجماعي، وحدهم تقنيو الجماعة من كانوا يتكلفون بالمهمة على حد قوله.

انتهت الولاية الثانية للرئيس بن الشايب في 2015 و حل محله البامي عبد الرحيم الكاميلي، مع إشارة بسيطة هو أن منصب نائب الرئيس الجديد شغله الرئيس القديم، أي أن الكاميلي و بن الشايب شكلا تحالفا في المجلس الذي تم تغيير هرمه فقط.

حاول الكاميلي البحث عن حلول لفتح السوق غير أن اكتشافه لعدد من العيوب التقنية به جعله يتريث في الأمر ، و من هاته العيوب رفض “أونسا” اعتماد مجزرة السوق باعتبارها لا تستجيب للحد الأدنى من المواصفات و المعايير المطلوبة.

هاته العيوب مردها حسب مجموعة من التقنيين للتغييرات التي أحدثت دون الاعتماد على أي مهندس و في ظل غياب تصميم جديد يراعي المستجدات التي شهدها فضاء السوق و منها تغيير مساحته.

بين هذا و ذاك، أقدمت الوكالة الحضرية على المصادقة على المساحة المعدلة في تصاميم التهيئة و تحول فضاء السوق رسميا لمساحة العشرة هكتارات رغم أن الجريدة الرسمية تحدد قانونيا مساحة السوق في 14 هكتار.

الأربع هكتارات الأخرى تحولت بشكل غريب و عجيب لجزء من تجزئة سكنية محاذية للسوق و جزء عار مخصص للبناء العقاري و مساحات أخرى تم تحويلها لمجرى واد يمر من جنبات المدينة.

“أونسا” أصرت في زياراتها الميدانية على عدم منح الاعتماد لمجزرة السوق نظرا لغياب تصميم نموذجي يلبي المتطلبات المفترض أن تشتمل عليها مجزرة عصرية، و هو ما دفع المجلس السابق لصرف مبالغ إضافية في محاولة منه لإصلاح ما يمكن إصلاحه دون أن ينجح في ذلك.

انتهت ولاية الكاميلي بدوره، و نجح الاستقلالي طارق القديري في انتخابات 2021، و نصب الرئيس السابق كنائب له في المجلس الجديد، أي أن الكاميلي صار نائبا للقديري، أربعة أشهر فقط على تقلده زمام تسيير مجلس جماعة برشيد حتى قرر الأخير بطلب من أعضاء المعارضة فتح السوق الأسبوعي بالرغم من افتقاده لمقومات السوق الحقيقية.

افتتح السوق بالتبريكات و التهاني و الصور التي غصت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الموالية للمجلس و المقربة من أعضائه، و نال القديري و مجلسه الإشادة و التنويه بأن لهم الجرأة في فتح سوق عجز سابقوهم عن فعل ذلك، و بعد ذلك بأسبوع فقط، تقاطر الغيث على المدينة ليفضح كل شيء.

خمسة ملايير سنتيم صرفت لبناء سوق، أو بالأحرى أسوار رباعية الأضلاع، ظل مغلقا لمدة تقارب ربع قرن، تحول مع أول زخة مطر لبركة كبيرة من المياه أغرقت باعة الخضر و الفواكه و التجار، و اتضح أن لا مرافق و لا تجهيزات بهذا المستطيل العشوائي في كل شيء، و حتى المجزرة التي التهمت الكثير من المال ما تزال مغلقة في انتظار 700 مليون إضافية لتجهيزها على أمل نيل اعتمادها.

مفاجأة من العيار الثقيل فجرها أحد أعضاء المعارضة بالمجلس الحالي حين أكد أن السوق افتتح في غياب الوثائق المفترضة للتسليم النهائي من المقاول، الأمر الذي يبدو منطقيا غير قابل للتصديق إلى أن يثبت أحد ما العكس و إلى أن يبرز للواجهة إسم الرئيس الذي قبل استلام المشروع من المقاول بعيوبه، الأخير الذي أخد نصيبه المالي و انصرف لحال سبيله دون حسيب و لا رقيب، مثله مثل المجالس التي تعاقبت لربع قرن و لم تكن لها الجرأة “السياسية” لفتح السوق و تحديد المسؤوليات و ترتيب الجزاءات.

لحدود الساعة هذا ما يتضح للعيان و ما خفي أعظم على ما يبدو، فهل سيتحرك المجلس الأعلى للحسابات للنظر في هذا الملف الذي يعتبر وجها من أوجه تبدير المال العام و التصرف فيه بطريقة لا يمكن وصفها بغير عبارة “العشوائية”، أم أننا سننتظر ربع قرن و لربما أكثر حتى تصل رسالة ساكنة برشيد لمجلس العدوي؟

ما رأيك؟
المجموع 0 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

  1. إنه الفساد يا شرفاء الأمة الفساد سرطان ينخر أموالنا بالتواطؤ مع القانون الفساد هو من يقرر في كل شيء.

  2. الفاسدون وآنعدام المحاسبة والمسائلة جعل كل من هب ودب يسرق بكل حرية ووقاحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق