“مامادو”.. قصة إيفواري استلهم تجربة الفلاحة الإيكولوجية و السقي بالتنقيط من المغرب لبلده‎

0
التحكم في النص :
تكبير الخط تكبير الخط تصغير الخط تصغير الخط

ياسين الضميري - هبة بريس

“أنتم محظوظون لأنكم في بلد إسمه المغرب، فعلا إنه بلد عظيم و شعب رائع ، من حقكم أن تفتخروا بوطنكم و ملككم” ، عبارة استقبلنا بها الشاب “مامادو ديوماندي” الإيفواري الأصل و الذي أمضى بضع سنوات بالمغرب كانت كافية ليغير نظرته للحياة و ليؤسس اللبنة الأولى لمشروعه الفلاحي الواعد ضواحي مقاطعة ياموسوكرو الإيفوارية.

هنا الكوت ديفوار ، هاته الدولة التي تقع في غرب إفريقيا ، الوصول إلى هذا البلد تطلب منا قطع مسافة تقارب الخمسة ألاف كيلومتر جوا عبر رحلة مباشرة من الدار البيضاء لأبيدجان عاصمة ساحل العاج في رحلة استغرقت أربع ساعات و نصف من الطيران قبل حط الرحال بمطار فيليكس هوفويت بوانيي الشهير و الذي سمي على أول رئيس للبلاد بعد استقلالها و الذي ظل في الحكم من سنة 1960 إلى حدود سنة 1993.

الكوت ديفوار أو ساحل العاج ، هذا البلد الجميل الذي تحده غانا من الشرق، وغينيا وليبيريا من الغرب ومالي وبوركينا فاسو من الشمال، و يطل من الجنوب على خليج غينيا والمحيط الأطلسي، عاصمته الفعلية هي مدينة أبيدجان التي توجد بالجهة الجنوبية قرب الساحل ومن أهم منشأتها بواكي وجاجنوا، رغم أن “ياموسوكرو” تظل بحكم القانون هي العاصمة الإدارية للبلاد، وتعود تسميتها إلى أن التجار الأفريقين كانوا يجمعون أنياب الفيلة ويعرضونها للبيع في أكوام على سواحلها فأخدت إسمها من تجارة العاج، تتميز الكوت ديفوار بتنوعها الديني رغم أن غالبية الشعب الإيفواري مسلمون و قد وصلها الإسلام من الشمال عن طريق التجار.

أرض ساحل العاج تتكون من سهول ساحلية تغطي ثلث مساحتها و تمتد بجوار شواطئها، وتربة السهول خصبة تنمو فيها الغابات ، وبعد السهول ترتفع الأرض تدريجيا نحو الغرب، وفي هذه المنطقة هضبة كرانيتية تغطي في القسم الشمالي منها بحدائق السافانا، وتشق أنهار عديدة ساحل العاج من الشمال إلى الجنوب.

مناخ هذا البلد مختلف نوعا ما عن باقي دول إفريقيا، حيث أن الساحل شبه استوائي تزيد حرارته ورطوبته، ويشهد الجنوب فصلين مطرين يفصل بينهما فصلان جافان ، ويسود الشمال مناخ مداري أقل مطرا وحرارة من الجنوب.

منذ القدم اعتمد اقتصاد الكوت ديفوار على الفلاحة و الزراعة حيث يعمل معظم سكان ساحل العاج في الزراعة ويسكنون القرى الصغيرة، لكن في السنوات الأخيرة بدأت أفواج من الشباب تهجر الضواحي نحو المدن الكبرى بحثا عن تحسين ظروف الحياة مما جعل نسبة الزراعة في الناتج القومي تتقلص تدريجيا رغم أنها تظل في صدارة اقتصاد البلد.

الزراعة حرفة السكان الأساسية، وقد تخصص القسم الشمالي من البلاد في إنتاج الغلات الزراعية الغذائية مثل الأرز والذرة والموز، بينما ينتج القسم الجنوبي المطاط والكاكاو والبن ، وساحل العاج الثالثة في إنتاج البن والخامسة في إنتاج الأناناس والموز بالعالم، كما تتميز أيضا بزراعة القطن وقصب السكر ، وتشكل الأخشاب ثروة عظيمة تسهم بخمس صادراتها ، وتنتج القصدير والحديد والمنغنيز والذهب والماس من مناجم ساحل العاج.

اعتمد دخل البلاد قبل عام 1960م بشكل شبه كلي على تصدير البن والكاكاو، ومنذ ذلك الحين أصبحت جمهورية ساحل العاج تصدر مجموعة كبيرة ومتنوعة من البضائع، إذ يعد زيت النخيل حاليا مصدرا أساسيا لدخل البلاد، كما أن منتجات الموز والأناناس والمطاط منتجات مهمة أيضا، ويقوم الفلاحون هناك بزراعة نبات يدعى “المنيهوت” والذرة الشامية والأرز والبطاطس.

وبالرغم من تنوع البضائع المنتجة للتصدير فلا يزال اقتصاد جمهورية ساحل العاج يعتمد إلى حد كبير على تصدير البن والكاكاو، كما تتركز الزراعة في وسط البلاد حيث الأنهار والسدود، وقد توسعت الزراعة في السنوات الماضية وخاصة مساحة الأراضي السقوية، فبعد أن كانت نحو 3 ملايين هـكتار سنة 1965، صارت اليوم 8 ملايين هكتار ونصفاً.

و رغم أن اقتصاد الكوت ديفوار يعتمد بنسبة كبيرة على الزراعة ، غير أن عدد المواشي بهذا البلد يبقى ضعيفا جدا حسب الأرقام التي استقيناها من وزارة الزراعة و التنمية الريفية الإيفوارية حيث أن عدد الأبقار لا يتعدى 800 ألف رأس، والأغنام والماعز مليوني و نصف المليون رأس، فيما يقارب عدد الخنازير 400 ألف رأس، في حين تبلغ الثروة السمكية ما مجموعه 100 ألف طن.

التزود بمثل هاته المعلومات كان أمرا ضروريا قبل شد الرحال لمقاطعة “ياموسوكرو” التي يتكلم غالبية سكانها الفرنسية بطلاقة، من مطار فيليكس هوفويت بواني بأبيدجان وجدنا “ياكوبا” مرافقنا في هاته الرحلة بانتظارنا في سيارته لتننطلق رحلتنا الشاقة نحو قرية تدعى “كامي” تبعد عن العاصمة بأكثر من 300 كيلومتر.

الطريق لهاته القرية ليس بالأمر الهين في ظل هشاشة البنية التحتية لبعض المناطق التي اضطرت السيارة لعبورها ، غير أن الاستمتاع بمنظر الغابات و الأنهار و أشجار السافانا و البراري و بعض الحيوانات البرية جعلنا ننسى كل المشاق في انتظار الوصول ل”كامي” هناك حيث ينتظرنا “مامادو”.

في الجنوب الغربي من مقاطعة ياموسوكرو التي شهدت ولادة أعظم رئيس في تاريخ البلاد تتربع قرية “كامي” التي كانت قبل سنوات مجرد قرية مهجورة بعدما غادرها غالبية الشباب للمدن الكبيرة بحثا عن سبل عيش أرحب خاصة في ظل اشتداد الجفاف و قلة فرص الشغل بالزراعة التي لم تعد كافية حتى لعيش سكان المنطقة الذين يقدر عددهم بحوالي سبعة ألاف نسمة.

“مامادو” واحد من هؤلاء الشباب ، كان كل صباح يستفيق و عيناه ترقب جود و عطاء السماء، ضاقت به السبل و لم يجد غير الهجرة ليس من قريته فحسب كغالبية الأقران و إنما من البلاد ككل فكانت الوجهة نحو المغرب ، ذاك البلد الذي لطالما سمع عنه في نشرات الأخبار و تناقلت مواضيعه جلسات الرفاق في مقهى صغيرة هناك تدعى “ليزاميكال” حيث يجتمع غالبية سكان القرية لمشاهدة مباريات محبوبهم الأول “ديدي دروغبا” و زميله “يايا توري”.

غادر مامادو بلاد العاج و ترك الأهل و الأصحاب خلفه و جابه المخاطر و الصعاب ليصل لمدينة الرباط صيف سنة 2012 ، يحكي هذا الشاب الذي بالكاد بلغ سنته التاسعة و العشرون: “وجدت المغرب مختلفا تماما عن بلدي، مختلف في كل شيء، شعبه، تقاليده، عقلية مواطنيه، بنيته التحتية و حتى مطبخه، لكنني لم أجد صعوبة في الاندماج خاصة أنني أتقن الحديث بالفرنسية و بدأت تعلم الدارجة المغربية”.

بعد ستة أشهر أمضاها بين شوارع الرباط جرب خلالها عديد المهن كبيع الإكسسوارات و غسل السيارات، تعرف “مامادو” بالصدفة على أحد الفلاحين الكبار بمنطقة الغرب و بالضبط بضواحي مدينة القنيطرة ليقترح عليه الاشتغال بضيعته الفلاحية و هو الأمر الذي قبله الشاب الإيفواري الضخم البنية دون أدنى تفكير.

مقام مامادو بضيعة “با الحاج” كما يحرص على تسميته فاق السنتين و نصف، هناك حيث تعرف على أخر مستجدات عالم الفلاحة و الزراعة خاصة أن الضيعة التي كان يشتغل بها متخصصة في الزراعة الإيكولوجية باعتماد تقنية السقي بالتنقيط و هي التقنية التي لم يكن “مامادو” يعرف عنها شيئا مما جعل فضوله و شغفه في التعلم يدفعه لمعرفة أدق تفاصيلها لدرجة صار من بين أمهر فلاحي الضيعة.

“رحم الله من علم علما و علمه” .. فكرة نضجت و أحلام بالأفق سطعت

و لأن “مامادو” الذي تربى وسط أسرة محافظة بالكوت ديفوار كان متشبعا بتعاليم الدين الإسلامي لم يكن يترك وقت العمل سوى للصلاة و العبادة و هو ما جعل مشغله يضع كامل ثقته فيه، ليجالسه ذات مساء و يقترح عليه فكرة لم يكن البتة يضعها في ثنايا مخيلته الصغيرة: “نتا دبا تعلمتي هاد التقنية الجديدة علاش ماتديرهاش في بلادك و هكذا تستافد نتا و تعاون شباب أخرين و حتى بلادك”.

بهاته الكلمات خاطبني “با الحاج” يقول مامادو ، قبل أن يواصل الحكي: “لقد شجعني على العودة لبلدي و نقل التجربة إليه كما دعمني ماديا و معنويا لبداية مشروعي الفلاحي الجديد و هو إنشاء قرية إيكولوجية تعتمد على تقنيات بديلة في الزراعة البيئية و العضوية مع اعتماد تقنية السقي بالتنقيط للحفاظ على الفرشة المائية و مواجهة مخاطر ندرة و شح المياه ببلدي”.

“ودعت المغرب الذي منحني الأمل في الحياة بعدما ولجته كائنا محطما يائسا و عدت لبلدي شخصا أخر مفعما بالحيوية و الرغبة الجادة” ، يتوقف مامادو عن الحكي قبل أن يرتشف القليل من “الكيدجينو” الشهير هنا و الذي يتم تحضيره باعتماد مرق الدجاج و مستخلص من مزيج الخضر و بعض الأعشاب الطبية و معه مشروب “بيساب” المستخلص من عصارة زهرة تدعى “الكركديه” المجففة و هي نبتة شهيرة بالكوت ديفوار.

عاد مامادو لقرية “كامي” بمقاطعة ياموسكورو بالكوت ديفوار و أسس جمعية تدعى “الحلم الممكن” و جمع ثلة من شباب المنطقة حيث حرص على تكوينهم و تلقينهم أبجديات الزراعة الإيكولوجية و أهدافها و إيجابياتها و هو الأمر الذي لقي تجاوبا كبيرا من طرف غالبية سكان المنطقة الذين أعجبوا بالفكرة التي استلهمها إبن قريتهم من بلد إسمه “المغرب” و يعتبرونه مرجعا و قدوة.

و في فترة وجيرة استطاعت الجمعية الحديثة العهد أن توقع اتفاقا مع مسؤولي المنطقة يقضي بمنحهم مساحة كبيرة من الأراضي المخصصة للزراعة في ملكية الدولة و معها قرض مالي لتمويل المشروع، لتنطلق الأشغال على قدم و ساق قصد تحويل الأرض الممنوحة لقرية إيكولوجية كان أول أهدافها تحقيق أمن غذائي لسكان خمس قرى مجاورة بأقل تكلفة و هو الأمر الذي تمكن مامادو و أبناء قريته من تحقيقه في ظرف وجيز لتكبر أحلامهم و يصبح هدفهم بعد ذلك تنويع الزراعات لتشمل بعض الخضر و الفواكه و التمور التي لا توجد بالكوت ديفوار و التي تم جلب بذورها خصيصا من المغرب.

الزراعة الإيكولوجية أو البيئية .. حفاظ على التوازن الطبيعي و خيار للمستقبل

في أواخر القرن الماضي، بدأ تداول فكرة الفلاحة البيولوجية عبر عدة مبادرات لمجموعة من التقنيين الزراعيين والأطباء و كذا المزارعين بالإضافة إلى انخراط المستهلك المعني بالدرجة الأولى بمجال البحث، وتعتبر هذه الطريقة المبتكرة في مجال الفلاحة نظاما موجها للإنتاج يعتمد في مبدئه الرئيسي على عدم إستعمال الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية وكذا المنتوجات المعدلة وراثيا أو بصفة عامة الاستغناء عن كل المنتجات الصناعية التي تعتمد في عملية الإنتاج.

تعتمد الفلاحة البيولوجية على مجموعة من الآليات للإنتاج البيولوجي الخالي من المواد المصنعة، أو بمعنى أدق لا يحتوي على أي بقايا للمواد المصنعة التي من شأنها الرفع من المردودية على حساب صحة و سلامة التوازن البيئي، ومن بين الآليات المعتمدة نذكر إعادة تدوير المواد العضوية و استعمالها كأسمدة طبيعية و اعتماد تقنية التناوب في زرع المحاصيل أو تداول الزراعات و هي العملية التي تمكن من إعاقة الدورات الحياتية للحشرات الضارة و استعمال مواد بديلة للمنتجات المصنعة كالمواد المساعدة والحيوانات المفترسة النافعة مثل الحشرات و الفطريات و الفيروسات، وهذا ما يقلل من عدد الكائنات الضارة دون المس بتوازن المنظومة البيئية الفلاحية، و بالتالي الحفاظ على المكونات الرئيسية للبيئة و أهمها التربة و الماء والهواء وعلى كل الموارد الطبيعية، فضلا عن سلامة العنصر البشري الذي يعتبر الجاني و المجني عليه في الآن نفسه.

و من المعروف أن المنتوج البيولوجي له خصائص غذائية أغنى و جودة عالية في المذاق، كما أنه لا يحتوي على أي بقايا للمبيدات الحشرية أو أي مواد تساهم في تسريع النمو، أي أنها خالية من المواد “المسرطنة” التي تعتبر آفة العصر و بالتالي فهي آمنة تماما لصحة الإنسان، كما تتميز المنتوجات الفلاحية البيولوجية بجودتها الممتازة و باحترامها لمعايير الصحة العامة.

و الفلاحة البيولوجية هي أكثر من أن تعرف على أنها نمط للإنتاج، بل هي حركة اجتماعية ذات ضرورة ملحة تهدف إلى الإستجابة لتوقعات المجتمع من حيث الصحة والبيئة و اقتراح تغييرات سلوكية من شأنها المساهمة في احترام النظم الإيكولوجية الطبيعية والبحث عن التوازن والتماسك العام لمكونات النظام البيئي و التقليل من الآثار البيئية و المساهمة في عدم تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي و تشجيع إعادة التدوير و الحفاظ على الموارد الطبيعية و على التنوع البيولوجي و المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي.

و يمكن استخلاص أن الفلاحة البيولوجية بكونها طريقة إنتاج إيكولوجية تحمي البيئة و تدعم التوازن الطبيعي للمنظومة البيئية، من خلال منع استعمال المواد الكيميائية المصنعة كالأسمدة و المبيدات و تيسير طرق الوقاية و المقاومة البيولوجية، و بالتالي فهي طريقة مستديمة تمكن من تلبية حاجيات الأجيال الحالية و القادمة.

 

السقي بالتنقيط أو “الكوتاكوت”.. اقتصاد للماء توازيه مردودية أنجع

اعتاد المزارعون في الماضي على أساليب الري التقليدية باستخدام الأنابيب التي تستعمل لرش المياه على المزروعات وبالتالي ضياع الكثير من الماء دون الاستفادة منه، قبل أن يتم الإهتداء لطريقة عصرية و حديثة تدعى الري بالتنقيط أو “الكوتاكوت” و التي أثبتت فعاليتها في اقتصاد الماء و نجاعتها في ضمان مردودية أفضل.

عمد الإنسان إلى التفكير في اقتصاد الماء عند سقيه للمزروعات، إلى أن توصل لطريقة الري بالتنقيط، وعلاوة على أن هذه الطريقة في الري تعود بمردود كبير في الناحية الإنتاجية على المزارع، فهي أيضا تحسن الجودة وتوفر الأيدي العاملة بالإضافة إلى أنها تخفض من كميات المياه المستهلكة مقارنة بالطرق التقليدية في الري.

هذه الطريقة يمكنها أن تؤمن التوزيع المنظم لكميات المياه وتوصلها مباشرة إلى منطقة انتشار الجذر ليمتصها النبات، وأيضا تقلل من فُرص فقد المياه أو تسربها من خلال التربة أو بواسطة التبخر حيث يمتصها النبات فورا لقلة كميتها، وأيضا توفر تجانسا وتشابها في أشكال وأحجام الثمار، نظرا لامتصاصها كميات متساوية من المياه والسماد، وتقلل من فرص نمو الأعشاب الضارة التي تنافس النباتات، فالنبات يمتص كل الماء وتبقى التربة شبه جافة لا تسمح بنمو أعشاب طفيلية، وهذا بالتالي يوفر في كمية المواد الكيماوية المستخدمة لمكافحة الأعشاب الضارة نظرا لندرتها.

و على عكس نظام الري بالتنقيط، يقوم نظام الري بالرشاشات (سپرينكليرس) برش الماء إلى الأعلى أو في الهواء ثم ترتوي الأرض عندما يتساقط الماء، إلا أن الريح قد يحمل قطرات الماء بعيدا عن المنطقة المستهدف ريها و هذا يعني إسرافا في الماء، و كذلك الأمر بالنسبة للإسراف في الماء عند إتباع نظام الري العادي أو التقليدي، فالماء يسيل إلى المناطق التي لا يهدف الفلاح لسقيها.

و يتم إستخدام نظام الري بالتنقيط ءعادةء في الأراضي أو الحدائق التي يتم فيها زرع النباتات و البذور المنفردة و المتباعدة عن بعضها حيث تكون الزراعة عبارة عن شتلات منفردة و بعيدة نسبيا عن بعضها البعض.

وتحتاج هذه الطريقة إلى خزان مياه ذي سعة مناسبة للاحتياجات المائية للموقع، وكذلك تحتاج إلى مضخة ذات سعة وضغط مناسبين، أما “الفلتر” فيؤمن للمزراع مياها صافيا وخاليا من العوالق أو الشوائب التي قد تسد الأنابيب وثقوبها، أما الأنابيب البلاستيكية فيتم اختيارها لتناسب حاجة المزرعة ويمكن استخدام أنابيب غير قابلة للصدأ، وأخيرا الأهواز أو المنقطات التي توصل المياه إلى النباتات في الأماكن المحددة لريها، بذلك يكون “الكوتاكوت” قد ساهم بالإضافة إلى توفير تكاليف الري في استهلاك هذا العنصر الحيوي الذي قال فيه سبحانه وتعالى “وجعلنا من الماء كل شيء حي”.

كما أن هناك الكثير من القطع أو الآلات التي يمكن تركيبها أو توصيلها بنظام الري بالتنقيط و التي تزيد من إيجابية النظام و من تلك القطع نذكر آلة تحسس نسبة رطوبة التربة و تعمل تلك القطعة على تشغيل المياه تلقائيا عندما تنقص نسبة الرطوبة في التربة، و العكس صحيح، فضلا على آلة تعمل على توقيف عمل النظام عند هطول المطر و أخرى تقوم بإضافة المحلول المغذي مثل السماد المحلل إلى الماء، بالإضافة لألة لضبط تدفق المياه من فتحات الخرطوم.

 

حين تجتمع الفلاحة الإيكولوجية بالسقي بالتنقيط .. يصبح “الحلم ممكنا”

يستفيق “مامادو” كل صباح ليؤدي صلاة الصبح جماعة مع سكان القرية بمسجد المنطقة قبل أن يتوجه للضيعة الإيكولوجية التي يشرف على تدبير أمورها، هاته القرية تشغل اليوم أكثر من 120 شخصا غالبيتهم من الشباب الذين كانوا بالأمس القريب يفكرون في هجرة بلادهم نحو دول الشمال.

يحرص هذا الشاب الذي يناديه أصدقاءه المقربون ب”نوبل” على مراقبة سير أشغال الضيعة عن قرب حيث ينزع عنه قبعة “الباطرون” و يختفي وسط الضيعة الشاسعة بين المزارعين يتفحص نمو النباتات و يزيل الأعشاب الضارة و يراقب نضج المحصول و بين الفينة و الأخرى يجمع ثلة من الشباب المستخدمين ليروي لهم قصص المغرب الذي أعاد له الأمل في الحياة.

ساهمت الضيعة الإيكولوجية التي تديرها جمعية “الحلم الممكن” في توفير مناصب شغل قارة لشباب المنطقة و ضمان مدخول مهم لهم، فضلا على تحسين سبل العيش لهم و توفير غذاء ذو جودة عالية و صحي لساكنة المنطقة فضلا على المحافظة على الثروة المائية التي كانت تشكل تحديا كبيرا ليس فقط لقرية “كامي” و لكن لكل دولة الكوت ديفوار كما باقي دول القارة الإفريقية التي تجمعنا.

“مامادو” و في حديثه لنا أكد بأن حلمه لم يعد يقتصر على ضواحي قريته الصغيرة فقط، بل تقدم بملف خاص للوزارة الوصية ببلده من أجل دعمه في تحقيق مشاريع مماثلة بعدد من مناطق البلاد خاصة أن تكلفة الإنتاج أضحت أقل و المردودية أكبر و الجودة أفضل بفعل استعمال تقنيتي الزراعة البيئية الإيكولوجية و السقي بالتنقيط اللتان تعتبران تجربتان حديثتا العهد بدولة ساحل العاج تم استيرادهما و استنساخهما من المغرب الذي يعتبر بلدا رائدا في مثل هاته التقنيات الفلاحية بالقارة السمراء.

كما استغلت جميعة “الحلم الممكن” مناسبة الدورة الرابعة للمعرض الدولي للفلاحة و الموارد الحيوانية بأبيجان المعروف اختصارا ب “سارا” و الذي تنظمه وزارة الزراعة والتنمية الريفية بالكوت ديفوار بالتعاون مع وزارة الثروة الحيوانية والسمكية و وزارة المياه والغابات و وزارة السلامة والبيئة والتنمية المستدامة الإيفوارية للتعريف بتجربتها المتفردة و هو ما لاقى إقبالا و إشادة كبيرتين في أفق تعميم التجربة حتى تستفيد منها باقي مناطق البلاد.

و لقيت جمعية مامادو و رفاقه خلال فعاليات المعرض دعما مغربيا كبيرا خاصة في ظل العلاقات الثنائية الطيبة بين البلدين و انفتاح المغرب على القارة السمراء عبر إغنائها بتجربته و خبرته الطويلة و هو ما حث عليه عاهل البلاد سلفا خاصة في ظل الاتفاقيات التي جرى توقيعها خلال زيارة صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الكوت ديفوار قبل أشهر ضمن جولة إفريقية والتي وصلت إلى 26 اتفاقية همت 5 منها القطاع الفلاحي.

و كان السيد عزيز أخنوش وزير الفلاحة و الصيد البحري و التنمية القروية و المياه و الغابات خلال فعاليات هذا الملتقى الذي حضرته جمعية “الحلم الممكن” قد أكد أن المغرب على استعداد دائم لوضع تجاربه وخبراته البارزة في المجال الفلاحي رهن إشارة البلدان الإفريقية الشقيقة والصديقة و أن النهوض بالتعاون جنوبءجنوب في مختلف المجالات، بما فيها قطاع الفلاحة، يشكل “خيارا استراتيجيا” بالنسبة للمملكة، وذلك وفقا لتوجيهات الملك محمد السادس.

كما أبرز السيد أخنوش ، في هذا الصدد ، الأهمية القصوى للشراكة جنوبءجنوب، الواعدة بفرص حقيقية للتنمية، معتبرا أن هذا الخيار سيمكن البلدان الإفريقية من ربح الوقت، وحل عدد من الإشكاليات لتكون بالتالي في الموعد مع التقدم، معتبرا أن مخطط المغرب الأخضر، الذي أبان عن نجاح حقيقي بالرغم من وجود بعض التحديات التي يتعين رفعها، يمكنه أن يشكل مصدر إلهام للعديد من الدول الإفريقية، مشيرا إلى أن بعض البلدان قامت بدراسات حوله وهي اليوم تتوفر على برامج خاصة بها، كما أشار إلى أن مستقبل الفلاحة العالمية يكمن في إفريقيا، القارة التي تختزن مؤهلات فلاحية مهمة.

كل هاته المؤشرات الإيجابية دفعت “مامادو” و جمعيته للإيمان المطلق بأن “الحلم فعلا ممكن” لاستلهام تجربة المغرب الرائدة و المتفردة و نقلها لبلاد تلتمس أولى خطواتها في درب التنمية، مما يجعل المغرب و بحق “نموذجا” يستحق أن نفخر به و نرفع رؤوسنا عاليا بمجرد ذكر إسمه كما قال “مامادو” الذي بات اليوم يعتبر نفسه مغربيا بعد أن علمه هذا البلد أن “الحلم ممكن” و أن المستحيل ليس له مكان في أوطاننا إذا كانت خلفه أطنان من الرغبة و الإرادة التي تكسر كل العراقيل و الصعوبات بحثا عن تحقيق الحلم و الهدف المنشود…

ما رأيك؟
المجموع 0 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?