مشروعية مساءلة الشرطة القضائية من لدن الإدارة: نقد المقال ومناقشة النقد ؟!

عبد الرزاق الجباري

انتقد أحد الإخوة (طالب باحث في الدراسات القانونية) مقالي الأخير حول “الشرطة القضائية وسؤال مشروعية مساءلتها من لدن الإدارة”، ويتلخص نقده في نقطتين اثنتين: أولهما، هو أن المادة 32 من قانون المسطرة الجنائية تجيز للإدارة مساءلة ضباط الشرطة القضائية. وثانيهما، هو أن قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق لا يعتبرون رؤساء لضباط الشرطة القضائية، وإنما يشروفون على الأبحاث لا غير، طالما أنهم لا يعينونهم ولا ينقلونهم ولا يؤدبونهم ولا يرقونهم وما إلى ذلك.

وإذا كانت الغاية من الكتابة هي عرض الأفكار على أنظار الباحثين والدارسين، فإن نقدها يعد مطلبا أساسيا لتلاقحها بغية تجويدها، وبالتالي تجويد العمل المناط بها.
ولكي يتحقق هذا التلاقح المنشود، يتعين أن يتصف النقد بالعلمية والموضوعية، وأن يبتعد، ما أمكن، عن الذاتية وما يقرب الخواطر منه إلى الأفكار.

وبغض النظر عما تسرب إلى أصل النقد أعلاه من خواطر ذاتية لا علاقة لها بالمناقشة العلمية، والتي ارتأينا عدم الإشارة إليها في هذا المقام لعدم الحاجة إليها، يمكن مناقشة الجانب العلمي منه (وهو ما لخصناه آنفا) من عدة وجوه:

الوجه الأول: أن أصل النقد -وليس تلخيصه المشار إليه- قد تسربت إليه بعض الأخطاء اللغوية، النحوية منها والإملائية، من قبيل: عدم فصل حرف “لا” الناهية عن الفعل المضارع التي دخلت عليه، كـ: لاتعزله”، والصواب هو “لا تعزله”. كما هو الشأن بالنسبة لـ: “لا تأدبه”، والصواب هو “لا تؤدبه”، إذ تعين فصل حرف “لا” عن الفعل المضارع، مع كتابة الهمزة على الواو وليس الألف، لأن الحركة التي سبقتها مرفوعة، والقاعدة تقول: بأن الرفع مقدم على الفتحة في كتابة الهمزة وسط الكلمة.
الوجه الثاني: أن المادة 32 المشار إليها، تنص على ما يلي: “يمكن للغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف، بصرف النظر عن العقوبات التأديبية التي قد يتخذها في حقه رؤساؤه الإداريون، أن تصدر في حق ضابط الشرطة القضائية إحدى العقوبات التالية: (..)”. فهذه المادة، وإن كانت تجيز للرؤساء الإداريين لضباط الشرطة القضائية مساءلتهم تأديبيا عما قد يرتكبونه من إخلال أثناء أدائهم لمهامهم القضائية (وليست الإدارية)، فذلك رهين بصدور مقرر من الغرفة الجنحية يقضي بالإدانة التأديبية، ضمانا لهم مما قد يلحقهم من تعسف أو شطط، ولا أدل على ذلك من الأمور التالية:

أولها: أن المشرع استعمل حرف “قد” وأدخله على فعل المضارع “يتخذها”، وهو ما يفيد التقليل كما هو معلوم في محله من علم النحو، والتقليل يفيد قلة الوقوع أو الندرة كقولك: “قد ينجح الكسول”، فنجاح الكسول وارد ولكنه نادر أو قليل جدا، لأن المجتهد هو الذي ينجح دائما وبكثرة.

ثانيها: أن فعل المضارع “يتخذها”، وإن كان يفيد اتخاذ العقوبات في الحال والمستقبل، فإن التقليل الذي طاله لا يسعف وقوعه إلا في المستقبل فقط، وبعد إصدار الغرفة الجنحة لمقررها بالإدانة، بدليل نص المادة 34 من نفس القانون التي لا يمكن قراءة المادة 32 المستدل بها بمعزل عنها، والتي جاءت كما يلي: “تبلغ مقررات الغرفة الجنحية المتخذة ضد ضابط الشرطة القضائية بناء على المقتضيات السابقة، إلى علم السلطات التي ينتمون إليها بمبادرة من الوكيل العام للملك”.

ثالثها: أن هذا التفسير يجد سنده في صراحة المادة 29 من نفس القانون، والتي حددت على سبيل الحصر الجهة الموكول إليها مراقبة أعمال ضباط الشرطة القضائية الصادرة عنهم بصفتهم تلك، بقولها: “تراقب الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف أعمال ضباط الشرطة القضائية عندما تكون صادرة عنهم بهذه الصفة”.

رابعها: أن مما يزيد من تعزيز هذا التفسير، هو أن القوانين الخاصة المنظمة للإدارات والمصالح التي يتبعها ضباط الشرطة القضائية، لا تنظم مسطرة التأديب إلا في حدود الإخلال بقواعد الانضباط العسكري (بالنسبة للدرك) أو شبه العسكري (بالنسبة لباقي أصناف الشرطة القضائية)، ولا علاقة لذلك بمهام الشرطة القضائية المحددة على سبيل الحصر في المادة 18 من قانون المسطرة الجنائية.

الوجه الثالث: أن مسألة تبعية ضباط الشرطة القضائية لقضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق، واعتبار هؤلاء الأخيرين رؤساءً لهم فيما يتعلق بمهامهم القضائية (وليس بالمهام الإدارية)، أمر محسوم فيه دستوريا وقانونيا، ولا أدل على ذلك من الأمور التالية:

أولها: أن الفصل 128 من الدستور نص على ما يلي: “تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق (..)”.

ثانيها: أن المادة 17 من قانون المسطرة الجنائية جاءت كما يلي: “توضع الشرطة القضائية في دائرة نفوذ محكمة استئناف تحت سلطة الوكيل العام للملك، ومراقبة الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف المشار إليها في الفرع الخامس من هذا الباب”.

ثالثها: أن لفظ “سلطة” المنصوص عليها في المادتين الآنفتين، ذات دلالة قطعية على قيام عنصر التبيعة المشار إليها.

رابعها: أن من القرائن التشريعية المؤيدة لهذا التوجه، هو ما نصت عليه المادة 25 من القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، والتي جاءت كما يلي: “يوضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة ومراقبة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، ورؤسائهم التسلسليين”؛ فالوكيل العام للمحكمة النقض، وطبقا لهذا المقتضى، يعد بفعل وضع كل قضاة النيابة العامة تحت سلطته رئيسا لهم في حدود عملهم الصادر عنهم بتلك الصفة، بالرغم من أنه لا يعينهم ولا ينقلهم ولا يؤدبهم ولا يرقيهم، وإنما المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو الذي يختص بذلك حصرا.

وتأسيسا على ما سلف، يتضح أن النقد موضوع هذا التعليق لم يكن مؤسسا من الناحيتين العلمية والموضوعية، وإنما كان مدرجا ضمن ما يعرف عند أهل العلم بـ: “التَّزَبُّب قبل التحصرم”.

 

عبد الرزاق الجباري الكاتب العام لـ “نادي قضاة المغرب”

ما رأيك؟
المجموع 2 آراء
0

هل أعجبك الموضوع !

+ = Verify Human or Spambot ?

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
close button
إغلاق